هجوم “لارامبلا”.. العبر والمسؤوليات.

بقلم :  سلامة محمد لمين.
تابعت، كالكثيرين بلا شك، الهجوم الارهابي الغادر الذي تعرضت له مدينتي برشلونة و كامبريلس الكطلانيتين وعبرت منذ اليوم الاول عن ادانتي ورفضي الشديدين للعنف الأعمى و قتل الأبرياء،  وعن تضامني مع المدينتين المنكوبتين على صفحتى في الفيسبوك.
لقد كانت ردة فعل عاطفية عفوية صادقة لأسباب كثيرة، منها انه سبق لي ان مررت بمدينة برشلونة قبل عدة سنوات بينما كنت عائدا من  المانيا الى الجزائر، و رغم انني لم اشاهد  من المدينة الكبيرة سوى المطار و بعض الشوارع القريبة، الا انها قد جذبتني بتنظيمها و جمالها و رقيها، لازلت اتذكر المعاملة الحسنة لشرطة المطار التي كان افرادها يبتسمون عندما كنت اصف لهم بالانجليزية محتويات محفظة النقود التي ضاعت مني اثناء التفتيش قبل ان يعيدوها الي.
ثم ان لدي اصدقاء هناك و يوجد بالمدينة، كغيرها من المدن و المقاطعات الإسبانية، متعاطفون كثيرون مع القضية الصحراوية، صحيح اننا نحن الصحراويون نشعر بالرضى عندما تحدث قضية مشينة يتورط فيه مغاربة لأن ذلك يلطخ سمعة بلدهم الذي يحتل ارضنا و يشرد شعبنا و يقمع جماهيرنا العزلاء في مدننا المحتلة،.  لكن هذا الشعور الطبيعي لا يعني بأي حال من الأحوال اننا نقبل قيام ارهابيين مغاربة بقتل و جرح و ترهيب ابرياء من مختلف الأعمار بينما هم يتنزهون في شارع سياحي، نعرف الآن انهم ينتمون الى 34 دولة عبر العالم و من ضمنهم ضحايا عرب و مسلمين.
الأمر هنا يتجاوز حدود التشفى و الشعور بالرضى، و كذلك العداوة بين الصحراويين والمغاربة. فعناصر الخلية الإرهابية، رغم كونهم مغاربة او ينحدرون من اصول مغربية، هم عرب و مسلمون و “مورو”، حسب تعبير ابن عم احدهم.
هذه الحقيقة تجعل العرب والمسلمين، بدرجة ما، يشعرون انهم معنيون اكثر من غيرهم بالحادث الإرهابي.
احد المغاربة المشاركين في المسيرة رفع لافتة كُتبت عليها عبارة “انا اشعر بالخوف والخجل”، في المظاهرات التي اقيمت يوم السبت، 26 غشت، رفع المواطنون الكطلانيون و من شارك معهم من مختلف المناطق الاسبانية الأخرى شعارات تعكس طبيعة تفكير سكان تلك المنطقة. من ضمن الشعارات التي رُفعت”الجواب الأفضل هو السلام”، “انا لا اخاف”، “الإسلام لا يعني الإرهاب”، “الارهاب ليس له دين”. مسيرة السبت الحاشدة، التي كان شعارها “لست خائفا” ، والتي شاركت فيها كل الأطياف السياسية الكطلانية والوطنية، اراد من خلالها المنظمون توجيه الكثير من الرسائل: فقد كان يجب تكريم ابطال المدينة، رجال الشرطة، الدفاع المدني، الأجهزة الطبية، ، اصحاب المطاعم  و التجار. بعبارة اخرى: كل من لعب دورا مهما في حماية الناس و انقاذهم و ايوائهم. كما اتت المسيرة  بعدما قضى المواطنون، بمن فيهم العرب و المسلمون،اضافة الى السلطات  التي يتقدمها ملك البلاد،اسبوعا كاملا في التوافد على مكان الحادث لوضع الزهور و كتابة رسائل الحزن و التعبير عن التعازي و اظهار مشاعر التعاطف مع الضحايا و عائلاتهم. كما شهد الأسبوع العديد من الفعاليات و المناسبات و المشاهد المعبرة، واجريت الكثير من الحوارات و كتبت المقالات في وسائل الإعلام، كلها تحث على التعايش و الحرية والديمقراطية والسلام، كما تم تنظيم مظاهرة مضادة تندد بالعنصرية و معاداة المسلمين و تنبذ الكراهية. فكانت عبارة”المسلمين الكطالانيين” متضمنة في اكثر من تقرير اخباري و مقال صحفي. اكثر المشاهد تأثيرا هو مشهد والد الطفل”خابي” ذي الثلاث سنين الذي سقط في حادثة الدعس، و هو يضم امام مسجد البلدة.
كطالونيا ودعت ضحاياها، ضمدت جراحها، كفكفت دموعها، كرمت ابطالها، تعانقت، و انتصرت للتعايش و التسامح والسلام والحرية و الديمقراطية والتنوع و الأمل والمستقبل. فأين دورنا نحن العرب والمسلمون  .و هل سنبقى متفرجون ننتظر مأساة اخرى، و ماهي مسؤولياتنا؟ اذا كان بعض عناصر المجموعة الإجرامية التي نفذت الإعتداءات في كل من برشلونة و كامبريلس، هم شباب قصر غُرِّر بهم، شبوا و ترعرعوا في كطالونيا و ريبوي و غيرها، و يتحدثون اللغة الكطلانية بطلاقة و مندمجون في الحياة الإجتماعية و الإقتصادية، فان العناصر الأخرى، خاصة تلك التي تتبوء مراكز قيادية، كإمام مسجد “ريبوي”، الذي قتل في انفجار منزل “الكانار”، و اولئك الذين سافروا مرات عديدة الى المغرب و بعض الدول الأوروبية التي تتواجد فيها جاليات و مؤسسات  دينية مغربية كبيرة يعمل النظام المغربي باجهزته المختلفة  كل ما في وسعه  للتغلغل داخلها من اجل ابقائها تحت سيطرته، و خاضعة لتوجيهاته؛ كل ذلك سيجعل انظار المجتمع الدولي تتجه  الى المغرب محملة اياه ـ ولو بشكل ضمني، نصيبا كبيرا من المسؤولية عن تلك الإعتداءات.
واذا لم يكن للنظام المغربي و اجهزته المخابراتية دور مادي مباشر أو تأثير من نوع ما على بعض الإمة المتشددين ولو بغض الطرف، و هو شيء مستبعد جدا، فإن ذلك لن يعفيه من مسؤوليته في قمع و تهميش و حرمان و تجويع طبقات كبيرة من الشعب المغربي، خاصة من ذوي المواهب والكفاءات لابعادهم عن المشاركة الفعالة في الحياة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ، بحيث لم يترك لهم ملجأ او بصيص امل سوى الإرتماء في احضان الإرهاب والجريمة المنظمة.

لا توجد عبارة اكثر صدقا من عبارة الشابة، حفيظة اوكابير، اخت الأخوين  اوكابير، الذين قتل احدهما بينما يوجد الآخر من ضمن المقبوض عليهم، التي يتوجب على النظام المغربي و نظرائه العرب والمجتمعات المسلمة في المهج الإصغاء اليها  و التأمل في معناها و الإستلهام منها، “لدينا مشكل حقيقي يجب علينا عدم اخفائه”.
. قلت سابقا في مقال يوجد على صفحتى في الفيسبوك، انني “كنت على وعي تام ان الوسط العربي والاسلامي هو وسط كثير الجدال والمشاكل وغير شفاف بالنسبة لي شخصيا و انني لن اشعر بالارتياح داخله بسبب التعقيدات والولاءات(…) و رغم هذه القرارات و الأحكام و القناعات فلم اكن خائنا للثقافة العربية والاسلامية، كنت اعتقد فقط انها تمر بازمة  و ان شعوبنا مغلوبة على امرها”. لازالت للأسف تلك الأعمال الارهابية التي تشوه الاسلام والمسلمين تتكرر يوما بعد يوم ولا نلاحظ اية اجراءات او مبادرات و حتى افكار جدية  من طرف القائمين على شؤون المجتمعات الاسلامية في المهجر.
المؤسسات والجمعيات و الشخصيات الاسلامية التي احتكرت الخطاب الديني وتمثيل المسلمين في اوروبا و التي تسعى بطرق شتى لاستقطاب الأتباع بدوافع ايديولوجية و نفعية والتي لها ولاءات خارجية ذات مصالح سياسية معروفة وتعودت على بناء ارائها وعلاقاتها وفق الأنماط التقليدية القديمة التي جلبتها من بلدانها الأصلية الموبوءة بالمشاكل والأزمات، يجب عليها هي الأخرى توجيه النقد لنفسها والإعتراف بالاخفاق و فتح المجال لقيادات شبابية اكثر وعيا و تكوينا ، تتمتع بالاستقلالية الفكرية و بالنظرة النقدية، تستطيع التعامل مع التحديات و المتغيرات الجديدة من اجل تحسين ظروف المسلمين و دمجهم في بلدانهم الجديدة لكي يساهموا  بطريقة ايجابية في مختلف مناحي الحياة في هذه البلدان.
الأروبيون مطالبون هم الآخرون بالإستفادة من الدرس الكطالاني بالخروج من دوامة النقاش العقيم الذي يتمحور حول ما اذا كان الإسلام يستطيع التعايش مع الحداثة و حرية التعبير و قضايا “الحجاب” و “البوركيني” و ما يسمى ب”الإسلام الأوروبي”، والإتجاه بدلا من ذلك الى معانقة مجتمعاتهم الإسلامية و البحث عن السبل المناسبة لحل مشاكلها و الأخذ بيدها كما لوكانت جزءا من مجتمعاتهم الأصلية. لابد للدول والمؤسسات الأوروبية من الإنفتاح اكثر على الجمعيات و المؤسساتها الاسلامية والإهتمام بها والاستثمار في الرفع من القدرات المهنية والفكرية للإئمة و تحضيرهم و مرافقتهم و دمجهم في الحياة العامة.