تفاصيل اليوم الأخير من بحث سالم عن والدته.

بقلم : سمية عبد الله.

قراءة في رحلة يوليسيس الصحراوي
تعتبر التجربة القصصية عند القاص الصحراوي حمدي محمد الحافظ من أخصب التجارب  وأغناها , والأكثر اغراء للقراء والنقاد  إذا انها تتوفر علي مقومات ابداعية وخصائص فنية  لم يألفوها عند غيره من المتعاطين لفعل الكتابة القصصية  عندنا .
اذ أن نصوصه تحيلنا دائما علي عبقرية أدبية ممزوجة بفكر فلسفي عميق يعتمد البحث والسؤال .
وفي رائعته  ( تفاصيل اليوم الأخير من بحث سالم عن والدته ) تتجلي هذه النقطة ايما تجلي .
يشي العنوان  من البداية  و الذي جاء جملة أسمية طويلة  – نسبيا- أننا أمام نص ملئ بالأحداث والمعطيات والمعلومات حيث المعني المعجمي لكلمة تفاصيل ومفردها  تفصيل يفيد  السرد المفصل والموسع عن كل خبر أو حدث داخل الموضوع/اليوم , حيث تقوم القصة علي ثامن مقاطع كل مقطع متفرد بتفاصيله وأحداثه ورغم ذلك تحافظ القصة علي تماسكها و وحدته وتبقي سائرة في تجاه واحد  (البحث والسؤال ) , ولا يكاد يخرج من مقطع لآخري حتي يترك وراءه علامة استفهام وإجابة معلقة لسان حاله يقول اثارة الأسئلة هي الطريق المؤدي للمعرفة والفهم  من هنا يأتي التشابه بين رحلة سالم ورحلة  البطل الاسطوري يوليسيس , كلتا الرحلتين أخذتا زمنا طويلا , كلاهما خارج حيزه منزوع من أصله ويبحثا عن طريقة تمكن عودة الفرع للأصل , لإثبات الذات/الوجود,والأهم اشتراكهما في التوق للمعرفة والوصول
ولأجل هذا جابها تحديات جسام  وخاضا مغامرات في أماكن متفرقة ومجهولة, وقابل شخوص عديدة شكلت كلها مشاريع وأفكار للبحث والتقصي
وكما لم تكن رحلة يوليسيس سهلة كذالك لن تكون   رحلة سالم خاصة في يوميها الأخير كما أوحث
بذلك مقدمة المقطع الثاني (الثلاثاء يوم شؤم )  حيث الأهالي  تمتنع عن السفر والتنقل  في هذا اليوم تحديد , ويمزجه بعامل تطير في الثقافة الأم/العربية ( مصادفة الغراب عند السفر) فهو نذير شؤم أو رسولا لن يعود أبدا  .فالكاتب هنا ينبش التراث الشعبي وامتداداته الثقافية  لربطه بجذوره و وأصوله .
وعملية النبش هذه تمس أنحاء متفرقة من النص ذلك أن التراث طالما كان ركيزة  أساسية في تشكل هوية الأمم والأفراد و سالم  هنا يخوض رحلة بحث عن الذات/الهوية , ولذلك حفلت  القصة بعرض وتفاصيل كثير من الطقوس الثقافية ( حلاقة الرأس , الاعتقادات وطرق التفكير , التعليم …) ..
انطلق سالم/يوليسيس  في رحلة البحث عن والدته التي فقدها عند مولده  – ربما –  , فهو لا يذكر ملامح  لها أو صفات ولا يشترك معها ذكريات علي خلاف والده , في بحثه عنها يصادف المجتمع علي فطرته , يعيش حياته  اليومية معتقدا أنها حياة طبيعية ويمارس طقوسه الثقافية  كمن يمارس العبادة توارثا لا إدراكا ليتضح في الأخير ان المجتمع الصحراوي /الإنسان يقف علي خيط واهن أقل حركة وأضعف نسمة هواء ترمي به لساحة الواقع المرير,  هكذا يبدؤ النص في بنيته السطحية
ولكن في البينة العميقة رحلة البحث عن الأم هي  بحث عن  الأصل و الذات , الوطن الأرض الهوية وربما المصير
هي رحلة شخص وجد نفسه علي مفترق طرق يبحث عن نفسه  , عن  اصل الأشياء ,  عن هوية  مجتمع لم يبقي منها غير الاسم لا يكاد أحدهم يذكر ملامحها في ابسط صورها ( كبيرا أو صغيرا , عالما أو جاهلا  , نساء ورجال ) بحث عن وطن تكالبت عليه ظروف داخلية وخارجية  و  حتي يعود الفرع للأصل , و ينتشل المجتمع من فكي كماشة  الضياع والذوبان  ويصبح له كيانا مميزا , رحلة اثارت اسئلة وتركت استفهامات  عدة في كل نحول ( الانسان  , الهوية , الذات , الوجود ) .
لذلك نجد القاص  يغوص في عرض وتفصيل  قضايا وأحداث ماضية و اسقاطها علي الحاضر قصد  اعطاء تبررات أكثر اقناعا حول جدوى الرحلة  , حيث يتكشف للبطل الشرخ والضرر الذي لحقا بالإنسان  والهوية الوطنية  وكيف أصبح التشتت والضياع سيمة الانسان الصحراوي نتيجة عوامل  شتي لعل الحرب والتهجير أهمها  كما حدث عقب أحداث أم دريكة وغيرها من المعارك التي فسخت اللحاء عن العود.
و للسرد الذي اعتمده الكاتب كبير الأثر في ترسيخ الصورة وتقريب الرسالة من المتلقي  , حيث الكاتب يبدؤ  جليا أنه  يمتلك إرث لغوي وثقافي بثه في ثنايا قصته وفي مشاهد مقتضبة  ولكنها كثيفة الدلالة والرمزية . فالسرد شكل  العمود الفقري  الذي أسند يه قوام القصة وقد  تجلّى هذا التأثير  في فن البوح و التخفي والحوار من  خلال أشكاله ( داخلي  وان كانت الغلبة للحوار الخارجي )  وتقنياته و منها تعدد الأصوات وتعدد ضمير السارد ( متكلم , مخاطب , غائب )
وقد غلبت الأفعال الماضية علي النص مما يعطي للنص واقعية ومصداقية أكثر , كونها احداث وقعت وحصلت فعليا , وأصبحت نتيجة ملموسة , فسالم لا زال في بحثه عن أمه/ذاته/وطنه/هويته بعد عن تعددت الروايات والتفسيرات حول مصيرها ولكنها تصب كلها  وتؤكد علي حصول الفقد والانفصال.
وعلية أن يبقي في بحث وسؤال دائمين عن مصيرها وأسبابه فالفكرة البحث عن الأسئلة لا الإجابات.