بين الخيانة والوطنية مابين عالم وجاهل.
بقلم : مولاي آبا بوزيد.

بين الخيانة والوطنية مابين عالم وجاهل في نظر الوطنيين و قد يبدو ذاك الفرق الشاسع بينهما في نظر الخونة و الإنتهازيين و المستفيدين من استمرار الفساد مجرد خيط رفيع بالكاد يتمكنون من رؤيته .

قد يختلف أو يطول أو يقصر تعريف الوطنية من شخص لآخر ولكن مهما اختلفت التعريفات و مهما طالت أو قصرت و مهما كان إيجازها فكلها ستجمع على أن الوطنية هي حب الوطن و التضحية من اجل الوطن .

و مهما اختلفت تعريفات الخيانة و انواعها فإن أي كان لا يمكن إستثناء خيانة الوطن من كونها تعني التضحية بالوطن من أجل نفع ذاتي ، درهما كان او دينارا او كيليهما او جاه او مصالح اخرى او الجمع بين كل انواع الانتفاع .

و الخيانة هي اخطر مايمكن أن يعصف بحركات التحرر دائما و لذلك تحاربها حركات التحرر عادة بإقامة محاكم للمشتبه بخيانتهم و تدين الخونة منهم و تعاقبهم بعقوبات تصل غالبا إلى الإعدام ، ماعدا في حركتنا التحررية فقد ظلت إستثناءا في ظل حكامة قيادتنا الرشيدة الحالية الدائمة الابدية ، فقد كانت في السابق تقوم بإعدام من تتهمهم بالخيانة دون محاكمة ودون أقامة الحجج عليهم حتى اصبح الأمر يشبه لتطهير العرقي ، و لاحقا أصبحت قيادتنا تتركهم يسرحون و يمرحون بيننا في غياب تام لتطبيق القانون و دون محاكمات و دون عقوبات و مازالت كذلك ، فلا يفوت يوم دون أن نسمع فيه من قياديينا في مهرجانتهم و ندواتهم و بياناتهم و منشوراتهم التي تعمم علينا عن وجود خونة و وجود أدلة تثبت تورطهم و تحذر من أعمالهم ، ومع ذلك مازالت أبواب محاكمنا و سجوننا ألى حد الآن مغلقة في وجه هؤلاء الخونة و العملاء و تمتنع عن محاكتهم ، الأمر الذي لا تفسير له سوى إستفادة قيادتنا من هذا التقاضي عن الخيانة ، و إستفادة قيادتنا من عدم محاكمة الخونة تكمن في رغبتهم في بقاء تهمة الخيانة تهمة فضفاضة يستعملونها للدفاع عن الفساد الذي تروج له قيادتنا و المستفيدين من فسادها على أنه “الفساد” ركن من اركان الوطنية و من يتخلى عنه فلا وطنية له و هو خائن من حينها ، وليس ببعيد عنا ماشهدته جلسات برلماننا في الاسبوع الماضي حين أتستعمل وزير دفاعنا تهمة الخيانة للدفاع عن فساده أمام أعلى هيئة رقابية وتشرعية ، فلم يجد وزير الدفاع من الدفاع سوى التهمة الجاهزة فاستعملها متهما عضو بإعلى هيئة رقابية و شرعية و منتخبة من الشعب لمحاربة الفساد بالخيانة لتأديته بعضا يسيرا من دوره الرقابي ، و ليس بعيد عنا ايضا اتهام قيادتنا للمؤتمرين المنتخين من الشعب لتمثيله في أعلى سلطة دستورية “المؤتمر” بالخيانة حين صوتوا لما أعتبروه رادعا للفساد و اختارو الخيار الرابع الذي يقضي بتقليص الامانة الوطنية الى سبعة إشخاص في المؤتمر الأخير.

إذا هذا الفراغ القانوني هو الذي دفع ببعض أصحاب حلول الوسط إلى الدعوة للتوقف عن خطاب التخوين مادام مجرد كلمة يمكن للكل إستعمالها ضد الآخر بغض النظر عن صحتها من عدمه و بغض النظر عن ألادلة التي تثبت الخيانة أو العمالة أو الجوسسة أو التعامل مع العدو مهما كان نوعه ، و لكن الأصح هو الدعوة الى تشديد خطاب محاربة الخيانة ( وليس تشديد خطاب التخوين ) و تشديد إثبات الأدلة على الخيانة و تشديد المطالبة بإنزال أقصى العقوبات التي يتيحها الدستور الصحراوي على مرتكبيها عبر مؤسسات الدولة الصحراوية و قانون العقوبات عسكريا كان أو مدنيا .

يختلف “خطاب محاربة الخيانة” عن “خطاب التخوين” حيث تعني محاربة الخيانة التصدي للقيام بفعل الخيانة و إنزال اقصى العقوبات بمرتكبيها و ضرورة نبذها ، بينما يعني خطاب التخوين استعمال تهمة الخيانة فارغة من الفعل ، من أجل الحد من نشاط ما خوفا من تلك التهمة الجاهزة و هي تهمة قديمة تستعملها قيادتنا من المؤتمر الثالث للجبهة و لكن الجديد فيها حاليا هو إعلان ابناء القيادة الذين هم “قيادة الغد وراثيا” ودعاة الوطنية اليوم عن إستعدادهم للمقايضة بين جريمتين “التستر على الفساد مقابل التستر على فعل الخيانة ” ، فإن كنا خونة وهم وطنيين فلماذا يقايضون سكوتنا عن الفساد بسكوتهم عن خيانتنا بعد توقفها ، فالخائن يبقى خائن حتى وأن توقف عن الخيانة مالم يتوب و يعتذر وينقد نفسه وفعله و يعاقب ،او يحصل على عفو من العقاب صادر من مؤسسة رسمية تمثل الدولة ولا تمثل عائلات القيادة مطلقا .

إن الذين ثبت تعاملهم مع العدو و بالأدلة و بالصوت والصورة و دون إلتباس ، جاءت قيادتنا لاحقا لتنفي عنهم تهمت الخيانة و من على منابرها الرسمية ، و الآن حين إنقلب السحر على الساحر و ثبت اليوم استمرارهم في تعاملهم مع العدو ، هاهم بعض أبناء الطبقة الحاكمة و اتباعهم يحاولون لوم المواطن على ظهورهم في المنابر الرسمية بعد ظهورهم في منابر أعلام العدو ، في تجاهل تام لمشاركة الاوصياء على المنابر الرسمية في تلك الخيانة ، حيث من المؤكد المعروف عند عامة المواطنين أن التلفزة ليست وكالة من غير بواب و معروف أن مجرد الدخول الي داخل صورها لا يتمكن منه غير العاملين و الضيوف باستدعاء او تعليمة قيادية في أقل الحالات تكون من مدير التلفزة الوطنية شخصيا والذي لن يقدم على عمل كهذا دون استشارة الرئاسة الجهة الوصية على المادة الأعلامية في تلفزيوننا الوطني ، و علاقتنا بؤلائك تظل تماما كعلاقة اي مواطن آخر بهم ، مثل ما كانوا في سابق عهدهم رفاقا للصحراويين جميعا في النضال ضد العدو الاول ” الاستعمار” تماما كانوا رفاقا لنا في محاربة العدوالاول “المحتل” و العدو الثاني “الفساد” ، و تماما بانسلاخهم من الجبهة الشعبية في شهر يوليو الماضي كانوا قد انسلخوا من مشاركتنا ايضا في الاهداف و الوسائل الرامية الى الأصلاح الذي نسعى الى تحقيقه ، الإختلاف وقع فقط حين وثقتم بهم من جديد و قدمتموهم في بداية أكتوبر كوطنيين فعلوا مافعلوا من أجل الوطن في حين لم نثق بهم من حينها و لم نثق بروايتكم التي قدمتهم كوطنيين .

التعامل مع العدو هو خيانة عظمى و لا جدال في ذلك و هو اخطر أنواع خيانة الوطن ، لكن لا تنتهي خيانة الوطن في التعامل مع العدو وحده ، فتقديم مصالحنا الخاصة على المصلحة العامة للوطن هي خيانة للوطن أيضا و لا تقل في خطورتها عن التعامل مع العدو ، و هو ما تقوم به قياداتنا حين تفضل “الكراسي مع فساد مؤسسات الدولة” على “الكراسي مع إصلاح مؤسسات الدولة” ، و أختزالنا لتضحيات الشعب الصحراوي في تضحيات عائلاتنا بشهيد او فقيد هي ايضا خيانة لتضحيات الشعب ، وايضا خيانة مبادئ الثورة هي خيانة للثورة ، و جعل مبادي الثورة تبدو كخيانة هو ايضا خيانة للمبادئ التي سقط عليها و من أجلها شهداء الشعب الصحراوي من أجل الوطن و ليس من أجل أي عائلة أو جاه أو بقاء في السلطة .

بما أن الوطنية تعني حب الوطن ، فليس بيننا من يمكنه إدعاء حبه للوطن أكثر من شهدائنا الذين تركوا لنا اقوالهم و سيرتهم الذاتية تعرفنا بإدبيات الفعل الوطني الثوري و تركوا لنا المبادئ الستة عشر التي ظلوا حرصين على ترجمتها الى أفعال حتى استشهادهم في ميدان الشرف تطبيقا للمبدأ الثاني من منها و الذي يقتضي “التضحية” بالروح ، ناهيك عن التضحية بالمناصب و المال و الجاه ، وعليه فإن النقد و النقد الذاتي بإعتباره مبدء من مبادي ثورة عشرين ماي و بإعبارنا أبناءا لتلك الثورة ، و باعتباره من وحي فكر سيد شهدائنا الشهيد الولي و رفاقه من الشهداء الذين ضربوا لنا مثلا في صدق افكارهم و اقوالهم بترجمتها الى أفعال ، سيظل وسيلة من أرقى وسائل محاربة القضاء على الفساد مهما حاول رفاقهم بالأمس التخلي اليوم عن النقد و النقد الذاتي و جعله يبدو جريمة وطنية و خيانة عظمى .

و تطبيقا لفكر سيد الشهداء فسيظل القيادي الذي يسخر الهم العام لمصلحته الشخصية أو العائلية أو القبلية أو الجهوية يوصف بإنه إنتهازي يكسب على ظهر القاعدة الشعبية بخلاف واجبه الذي يقتضي عليه العطاء للشعب ، و سيظل من واجب القاعدة الشعبية هز قياداتها و إطاراتها حسب وصية الشهيد الولي مصطفى السيد رحمه الله و طيب ثراه و أدخله فسيح جنانه راجين من المولى عز وجل أن لا يحرمنا دخول تلك الجنان من نفس الباب الذي أدخله و رفاقه منه ألا وهو باب الشهادة في سيبل الوطن و العرض ، فوالله ما كرهنا للموت في زمن السلم هذا إلا من كرها لذهاب أرواحنا هباءا على الفراش كأشباه الرجال و الوطن مزال يئين تحت ارجل الأنذال ، فلا تقبض ارواحنا يا الله ألا و نحن معهم في نزال ، أو بعد تحقيق النصر و الستقلال. انك سميع مجيب .

و في الأخير فأنه لا يضير الوطنيين نعتهم بالخيانة من أي كان ، ناهيك عن كون من ينعتهم بذلك يكون في الغالب من ابناء طبقة النبلاء الصحراية ، تلك التي تختزل الوطن والشعب و المبادئ و الشهداء في الفساد و التبرير للفساد و أيجاد نفس أطول للفساد ، ما الضير أن يصفنا بالخيانة من ورث صكوك الوطنية و الخيانة من عائلته يوزعها على من شاء و كيف ما شاء ، ما ضرنا في وصف صادر ممن ذهب إلا منح صك الخيانة لكل المتواجدين في المخيمات و كتب ذلك على صفحته بالفيسبوك في إحدى هجوماته الدفاعية عن القيادة الفاسدة ” موثق بالصورة ” ، نعم يصف كل سكان المخيمات بمن فيهم الجرحى و النساء و المقاتلين و الأطفال كلهم خونة ماعدا القيادة و عائلاتهم و من حولهم ، ما الضير في أن يصفنا بالخيانة من يظن أنه بلغ اقصى درجات التضحية لمجرد مشاركته في وقفة ، فكيف بمن دفع عمره منذ الطفولة يوما يوما مسيرا ببرامج التنظيم الثوري من تجييش و عمل شاق و تدريب و حراسات و دوريات و مازال يعتبر نفسه مواطنا عاديا يؤدي عملا عاديا بل و يعتبر نفسه مقصرا ، ما الضير في أن يكون موزع الصكوك حين كان الميدان عسكريا كان في أمان و حين اصبح الميدان ميدان للإنتفاضة الشعبية فر من الميدان الى حيث الأمان و لا عجبا حين يعود الميدان عسكريا فنراه يفر الى مكان آخر حيث الامان كعادته ، ولا اخفي أن لدينا من الأدلة التي تثبت خيانة البعض و لكننا لا نقدمها للمحاكم باعتبارنا لمحاكمنا أنها سياسية عادة و لا تدين سوى الضعفاء ، في المقابل يعتبر دعاة الوطنية تلك المحاكم قضائية و عادلة و هم يتشدقون بأوضوح أدلة خيانتنا ليلا نهارا، فما الذي يمنعهم من رفع شكاوي ضدنا و تقديم تلك الأدلة و اثبات خيانتنا عبر محاكم وزارة العدل التي يثقون بعدالتها و عدم إنحيازها ؟ و هكذا يكون دعاة الوطنية “بوقفة واحدة” قد حاربوا الخيانة دون مقايضتها بالفساد و يمكنهم حينها استمرارهم في الفساد دون منازع و القضاء على الخيانة في نفس الوقت ، أم انهم يعتبرون عبارات مستعارة ليست لهم مثل ( طائر الفينيق من تحت الرماد ) و (مخلوقات بشرية من تحت الركام ) أدلة تكفي لإلصاق الخيانة بأي كان ، فإلى أن تصبح الخيانة تهمة أمام المحاكم الصحراوية و ليس تهمة توزع عبثا ،و ألى حين فتح محاكمنا أبوابها لمحاكمة الخيانة كجرم في حق الوطن والشعب و القضية سيظل المستفيدين من الخيانة يقومون بضربات إستباقية لدفع التهمة عنهم و الحفاظ على الدرهم أو الدينار أو اليورو أو المواد التموينية أو المناصب أو كل هذا .

كل الوطن أو الشهادة

تعليق واحد

  1. مناضل لا منافق

    تحية و الف تحية لك ..
    النص رائع ، تعريف واضح و صريح للخيانة ليس كمن يحاول ان يخلط بين الخائن و العميل و المناضل الشريف
    الصورة الرفقة بالمقال هي الاخرى اسعدتني ، و ذلك لكي يكف الذين لطالما قالوا انك شخصية مجهولة ..
    تحية يا رفيق الدرب