صنم  الإستكانة / بقلم : محمود بابيت.

أيقظه المنبه على  الساعة الخامسة و النصف  و بقى  جسمه ساكنا ، جامدا ،يحاول بجهد  أن يتملص  من سكرة النعاس الى  وعي الصحوة  بصعوبة  كأنه مشدود الى  مفعول منوم  طبي  يسري  في دم الاوردة.
سارع الى   كتم  صوت الهاتف  الذي ينام على طاولة السرير جنبا  …إهتز باضطراب   و ازدادت رناته حدة حاىلة بينه و  نومه الذي لم يكتمل  .
الغرفة  مظلمة  و النوافذ محبكة الاغلاق و قد  سيجت بسياج شبه آلي، بسطت شبكة   حلقاته  كالحصير،  مشكلة غطاىا من الحديد المعالج، ينكمش بسحبة واحدة للاعلى و يعود بمجرد إرخاىها الى اسفل الإطار،  فيحجب   الضوء و الصوت عن من في  البيت .  يزين الزجاج  رداىين كثيفين  إحدهما ابيض ناصع  مطرز ،يليه آخر برتقالي داكن أكثر سماكة ، يتدليان بإنثنىاتهما ؛  تتخللها  مطبات رخوة بأشكال   مقوسة، تهبط  من قمة الحاىط، اين التقى بالسقف الى اسفل ، حيث يلتحم  بمربعات  من البلاط،  مشكلة حجم السطح ؛مما يوحي بأنه  في قاع جب مظلم  او في دهاليس  كهف نحتته الطبيعة تحت إبط  جبل في ليلة ظلماء.
تحسس براحة يده على يمينه  في ذاك الظلام الدامس حتى عثر على النقال و  بمسحة جانبية  من  أصبع سبابته ، تخلص من عواىه  المزعج.
تحرك  قليلا  ، انتقل من وضعية الإتكاء، تداعت رجله الى اسفل باحثة عن نعله ، لكن فراسته أخطأت ، فوقعت  اخمص رجله على البلاط البارد، لكأنه وضعها فوق كتلة جليد . وخزه سم  البرودة حتى تماثل للوعي   و تلاشى عنه  شعور النعاس ،  فبدا  يغادره تدرجا بالرغم انه لم ينم إلآ بعد منتصف الليل بعدة أرباع من الساعة.  مد يده اليسرى الى زر الانارة ضاغطا بابهامه   فتحول فجأة البيت  الى نهار  مشع.  تبين  له الخيط الأبيض و زالت عن عينيه غشاوة الظلام و انتعل نعليه قاصدا دورة المياه. توضأ و مضمض فمه بعد ان مسح بسواك ” أتيل ”  اسنانه مضيفا عليه عجين أزرق فاتح و الذي عادة ما   يطلق بعد حكه  زبدا ذا طعم حار يميل الى طعم النعناع. عرج   بالمطبخ  ، لا لأنه يشتهي مذاقا  في هذه الساعة ،بل باحثا عن اغراض في  الشرفة الموالية، فعادة ما يترك الأحذية هناك للتهوية . رب كأس شاي ساخن يساعده في نشاطه اليومي!                                                رجع للغرفة ليغير ملابس نومه. كانت المرآة الشاهد الوحيد المستيقظ  على لحظة  تبديل هندام بهندام . أخذ حقيبته بعد ان تفقد لوازمه ” مفاتيح العمل، نظارات للقراءة و علب من المناديل تكفيه شر مخاض  الحساسية و حافظة الوثاىق التي تدلى جانبها  من تراكم البطاقات المضغوطة ببعض النقود و الهاتف النقال. ينطلق على عجل ، نازلا من العمارة عبر مدرجلتها  الحلزونية، ليتجه مباشرة الى المترو.  في الطريق و هو يسارع الخطى ،  إذا بشخص يسير  في نفس الإتجاه ، بدأ  له ،أنه  يحمل كيسي  قمامة ،  تبين أنه رمى بهما الى الصندوق  المثبت على حافة الرصيف و واصل سيره  بخطى متسارعة. صعد مدرجات عمومية  تتسلق الى العمارات الشامخة التي خطط لها مهدنسي المعمار على حافة مرتفعات محدبة،  فانحرف الى  يمينه يتسلق المدرجات بأنفاس متقطعة و يبدو  انه أومأ براسه لشخص آخر ، قد بدأه التحية. بعد خطوات  التقى الجميع  لاهثا عند اعلى  بوابة مصعد  للمترو ، فقد  بني على اعلى ربوة في جهة المدينة الغربية. اصطف الجميع تحت قناديل مشعة يبخها رذاذ خفيف ، نصبت اساسا لإنارة تلك البناية المستطلية التي بنيت بالحديد الصلب لإواء الحاويتين العملاقتين .
اصتف النازلين الى سرة الأرض، ينتظرون وصول أحد المصعدين. ما ٱن وصل حتى فتح بابه اتوماتيكيا ، فتتابع رواض الأرض كدودة الأرضة بانتظام الى قاعدة السنصور. سد الباب تلقاىيا، فكان على أخرهم ان يضغط على سهم النزول؛ لكنه سهى لهنيهة عابرة ، فاطبق صمت رهيب على نزلاء  المركبة الأرضية النازلة، مركزين عليه نظراتهم، فما كان منه إلآ ان سارع بضغط اصبعه على مؤشر الصعود دون قصد. تدارك خطأه و اعاد الضغط على السهم الذي يشير الى القاع. علق صاحب أكياس القمامة بمزحة بأن مفعول القهوة عاجز أمام النعاس، فردت عليه التي بادلته التحية بأنها شربت القهوة ذات الاكياس المضغوطة فهي أكثر فعالية وأما  هي فتحبذ  تناولها بعد  كل خمس ساعات. نزل المصعد  كالعلم الوطني الى  احضان ذراعين ، احدمهما يتوجه بالمجوعة الى بلباو و الثاني الى ذيل  الجهة العكسية. أخذ مقعده المغلف بغلاف ناعم وسط الركاب و فتح   تحت عينيه كتيبه الصغير  ، مالبث حتى وصل لمحطته الأولى حيث ملتقى القطرات ، نزل من عكس الباب الذي صعد منه. سارع مع الجموع صاعدا مدرجات عريضة أخذت الحيز الأكبر من ممر الأرصفة التي تفرغ و تشحن  فيها القطارات حشودها النازلة  و الصاعدة . تسابقت الارجل في التسلق ، لا يرى إلآ خطوات الأحذية   كالأصابع الضاربة على البيانو محدثة أصوات بين الحاد و الادنى منه جلبة. يرفع رأسه قليلا في منتصف المدرج فتلوح له عن كثب أجزاء من  واجهة الممر الألي المؤدي الى المدرجات الميكانيكية ؛ يحول بينه و بينها بعض المعاطف التي تدلت من على  الظهور المقوسة نحو الرؤوس المنكبة ، فغطت المناكب و أظهرت  له حجم  بعض الخواسر الضامرة لسيدات يسابقن الرجال في شق ظلمة الفجر، فلا فرق بين الجنسين إلآ بصبغ الشفاه و بعض الأحذية ذات الكعب العالي.
استوى العابرون بعد الصعود فوق سطح المعبر الآلي فمنهم من عبره و منهم من انحرف لليمين نازلا نحو الجهة الموازية عبر مدرجات هي في شكلها و حجمها توأمة لسابقتها.
وقف بعد نزوله مع جمهور غفير عبر المدرجات مرة ثانية     بالقرب من  اللوح الاكتروتي الذي ينبي بوقت  قدوم المترو.
بعد دقاىق محسوبة أقبل  كالتنين  يطوي السكة طيا، و ما إن ظهرت قاطرته في النفق المظلم حتى اتقدت المصابيح على جنبات هذا الكهف العظيم فزادت الإنارة نورا  . صعد هذه المرة و اختار ركنا منزويا  بالمركبة ،عين خصيصا للراكبين الذين لا مقاعد لهم في  ساعات الإزدحام. تحركت الآلة مسرعة،  ارتجت فراىسها عند أول انحراف  ، فتمايل  الواقفون. تسمرت الأيادي بالاعمدة المثبتة حتى استوت القاطرة في سيرها. ساد الصمت لبعض الوقت، لا يقطعه إلا الوقفات الاجبارية عند كل محطة. أخيرا وصل حيث   تدرج السلالم صاعدا الى  القصبة التي يصعد زفيرها النازلين و ينزل شهيقها  الصاعدين .
لفظته بوابة المترو الدافىة الى صقيع الشارع . انكمشت مسمات جلده على ما تحتها من حرارة و اسرع  بخطاه لرفع درجات السخونة باطرافه المتسابقة نحو مدخل المؤسسة.  وصل الى قلعته ذات الأضلاع الثلاثة الكشافة ،المكشوفة. أدخل المفتاح بسرعة فاىقة ، لولبه لليسار فانفتحت أسارير لب البناية باعثة طقطقة من جهاز الإنذار. كتب على شاشته الرقم السري 31/10/1975 تذكيرا بيوم الإجتياح المشؤوم. سكتت الطقطقة بتحرير آلة الإنذار .اشعل جهاز الرقابة المتكون من 32 شاشة. أصبحت المؤسسة بجميع مداخلها و مخارجها تحت رقابته. صلى ركعتي الصبح على عجل ، ارتدى ملابس العمل الرسمية مختومة بربطة العنق السوداء ، علق على جيب  قميصه الأيسر لوح  حديدي نقشت عليه ترقيمة  تعريفه . جلس على كرسي متحرك يقابل شاشتين ، احداحهما عن  يمينه و  الأخرى عن يساره. يأخذ هاتف العمل و يتصل مباشرة بمركز المراقبة ، إذانا ببداية ساعة العمل. لا زال الظلام يخيم على الكون ، يحمل شرحتي مغناطيس حيث عمودي  حاجز المراقبة. ما إن ثبت الشرحتين حتى صعد العمودان يشقان العباب، مشكلان زاوينين قاىمين إذانا بفتح المعبر أمام السيارات. ينغمس قلبا و قالبا في حيثيات حركته حتى يمرر أربع ساعات وراىه. يعود للبيت لأحذ قسطا من الراحة ثم يستأنف مشواره ، غير أنه هذه المرة سيمر قبل مدوامة المساء على مكتب الطرود البريدية ، مارا بالساحة العمومية، حيث يلتقي الحمام و البشر و مجسمات الكاىنات من كل صنف. يميل في سيره الى عمق الباحة حيث يقف ذاك المبهم الأنيق الذي نحت بأنامل رشيقة ،خفيفة. نصفه السفلي أطول مرتين   من العلوي ؛ له حذاء بني ، ملمع . و سرواله مستقيم ، لا تظهر عليه علامات الإنكماش و الإنثناءات. لكن نصفه العلوي مبعج ، لا يظهر سوى رأسه و إحدى يديه قد  تدلت الى حزام الخاصرة ، يخرج من بين أصابعها طربوش يجمع فيه عطايا المارين من هناك. رمى له بشيء و مضى ليلتقطها رفيقه الملازم  الذي يدعي مرة أنه  تركماني و مرة أنه  عروبي ومرة أنه لاجىء  سوري و  يستجدي في خفاء عندما يفلس بأنه صحراوي لاجي، و أن له الحق في رفع دعوة قضاىية على المارين من الحديقة و على كلابهم المدللة  .
عاد عامل القلعة الزجاجية يحمل طرده البريدي و لم يفتحه إلآ بين حيطانها الأريع ، ثلاثة منها   يرى  منها   المارة و لا يرونه .  بعضهم يقترب من  الزجاج فيرون وجوههم كما في المرآة، فيمسحون على رؤوسهم و يراقبون هيىاتهم   و قد  تلون بعض النسوة المسرعات شفايفهن أمام عينيه، دون أن يعلمن ان وراء المرآة مراقب يتابع الكامرات، يرى من يمر أمامه في الشارع و لا يراه.