القبلية.. طريق الهاوية
بقلم : عالي محمدلمين

ـ بعد سنوات من وقف إطلاق النار ودخول القضية الصحراوية مرحلة الانتظار، ظهرت على السطح مظاهر سقم عديدة ضربت جبهتنا الداخلية كانت العودة الصارخة للجاهلية القبلية المقيتة من أبرز تلك المظاهر والتحديات المصيرية، ما شكل تهديدا حقيقا لأمن ووحدة وتماسك الشعب الصحراوي وعاملا ينخر مقومات صموده ومستقبل قضيته الوطنية.
ـ تعد القبلية من أخطر التحديات التي تواجه الشعب الصحراوي، لتأثيرها السلبي والخطير على استقرار وتلاحم شعبنا الأبي، فيرى الجميع وبوضوح تام العودة الجلية للنزعة القبلية وبقوة لواقع مجتمعنا، والانتشار الواسع لمظاهر تلك العودة المقيتة، ومن بين تجليات ذلك، تجميد دور القضاء وعجزه عن حماية الأعراض والأرواح والأموال وتقاعسه عن صون قيم الحق والقانون وإحالة أغلب المعاملات اليومية للمواطنين والقضايا الإجرامية المختلفة إلى “المجالس القبلية” المعروفة عندنا ب”أجماعة”، والتي تحكم غالبا انطلاقا من خلفيات قبلية ومادية لا علاقة لها بقيم العدالة ورفع الظلم وحماية حقوق الضحايا، ومن المظاهر المؤسفة لعودة الجاهلية القبلية وفي أقبح صورها، الازدياد المخيف الذي تشهده مخيمات اللاجئين الصحراويين للإشكاليات الاجتماعية ذات الخلفية القبلية والتي قد تصل حد الاعتداء والاعتداء المضاد بين مختلف العائلات (القبائل)، وقد سجل منها في غضون الأشهر الإثناعشر الأخيرة (من أكتوبر 2013 إلى أكتوبر 2014) 05 حالات مؤسفة، وهو رغم قياسي لم تشهده المخيمات الصحراوية منذ نشأتها في أواخر 1975، وفي إطار متصل بعودة النعرات القبلية المشئومة، لوحظ استمرار الهجمات القبلية الإجرامية على المؤسسات العمومية والمقار الأمنية وعناصرها، وسجل منها في غضون الفترة نفسها السالفة الذكر 03 اعتداءات، والتي كان أخرها، الإعتداء المدان على مقر ولاية العيون في شهر أبريل من السنة الجارية (2014) وحرقه، وقبله بشهور قليلة الهجوم الإجرامي على مقر الشرطة بولاية السمارة في يناير من العام الحالي، وسبق ذلك بأسابيع عديدة الاعتداء السافر على حرس الحدود الصحراوي في نوفمبر من سنة 2013 بالمنطقة الحدودية الصحراوية الجزائرية، وعلى صعيد متصل، لوحظ تزايد الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات السلمية ذات الطبيعة القبلية بالقرب من مقر الرئاسة ووزارة الداخلية بالشهيد الحافظ (المنطقة الإدارية)، وسجل منها في نفس الفترة المذكورة ءانفا 04 احتجاجات، التي يأخذ عليها خلفيتها الجاهلية المقيتة ودفاعها في غالبية الأحيان عن المجرمين والظالمين وتجار المخدرات وسجناء محكومين في قضايا إجرامية وموقوفين على ذمة التحقيق ومطالبتها السلطات بإطلاق سراح أولئك الخارجين عن القانون، ولولا كل ذلك لكان الجميع مؤيدا أو على الأقل محترما لها لكونها تعبيرا سلميا تكفله جميع المواثيق والعهود الدولية، ومن بين مظاهر عودة الجاهلية البالية، وبدل اعتماد الإخلاص والنزاهة والكفاءة والخبرة يتم اختيار شاغلي المناصب والوظائف بخلفيات قبلية عن طريق نظام المحاصصة القبلية أو ما يعرف ب”نظام لقرع”، وعطفا على ظاهرة عوة القبلية، وهذه المرة من المناطق المحتلة من بلادنا، لوحظ انتشار روح القبلية المقيتة ومن تجلياتها، كثرة المؤسسات وجمعيات المجتمع المدني الصحراوي المبنية على أساس قبلي وخدمتها في الغالب لأهداف فئات قبلية ضيقة، وهو ما ساهم بدوره في إضعاف الانتفاضة السلمية وقلة انتشارها وعجزها عن توحيد كل فئات الشعب الصحراوي بالمناطق المحتلة.
ـ وإذا ما حولنا حصر أهم الأسباب التي ساهمت في العودة بالمجتمع الصحراوي إلى زمن ما قبل الثورة والدولة وعصور القبلية والفتن والصراعات الجاهلية وعهود الظلام وما يسمى ب”الغزي” وما تعرف ب”الطيحة”، فإن أهم تلك الأسباب، هي بروز سياسيات رسمية ذات طابع قبلي انتهجتها السلطة الصحراوية خاصة منذ أعمال الشغب 1988 ساهمت إلى حد كبير جدا في إحياء النزعة القبلية وبعثها من جديد، وذلك بتغييب المنظومة القضائية وتسليم دورها لما يسمون ب”شيوخ القبائل” ومجالسهم القبلية المعروفة ب”أجماعة”، وإنشاء مجلس ملوك الطوائف المسمى ب “المجلس الاستشاري”، وغياب العدالة والمساواة بين مختلف شرائح الشعب الصحراوي وسيادة منطق الإفلات من العقاب وتدخل الأخ الرئيس ومسؤوليين آخرين وما يعرفون ب”شيوخ القبائل” في سير العدالة والمحاكمات، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، كثرة مراسيم العفو الرئاسي الغير مبررة الصادرة عن رئيس الدولة والتي كان أكثرها استهتارا بالعدالة وانتهاكا للقانون، إطلاق سراح تجار مخدرات صحراويين خطيرين جدا في أبريل من السنة الجارية (2014)، كما اوحت السلطة باستمرارها في إطلاق سراح بعض المجرمين المحكومين بالسجن وموقوفين على ذمة التحقيق بوسطات قبلية على أن القانون ذو وجهين يطبق على البعض حالة خروجه عن أحكامه فيما يأمن الآخرون (شعب الله المختار) سلطانه!، ضف إلى ذلك، أن التغاضي عن المعتديين القبليين على المؤسسات العمومية والأجهزة الأمنية الذي تنتهجه السلطة يشكل تكرسا ممنهجا لمبدأ “متن العين أحجاب” وأن من أراد ما يصفه البعض ب”حقه” فليعتدي بالمليشيات القبلية على الهيئات الرسمية وكأننا في عصر الجاهلية!، ناهيك طبعا عن تكريسه للتخندق القبلي المشئوم، فإن استمرار إفلات المعتديين القبليين على الهيئات العمومية والقوات الأمنية من العقاب يحمل في طياته إهانة غير مقبولة لتضحيات وجهود المؤسسة الأمنية في حماية أمن وطمأنينة الشعب الصحراوي، ومن بين سياسة السلطة التي ساهمت في عودة النزعة القبلية، تقاعس السلطات عن معالجة ضعف المؤسسات الأمنية والعقابية المعنية بحفظ الأمن وتطبيق العدالة والتي تنخرها القبلية والضعف والفساد، زد على ذلك، سياسة المحاصصة القبلية المفضوحة في التعيينات والمناصب وحتى في الوظائف الدنيا عبر”نظام لقرع” ومنطقه الجاهلي السائد منذ 26 سنة خلت، وفي المناطق المحتلة من بلادنا، عملت السلطة على دعم وخلق منظمات وجمعيات حقوقية وسياسية في محاولة لدمج بعض الفئات الصحراوية “المحايدة”! في فعاليات الانتفاضة السلمية وإشراكها في الفعل النضالي، وهو الأمر الذي ترتبت عنه نتائج عكسية أدت لبروز صراعات قبلية بين مختلف هيئات المجتمع المدني الصحراوي، وما نتج عن ذلك، من تهديد للوحدة الوطنية وإضعاف للانتفاضة المباركة، ويضاف أيضا للأسباب التي ساهمت في عودة الجاهلية القبلية إلى المجتمع الصحراوي، المؤامرات المغربية المتواصلة منذ الغزو العسكري لبلادنا، ومحاولاتها المتكررة بشتى الوسائل والطرق لإذكاء النعرات القبلية، دون أن ننسى أوجود العوامل الموضوعية الثقافية والتاريخية في منظومة قيم المجتمع الصحراوي التي تعتبر القبلية خلفية رئيسية لها، مع العلم أن الثورة الصحراوية ومنذ انطلاقتها عملت جاهدة للتغلب على تلك القيم المتخلفة ومحاربتها على مختلف الأصعدة، لكن تلك المحاولات تضاءلت في السنوات الأخيرة أو دفنت على ما يقول بعض المتشائمين.
ـ ومما سبق ذكره وغيره الكثير، يضح جليا ضرورة أن تعمد السلطات الصحراوية إلى خلق سياسات عملية ناجعة، تمكن من القضاء على القبلية المقيتة وتعمل على صون الأمن والوئام الاجتماعي وحماية الوحدة الوطنية لشعبنا الأبي، ويأتي في مقدمتها، بسط سلطة الدولة والقانون وصون العدالة وحفظ حقوق جميع المواطنين، ببناء منظومة قضائية حقيقة قادرة على القيام بمهامها السامية في حماية أعراض وأرواح وأموال المواطنين، وتعزيز الأجهزة الأمنية والمؤسسات العقابية، ووقف سياسات الإفلات من العقاب والتغاضي عن المجرمين ومحاسبة المعتديين القبليين على المؤسسات العمومية والأجهزة الأمنية، ووضح حد لتدخل الأخ الرئيس وغيره من المسؤوليين وما يسمون ب”شيوخ القبائل” في مجريات سير العدالة، وإلغاء المجالس القبلية المسماة ب”أجماعة” ووقف أي دور لها في معالجة الإشكالات الاجتماعية والقضايا الإجرامية، وحل مجلس ملوك الطوائف المعروف ب”المجلس الاستشاري”، والاعتماد على مبدأ الإخلاص والنزاهة والكفأة والخبرة في التعيينات والوظائف بدل المحاصصة القبلية والمحسوبية، ووقف السياسات والإجراءات القبلية لبعض المسؤوليين والوزراء والموظفين في مختلف أجهزة الدولة، والتخلي عن السياسات القلبية في التعامل مع المناطق المحتلة وفعاليات انتفاضة الاستقلال المباركة.
ـ وختاما، قال رسول الله (ص) “تفاءل خيرا تجده”، يبقى أملنا كبير في أن تتدارك السلطة الصحراوية الوضع وأن تأخذ تحدياته على محمل الجد، وأن تعمل جاهدة على وضع سياسات كفيلة بمعالجة ظاهرة القبلية المقيتة وانعكاساتها المدمرة وفق خطوات عملية مدروسة، تمكن من حفظ الأمن والسلم الاجتماعي وتعمل على تمتين عوامل وحدة وتلاحم الشعب الصحراوي، ولتكون دائما وأبدا الجبهة الداخلية لشعبنا الأبي مقوم انتصاراته والحصن المنيع لأماله وطموحاته والصخرة الصلبة التي تنهار عليها مؤامرات ودسائس الاستدمار المغربي الغاشم.

3 تعليقات

  1. لايعاب مثل هكذا مقال بناء فقط راجع طرحك لوصف احدءث 88 لا خلاف علي حصول سلبيات مع اوجود اجابيات ايضا نتاسف علي سؤ استخدامها … استحضر الاسباب ثم صف الاحداث

    • لايعاب مثل هكذا مقال بناء فقط راجع طرحك لوصف احدءث 88 لا خلاف علي حصول سلبيات مع اوجود اجابيات ايضا نتاسف علي سؤ استخدامها … استحضر الاسباب ثم صف الاحداث

  2. بالنسبة لوصف أحداث 1988 ب”أعمال الشغب” فذالك لم يكن مخض صدفة ولا تجنيا عليها، وإنما تصورا شخصيا لتلك الأحداث نابع عن إعتقاد جازم، ان تلك الأزمة ورغم أن هناك إيجابيات نتجت عنها، إلا أنها أعمال أنطلقت من خلفيات قبلية جاهلية ومأرب شخصية ضيقة وهو ما يعاب عليها و”ما بني على باطل فهو باطل”…