الصورة من الارشيف.

قراءة وتعليق حول التقرير الذي أصدره المجلس المغربي لحقوق الإنسان المتعلق بمحاكمة معتقلي اكديم ازيك

العيون/الصحراء الغربية
23 نوفمبر 2017
تقديم:
قدم المجلس الوطني لحقوق الإنسان المغربي، تقريره عن محاكمة المعتقلين السياسيين الصحراويين مجموعة اكديم ازيك، اسماه بـ ” ملاحظة المحاكمة المتعلقة بأحداث اكديم ازيك”، وقد جاءت خلاصاته تصب في اتجاه كون المحاكمة قد استجابت لمعايير المحاكمة العادلة كما هي متفق عليها عالميا.
إن هذه الخلاصات التي حاول أن يؤسس لها المجلس المذكور عبر هذا التقرير – الذي سنثبت مجانبته للحقائق القانونية والواقعية لهذا الملف – ، تأتي لتكرس تبعيته للتوجه الرسمي للدولة المغربية، من خلال الوظيفة التبريرية التي طالما اتسم عمل المجلس بها، واكتفاءه طيلة هذه السنوات بالتكفل بعمليات التجميل والتسويق لجميع الخطوات الرسمية ، التي تدعي من خلالها الدولة المغربية سعيها لاحترام مبادئ حقوق الإنسان و التزامها بتطبيق المواثيق والعهود الدولية ذات الصلة،وهو ما يؤكد عدم توفر استقلاليته المزعومة،وبكونه يشتغل وفق مبادئ باريس للمؤسسات الوطنية لحماية حقوق الإنسان.
إذ سنقوم بدراسة هذا التقرير)سنعتمد على نسخة من التقرير الكامل،وسنشير إليه باسم التقرير(، من خلال تناول جميع فقراته كل واحدة على حدا، من اجل الوقوف على مدى صحة ووثوقية المعطيات المذكورة في التقرير، كما سنقف على مدى ارتباط التقرير بضمانات المحاكمة العادلة كما كرستها نصوص القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون المغربي،وفق الإطار المرجعي الذي ادعى معدو التقرير اعتمادهم عليه ( انظر الصفحة 04 من التقرير الكامل)،كما سنقدم أمثلة من الأحكام التي أصدرتها محكمة الاستئناف بالرباط،بالاعتماد على نسخة من الحكم الذي يتكون من 223 صفحة)سنشير اليها باسم منطوق الحكم(.
وما دام الأمر يتعلق بقراءة وتعليق حول التقرير المذكور، فإننا سنعتمد في هذه الدراسة نفس التقسيم الذي اعتمده معدوه، انسجاما مع هدفنا المتمثل في الوقوف على مكامن غياب الموضوعية وطغيان التبريرات الغير المستندة على أساس قانوني.
توطئة:
إن أول ملاحظة يمكن للقارئ التنبه إليها هي تلك المتعلقة بالعنوان الذي اختاره معدو التقرير ” ملاحظة المحاكمة المتعلقة بأحداث اكديم ازيك “، فبدل أن يكون العنوان متعلقا بمحاكمة معتقلين على خلفية أحداث اكديم ازيك، إذ أن جل هؤلاء أكدوا إن متابعتهم منذ الوهلة الأولى، كانت بناء على نشاطهم الحقوقي والسياسي داخل مخيم اكديم ازيك وخارجه، وان كل ما ربطهم بالأحداث المأساوية التي وقعت يوم 08 نوفمبر 2010، هي تلك المحاضر المطبوخة والتي تحتوي على اعترافات منتزعة تحت الإكراه، تتعلق بارتكابهم لأفعال إجرامية في ذلك اليوم، وان أكثرهم لم يكن متواجدا بمسرح تلك الأحداث وان بعضهم تم إلقاء القبض عليه قبل وقوعها .
كما أن المتهمين أنفسهم، قد أكدوا إن أساس المتابعات التي تعرضوا لها، كانت ذات خلفية سياسية محضة، بدليل أن التحقيقات التي أجريت معهم، كانت حول أنشطتهم السياسية والحقوقية، وأن الجهات التي باشرت التحقيق في هذا الملف، لم تستعن بأدوات البحث الجنائي المتعارف عليها كونيا ( كأخذ البصمات، والتشريح الطبي للجثث..)، إذ ان الهدف لم يكن الوصول إلى الحقيقة، بل إن السعي للانتقام هو ما كان يحرك تلك الجهات.
من هنا يتضح ان اختيار هذا العنوان، يشي بأن أصحابه منذ الوهلة الاولى قد اختاروا وجهة نظر احد اطراف الدعوى، واغفلوا تماما وجهة نظر الطرف الاخر، مما يجعل مبدأي الحياد والاستقلالية المزعومين لا اثر لهما.
أولا – المعطيات العامة للملف:
اطراف الدعوى:
التقرير أورد المطالبين بالحق المدني كطرف في القضية، في حين أن القرار المنقوض(أي قرار المحكمة العسكرية) لم يكونوا طرفا فيه، وان قرار محكمة النقض أحال فقط طرفي الخصومة الجنائية النيابة العامة والمتهمين،كما أن المحكمة نفسها لم تستطع منحهم تلك الصفة-كما جاء في منطوق الحكم (انظر الصفحة 221 منه)،رغم أنها حاولت الالتفاف على القانون وسمحت لهم بكل الصلاحيات التي يتيحها القانون للطرف الأصيل .
ومن هنا يتضح أن أصحاب التقرير قد غلبوا وجهة نظر أحد الأطراف،وسعوا إلى إبرازها كحقائق قانونية مسلم بها.
ثانيا – الأجواء العامة للمحاكمة:
لم يتم الحديث عن الحملة الإعلامية التي واكبت أطوار المحاكمة، وما تم رصده من خلال تجند وسائل الإعلام المغربية العامة والخاصة، وراء الخطاب الرسمي المغربي، الذي حاول تقديم المتهمين كمجرمين، وإعطاء صورة أحادية الجانب عن الأحداث التي شهدها مخيم اكديم ازيك يوم 08 نوفمبر 2010، وما خلقه كل ذلك من اصطفاف للرأي العام المغربي، في قضية معروضة على أنظار القضاء مما يعد تأثيرا على هذا الأخير، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية ( المادة 02 )، و كذا الفصل 109 من الدستور المغربي نفسه، التي تمنع التأثير على القضاء بأي صورة كانت.
ادعى معدو التقرير ( انظر الصفحة 09 )، أن المتظاهرين قد رفعوا شعارات تنم عن نزعات عنصرية أو عن نوع من الكراهية ، فإذا كان هذا الامر صحيحا بالنسبة لما سمي بعائلات الضحايا من قوات الأمن المغربية ومناصريهم، الذين اعتدوا لفظيا وجسديا على الطرف الأخر ، اما فيما يخص عائلات المعتقلين والمتضامنين معهم، الذين كانوا يصدحون بشعارات حقوقية وأخرى سياسية وهو ما اثار حفيظة الطرف الآخر، الذي كان يرد بتلك العبارات العنصرية التي تمس العنصر الصحراوي.
التقرير لم يورد التمييز الفاضح الذي تعاملت به السلطات الأمنية والإدارية المغربية، إذ أن الطرف المناصر للضحايا المغاربة تمتع طيلة أطوار المحاكمة بدعم لوجستيكي متعدد الأشكال، لعل أبرزه التوفر على التيار الكهربائي مما سمح له باستخدام مكبرات الصوت ذات الحجم الكبير، الشيء الذي اشتكى منه الطرف الآخر الذي حرم من إيصال صوته.
ثالثا- سير المحاكمة:
معدو التقرير أشاروا إلى الشعارات التي يرفعها المتهمون، وتم وصفها بأنها تمس ” بالوحدة الترابية ” والتشكيك في الهيئة القضائية، لكنهم بالمقابل اغفلوا التصرفات المستفزة والكلام النابي الذي وجهه المحامون ” المطالبون بالحق المدني ” في حق المتهمين، إذ وصفوهم بأوصاف قدحية كالقتلة والمجرمين، ضدا على قرينة البراءة، التي أعلنوا عدم إيمانهم بها.
اما بالنسبة لعلنية الجلسات، جاء في التقرير ( الصفحة 10) انه تم احترام العلنية بكيفية مستمرة وشاملة، وهو الشيء الذي لم يكن في واقع الحال كذلك، إذ انه تم تسجيل مجموعة من الاحتجاجات من طرف عائلات المعتقلين وبعض النشطاء الحقوقيين الصحراويين،متهمين المحكمة بعدم الالتزام بعلنية الجلسات، وهو ما أثاره أكثر من مرة دفاع المتهمين أمام هيئة المحكمة، التي كان رد رئيسها بأن سلطته لا تتعدى قاعة الجلسات.
فيما يتعاق بعلنية الجلسات، ذكرمعدو التقريرأنهم لاحظوا حضور بعض شيوخ القبائل كمتابعين لأطوار الحاكمة، في حين أن هؤلاء أشاروا في تصريحاتهم وبياناتهم أن الجهة التي استدعتهم هي المجلس الوطني لحقوق الإنسان المغربي.
رابعا- مجريات المحاكمة:
الطلبات والدفوع الأولية:
الدفع بانعدام الصفة للمطالبة بالحق المدني:
في هذه الفقرة لم يورد معدو التقرير كل المعطيات القانونبة التي أثارها الأطراف في هذا النزاع القانوني، وأغفلوا تماما وجهة نظر دفاع المتهمين، لذلك سنقدم تأصيلا فقهيا للنقاشات القانونية التي أطرت هذا الدفع.
تفاجأ المتهمون يوم 26 ديسمبر 2016، عند انطلاق جلسات المحاكمة بوجود مجموعة كبيرة من النقباء والمحامين المغاربة والأجانب، الذين قدموا أنفسهم كطرف مطالب بالحق المدني، الشيء الذي رفضه دفاع المتهمين،وأثاروه كنزاع عارض تحكمه المادة 426 ق. م. ج. م، والذي جاء فيه : ” إذا طرأ نزاع عارض خلال الجلسة، بتت فيه غرفة الجنايات حالا “.
وقد عزز دفاع المتهمين دفعهم العارض، القاضي بانعدام الصفة لدى المطالبين بالحق المدني، استنادا إلى ما يلي:
أن أطراف الخصومة الجنائية أمام المحكمة العسكرية، كانوا محصورين في النيابة العامة والمتهمين،ومحكمة النقض لما أبطلت الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية استندت إلى المادة 550 من ق.م.ج.م،التي تنص على أنه:” إذا أبطل المجلس الأعلى مقررا صادرا عن محكمة زجرية، أحال الدعوى والأطراف إلى نفس المحكمة متركبة من هيئة أخرى وبصفة استثنائية على محكمة أخرى من نفس نوع ودرجة المحكمة التي أصدرت المقرر المطعون فيه.. “.
ومادام الأمر كذلك، فقرار محكمة النقض قد أحال فقط الأطراف التي حددها القرار المنقوض أي النيابة العامة والمتهمين.
– أن الغرفة الجنائية الإستئنافية التي أحيل عليها الملف،لا يمكن التقدم إليها قصد التنصب لأول مرة كطرف،لمن لم يكن طرفا في المرحلة الابتدائية.
– دفاع المتهمين تقدم بالدفع العارض بناء على المادة 426 من ق.م.ج.م ،لأن هذا الفصل يندرج ضمن الفصول الخاصة التي جاءت لتنظيم المسطرة أمام غرفة الجنايات(في الباب الثاني من القسم الرابع الخاص بالمسطرة أمام الهيئة المختصة في قضايا الجنايات)، في حين أن الأطراف الأخرى(ومن ضمنهم معدو التقريراللذين تبنوا نفس الرأي)،ادعت أن هذا الدفع يندرج ضمن اختصاص المادة 323 من نفس القانون،والتي أدرجها المشرع المغربي ضمن المواد التي نظمت المسطرة أمام المحكمة بصفة عامة(القسم الثالث الخاص بالقواعد العامة لمختلف الهيئات القضائية بشأن عقد الجلسات)،ومن المعروف بداهة لدى أهل القانون،أن الخاص يقيد العام،وتصبح بالتالي المادة 426 هي الواجبة التطبيق.
– إذا قبلنا جدلا أن هذا الدفع يندرج ضمن المادة 323 كما ادعى معدو التقرير ، تكون المحكمة قد خالفت منطوق هذه المادة التي جاء في فقرتها الثانية : “يتعين على المحكمة البت في هذه الطلبات فورا، ولها بصفة استثنائية تأجيل النظر فيها بقرار معلل إلى حين البت في جوهر الدعوى.”
إذ أن المحكمة حين اختارت تأجيل البت في هذه الطلبات و اللجوء إلى الاستثناء-الذي لا يجب التوسع فيه كما تنص على ذلك مبادئ القانون- لم تعلل قرارها، وخالفت بذلك منطوق المادة المذكورة آنفا.
ولعل التعليل السائد في بعض هذه الحالات والذي غالبا ما يرتكز إليه القضاة، هو ارتباط الدفوع بجوهر الملف،غير أنه في هذا الدفع بالذات المتعلق بانعدام الصفة لدى المطالبين بالحق المدني،لا يمكن البتة إيجاد صلة له بجوهر القضية.
ب– الدفع بعدم الاختصاص:
-جاء في التقرير)انظر ص12( أنه: » في معرض الرد على هذا الدفع، أوضح دفاع الضحايا أن الدفع بعدم الاختصاص منازعة في الإحالة المقررة من لدن محكمة النقض وهي منازعة غير جائزة وغير ممكنة من الناحية القانونية «
-هنا نسجل التناقض الذي كان على معدي التقرير الوقوف عنده والتعليق عليه، فهدا الطرف- دفاع الضحايا- يتشبث هنا بقرار الإحالة ويقول أن منازعته غير جائزة وغير ممكنة من الناحية القانونية، بينما رأيناه في الفقرة السابقة لا ينضبط له ويطالب المحكمة بتجاهله، حين مطالبته في أن يكون طرفا في القضية، ضدا على ما جاء في قرار محكمة النقض الذي أحال القضية والأطراف الأصلية.
د– طلب استدعاء الشهود:
-التقرير أورد أسماء المسئولين الدين طلب استدعاءهم دفاع المتهمين, وأغفل ذكر السيدة كجمولة منت أبي التي كانت نائبة برلمانية ووسيطة بين لجنة الحوار والسلطات المغربية، وهي أيضا شاهدة على عدم حضور المتهم عبد الله التوبالي وقت وقوع الأحداث، وقد أكد هدا الأخير ملتمسه أثناء استنطاقه من طرف رئيس المحكمة، والدي التزم بأنه سيبت في هدا الطلب في حكم تمهيدي، وهو الشيء الذي لم يتم.
-جاء في التقرير)انظر الصفحة 13(،أن النيابة العامة دفعت بوجوب تطبيق المادة 326 من ق.م.ج.م، المتعلقة بمسطرة أعضاء الحكومة، لكن معدي التقرير أغفلوا وجهة نظر دفاع المتهمين الذي أكد على ما يلي:
– الوزير المذكور لم يعد وزيرا في الحكومة، ولا مجال لتطبيق المادة 326، ولا وجود لمسطرة خاصة باستدعاء الوزراء السابقين، مما يجعل الدفع الذي تقدمت به النيابة غير مؤسس على القانون.
– التقرير أورد على لسان النيابة العامة، فيما يخص رفضها استدعاء الولاة اللذين كانوا رفقة الوزير المذكور يحاورون بعض المتهمين أعضاء لجنة الحوار المنتدبة من طرف ساكنة المخيم، بحجة أنهم لم يكونوا شهودا على الأحداث التي وقعت يوم 8 نوفمبر، معدو التقرير لم يكلفوا أنفسهم عناء التذكير بأن صك الاتهام الذي صاغته النيابة العامة نفسها، يتضمن اتهامات للمعتقلين، بأنهم سعوا إلى نسف أي مسعى من طرف هؤلاء المسئولين من أجل التوصل إلى حلول للمطالب المطروحة، بل وأنه قد تمت الاستجابة لكل مطالب المحتجين .، وأن المتهمين سعوا إلى إخفاء تلك الحقائق عن ساكنة المخيم، وهي الاتهامات التي رفضها المتهمون وطالبوا باستدعاء هؤلاء المسئولين من أجل إظهار الحقيقة.
– إن رفض المحكمة لاستدعاء هؤلاء الشهود، يؤكد عدم سعيها من أجل معرفة حقيقة تلك الأحداث الأليمة، وتنوير الرأي العام بإظهار جميع الوقائع والملابسات التي أنتجت ما وقع دلك اليوم المشئوم، كما انه من جهة أخرى قد حرم المتهمين من إحدى ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتحديدا في المادة 14 الفقرة 3 التي نصت على أنه من حق المتهم: …
– أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، أو أن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام.
ه- طلب إجراء خبرة طبية:
جاء في التقرير)الصفحة 13( ما يلي:
“أسندت النيابة العامة النظر للمحكمة بخصوص هدا الطلب لكنها التمست استبعاد المتهمين الموجودين في حالة سراح اعتبارا لما يكونون قد تعرضوا له مند الإفراج عنهم من حوادث.”
إن هذا التبرير الذي قدمته النيابة العامة ووافقت عليه المحكمة، والمتمثل في رفض إجراء خبرة طبية للمتهمين في حالة سراح، يجعلنا نتساءل عن النص القانوني الذي استند اليه أصحاب هذا الرأي، كما أنه كان على معدي التقرير الوقوف عند هذا التبرير، وتوضيح مدى تطابقه أو تعارضه مع ضمانات المحاكمة العادلة التي من ضمنها وجوب التحقيق في ادعاءات التعذيب.
الدفوع الشكلية:
-ولئن كان التقرير قد سرد جميع الدفوعات الشكلية التي تقدم بها دفاع المتهمين،فإنه لم يبسط وجهة نظر هؤلاء المحامين التي دعموا بها طلباتهم والمتمثلة في إعمال المادة 751 من ق.م.ج.م، التي تقضي بإبطال كل الإجراءات الشكلية التي لم تتم طبقا للقانون، وفي المقابل أورد معدو التقرير ردود النيابة العامة، التي ذهبت في اتجاه عدم وجود أي خروقات لهذه المساطر، لكنهم أحجموا عن التعليق على إغفال المحكمة لترتيب الآثار القانونية اللازمة للخروقات العديدة التي ذكرها دفاع المتهمين، وذلك نظرا لأهمية احترام تلك الضوابط القانونية التي تحكم الإجراءات الشكلية، التي تعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة.
-وسنوضح بمثال واحد يتعلق بالدفع المتعلق بتجاوز مدة الحراسة النظرية التي حددتها المادة 66 من ق.م.ج.م في 48 ساعة، قابلة للتمديد 24 ساعة إضافية.
فمن خلال منطوق الحكم ) انظر الصفحة 171 منه(، حين حاولت المحكمة تفنيد ادعاءات دفاع المتهمين، فيما يخص تجاوز مدة الحراسة النظرية بالنسبة للمتهمين الستة[1] اللذين ادعت النيابة العامة أنه تم توقيفهم يوم 8 نوفمبر 2010 بمخيم اكديم ازيك،فجاء في قرارها، أن مدة الحراسة النظرية لهؤلاء المعتقلين امتدت من الساعة 8 من مساء ذلك اليوم إلى الساعة 6 من يومه 11 نوفمبر،في حين أن المحاضر تحدثت عن أن عملية التوقيف تمت صبيحة ذلك اليوم على الساعة التاسعة، وهو ما أكده كذلك محررو المحاضر أمام المحكمة،علما أن المادة66 المذكورة سلفا تقول بان مدة الحراسة النظرية تحتسب ابتداء من ساعة التوقيف.
تصريحات المتهمين:
جاء في التقرير ( الصفحة 15 )، ان المحكمة كانت تذكر المتهمين بقرينة البراءة، لكن لم يذكر ان ذلك كان بسبب ان محامي الطرف المدني، كانوا يتنكرون لهذا المبدأ، إذ غالبا ما يصف هؤلاء المتهمين بالقتلة والمجرمين.
التقرير جاء بصيغة التشكيك ( ص 15) في ادعاءات المعتقلين، بكون توقيعاتهم التي ذيلت بها محاضر الضابطة القضائية، تمت دون اطلاعهم على محتواها، بل وان اغلبهم افاد المحكمة بانه وقع تلك الاوراق وهو معصب العينين، وقد اجرت المحكمة اختبارا لاحد المتهمين وهو عبد الله التوبالي الذي وقع امامها نفس التوقيع وهو مغمض العين لاكثر من مرة.
التحيز وعدم الاستقلالية يتضح ايضا من خلال اقحام بعض التفاصيل، المتعلقة بما جاء في قرار لجنة مناهضة التعذيب الذي صدر لفائدة التعمة الاصفاري ( انظر الصفحة 16 من التقرير).
بعض الضمانات المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لم يشر التقرير الى مدى تمتع المتهمين بها، وكمثال على ذلك :
ما تنص عليه النقطة ” ز” من الفقرة 03، التي تنص على ان من حق كل متهم ” الا يكره على الشهادة ضد نفسه او الاعتراف بذنب”.

ان هذه الضمانة التي تتلخص في أن عبء الإثبات يجب أن يبقى على عاتق الطرف المدعي أي النيابة العامة، لم يتم احترامها في هذه المتابعة، التي بنيت على الاعترافات التي انتزعت من المتهمين تحت الاكراه، بينما لم يقدم الطرف المدعي أي أدلة إثبات أو قرائن مستقلة عن المحاضر المطبوخة،بل إنه اكتفى بتأكيد ما جاء تلك المحاضر باستقدام شهود يعيدون محتواها سواء كانوا من محرري المحاضر أو غيرهم.
ما جاء في النقطة ” ب” من الفقرة 03، بأن ” من حق المتهم ان يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لاعداد دفاعه”، إذ ان المحكمة رفضت اعطاء مهلة للمحامين الذين تم انتدابهم للدفاع عن المتهمين في اطار المساعدة القضائية، بعدما انسحب دفاعهم الاصلي بطلب من المتهمين، في جلسة 16 ماي 2017، بل فرض على هؤلاء مباشرة مناقشة القضية وهي في مرحلة الاستماع الى الشهود، دون ان يتمكنوا من الحصول على الوقت الكافي للاطلاع على وثائق الملف واعداد دفاعهم، وهو ما يعتبر مسا بالحق في الدفاع الذي يعتبر من أقدس الحقوق التي يجب توفيرها للمتهم.
وسائل الاثبات :
المحجوزات:
التقرير احصى المحجوزات، لكن لم يشر هل تم اجراء الابحاث الجنائية المتعلق بهذه ىالمحجوزات كأخذ البصمات و اجراء الخبرات، وفقا لما تنص عليه الفقرة الرابعة من المادة 57 من ق.م.ج.م
القرص المدمج والشريطان:
القرص المدمج تم عرضه بالفعل امام الجميع، وتمت مواجهة المتهمين به خلال جلسات الاستنطاق ، لكن الاحداث التي وثقها لم تظهر ايا من المتهمين في تلك الاحداث.
فيما يخص الشريطان، الذين تم عرضهما بعد انسحاب المتهمين، احدهما يوثق نفس الاحداث التي جاء بها القرص المدمج، لكن فقط تمت فيه الاشارة الى بعض الاشخاص المشاركين في تلك الاحداث بأن الامر يتعلق ببعض المتهمين خاصة عبد الله التوبالي و محمد خونا بوبيت و محمد البشير بوتنكيزة، وهو ما نفاه دفاع المتهمين واوضح للمحكمة ان ذلك مجرد اختلاق، ثم اضيف الى تلك الاحداث بعض اللقطات التي توثق عملية توقيف كل من محمد بوريال ومحمد باني،بينما احتوى الشريط الثاني على صور لبعض المتهمين وهم يتواجدون بمخيمات اللاجئين الصحراويين،رفقة بعض وافراد وقيادة جبهة البوليساريو.
إذ كان على معدي التقرير ان يثيروا التساؤل التالي: ما الذي جعل النيابة العامة تؤجل عرض هذا الشريط، و أن لا تعرضه منذ البداية وتواجه به المتهمين اثناء مرحلة الاستنطاق؟، ثم لماذا لم تتم مواجهة هؤلاء المتهمين بهذا الدليل في المراحل القضائية السابقة سواء في فترة البحث التمهيدي او الاستنطاق التفصيلي او حتى امام المحكمة العسكرية، وهو مما يجعل هذا الامر يخل بمبدأ التواجهية الذي كرسته المادة 287 من ق.م.ج.م، التي تنص على انه ” لا يمكن للمحكمة ان تبني مقررها الا على حجج عرضت اثناء الجلسة ونوقشت شفهيا وحضوريا امامها”.
جاء في التقرير ( الصفحة 16)، ” يظهر في الشريط الاول محمد باني وقت القاء القبض عليه، وهو يقود السيارة رباعية الدفع والدماء تسيل على وجهه لانه ارتطم بسيارة الدرك الملكي، وهي التي حالت دون تقدمه. وترجع الكاميرا الى الخلف لتظهر اثار عجلات السيارة خلف كثبان رملي صغير و واقية مكسرة.”
فالشريط يوثق فعلا لحظة اخراج محمد باني من سيارة متوقفة، وهو ينزف اثر اصابته بحجر على مستوى حاجبه الايسر، مع تواجد مجموعة من سيارات الدرك اقربها تبعد عن سيارته بمترين الى ثلاث امتار، كما ان المكان المتوقف فيه السيارة عبارة عن مكان منبسط لا وجود فيه لكثبان رملية، والغريب ان معدي التقرير يقولون ان الكاميرا رجعت الى الخلف لتظهر اثار عجلات السيارة خلف كثبان رملية، فالمكانان مختلفان تماما و التساؤل الذي يجب ان يثار هنا، لماذا لم يتم توثيق عملية الدهس وما تلاها من توقيف للمتهم.
ج. التشاريح الطبية:
لا وجود للتشاريح الطبية بالمفهوم القانوني للمصطلح، بل ان الامر يتعلق بتصاريح بالوفاة، يشهد من خلالها طبيب المستشفى العسكري بالعيون على حقيقة الوفاة، مع وصف خارجي للاثار البادية على الجثث.
د. الشهود:
شهود الإثبات:
معدوا التقرير اغفلوا العديد من الحقائق التي جرت امامهم كملاحظين، سنثير بعضا منها، الشاهد فيصل ملاسي ( نقيب في صفوف القوات المساعدة)، ادعى ان محمد باني قام بدهسه رفقة احد عناصره المدعو ياسين بوكطاية، واردى هذا الاخير قتيلا، وذلك في منطقة ” لكرارة “، حيث الكثبان الرملية التي اوقفت سيارة المتهم، هذه الشهادة تتعارض مع مايلي:
المكان الذي كانت سيارة محمد باني متوقفة فيه، حسب ما جاء في الشريط عبارة عن مكان منبسط لا وجود فيه لكثبان ولا لاشجار.
ادعاء هذا الضابط ان محمد باني اردى ياسين بوكطاية قتيلا يفنده ما جاء في شهادة لوالدة هذا الاخير خلال لقاء لها مع قناة “ميدي1 TV”، الذي تحكي فيه ان ابنها قد تم الاجهاز عليه من طرف مجموعة من الاشخاص كان يتوسل اليهم الا يفعلوا ذلك، وقد اثار دفاع المتهمين هذا التعارض امام المحكمة.
شهادة الضباط الاخرين كانت عامة وغير منتجة في الملف.
شهادة محمد سوجاع و متيوي حسيني ويونس حروشيت، الذين ادعوا انهم كانوا من قاطنة المخيم، اثارت الكثير من التناقضات:
لم يتعرف كل هؤلاء على أي كان من ساكنة المخيم، اذ انه بعد سؤالهم من طرف دفاع المتهمين من اجل ذكر اسماء الاشخاص الذين كانوا يقطنون بجانبهم او تعرفوا عليهم خلال مكوثهم بالمخيم الذي طال اكثر من عشرين يوما، كانت اجابتهم بانهم لم يكونوا يعرفون أي احد داخل المخيم سوى المتهمين.
محمد سوجاع ادعى انه يعرف محمد باني وانه شاهده وهو يدهس احد افراد القوة العمومية، لكن عند سؤاله عن قامة محمد باني اجاب بانه ” ما طويل ما قصير ما تا والو“، هذا مع العلم ان قامة باني لا تتجاوز 165 سنتيم.
محمد سوجاع ادعى انه شاهد محمد باني وهو يقوم بعملية الدهس، في مكان بالمخيم يدعى “الساحة”، وهو ما يتعارض مع شهادة النقيب فيصل ملاسي الذي افاد بان عملية الدهس تمت في منطقة ” لكرارة “، وهو ما وقف عليه دفاع المتهمين وطالب بتسجيل هذا التناقض في محضر الجلسة واجراء مواجهة بين الشاهدين، وهو ما وعدت المحكمة بانجازه، غير انها لم تنفذ وعدها.
لقد اورد معدو التقرير الضباط محرري المحاضر كشهود اثبات، دون ذكر ما اثاره هذا الامر من نقاشات وجدال قانوني، اذ ان دفاع المتهمين هو من طالب باستدعاء هؤلاء الضباط لمواجهتهم بادعاءات التعذيب وبالتناقضات العديدة التي احتوتها المحاضر التي اشرفوا على انجازها، لكن المحكمة اعتبرتهم شهودا واعطتهم الحق في تأدية اليمين القانونية، وهو ما رفضه دفاع المتهمين استنادا الى الاعتبارات الاتية:
وجود خصومة وعداوة بين الطرفين، اذ ان جميع المتهمين اكدوا انهم تعرضوا للنعذيب على يد هؤلاء الضباط، وقد قدموا عديد الشكايات الى الجهات القضائية وغيرها للمطالبة بفتح تحقيق في قضايا التعذيب، والمعلوم قانونا ان من موانع الشهادة وجود عداوة وخصومة.
ان منح هؤلاء الضباط صفة الشهود، الذين يؤدون اليمين القانونية – سيؤكدون من خلال هذه الشهادة كل ما دونوه في المحاضر التي اشرفوا على انجازها – يعتبر تحايل على القانون إذ ان هذا الامر سيسمح بتقوية مركز محاضر الضابطة القضائية الذي وصفته المادة 291 من ق.م.ج.م بانه مجرد معلومات، بعد ان اصبحت كل هاته المعلومات شهادة ادى اصحابها اليمين القانونية.
ان تجاهل المحكمة لما اثاره دفاع المتهمين وانحيازها لوجهة نظر النيابة العامة، نزع عنها صفة الحيادية والاستقلالية.
شهود النفي:
التقرير ذكر بأن الشاهدين محمد السلماني و اخاه البشير، قد ادليا بشهادتين مختلفين، وخاصة في ما يخص حالة المتهم النعمة لدى اخراجه من منزل عائلتهما، هل هو معصوبة العيني ام لا؟ والواقع ان الاختلاف مرده الى مكان تواجد كل من الاخوين لحظة الاعتقال، فمحمد ( ناصر) كان داخل المنزل وعملية التعصيب تمت امامه، في حين كان البشير في الخارج لحظة إخراج النعمة الاصفاري من المنزل، وهو محاط بالعشرات من رجال الامن، الشيء الذي حال دون رؤية النعمة بشكل واضح.
معدو التقرير حاولوا ان يثيروا – ولو بشكل مستتر- ، امكانية وقوع الفرضية التالية : انه حتى في حالة صحة شهادتهما، بكون النعمة قد تم اعتقاله بمنزلهما، فامام عدم قيامهما بالذهاب الى مقر الشرطة، من اجل معرفة مصيره، يفتح الباب مشرعا امام امكانية ان يكون قد تم اطلاق سراحه في مساء نفس اليوم.
ان هذه الفرضية، لا تصمد امام الضمانة القانونية التي كرستها المواثيق والعهود الدولية، والمتمثلة في ان عبء الاثبات يجب ان يكون على كاهل الطرف المدعي أي النيابة العامة، التي عليها ان تثبت ان النعمة قد اطلق سراحه قبل صبيحة يوم الموالي الموافق لـ 08 نوفمبر 2010، فقد كان على معدي التقرير ان يثيروا عدم لجوء رئيس الجلسة الى صلاحياته التي حددتها المادة 424 من ق.م.ج.م، والتي تتيح له امكانية استدعاء كل من يرى فيه فائدة من اجل استيضاح الحقيقة، وخاصة ان احد الشاهدين ذكر احد رجال الامن الذين حضروا واقعة الاعتقال والمسمى عبد العالي.
التقرير حاول التشكيك في الإفادات التي تقدم بها شهود النفي، ووصفها بالمتناقضة، وهي التي تعلقت بالأحداث التالية:
– اعتقال عبد الله لخفاوني في منطقة فم الواد يومه الجمعة 12 نوفمبر2010، في حين أن محاضر الضابطة القضائية تتحدث عن اعتقال المتهم بيوم بعد ذلك قرب مقبرة بمدينة العيون.
– اعتقال عبد الجليل لعروسي في مدينة بوجدور يومه الجمعة 12 نوفمبر 2010،في حين أن المحاضر تتحدث عن اعتقاله بيوم بعد ذلك بمدينة العيون.
– حادثة السير التي تعرض لها عبدالله التوبالي مساء يومه الأحد 7 نوفمبر2017 ، لينقل بعدها في حالة حرجة إلى المستشفى العسكري بمدينة العيون،ليبقى طريح الفراش وعاجزا عن الحركة طيلة الأيام الموالية، في حين أن المحاضر تتحدث عن تواجده صبيحة يومه 08 نوفمبر بمخيم اكديم ازيك.
في حين أن هذه الأحداث كواقعة اعتقال النعمة الأصفاري تندرج ضمن الوقائع المشهودة التي عاينها حشد كبير من الحضور، ووصلت إلى علم ويقين العديد من المواطنين الصحراويين.

محاضر التقاط المكالمات:
في هذه الفقرة اغفل معدو التقرير، الدفع الذي تقدم به دفاع المتهمين، الذي اكد على ان التقاط هذه المكالمات لم يجر وفقا لمقتضيات المواد من 108 الى 112 من ق.م.ج.م، اذ انهم طالبوا بامدادهم بالوثائق التي تثبت الامر بالتقاط المكالمات، ومعرفة الجهة التي قامت بالترجمة، خصوصا ان المحادثات كانت باللهجة الحسانية، كما ان حرمان المتهمين من مناقشة محتويات تلك المحاضر، اذ لم تتم مواجهتهم بها سواء في مرحلة الاستنطاق امام هيئة المحكمة او في المراحل القضائية السابقة، مما يعد خرقا للمادة 287 المذكورة اعلاه.
الخبرة الطبية:
كان على معدو التقرير ان يعلقوا على الامر التالي:
دفاع المتهمين تقدم في جلسة 05 يونيو 2017، بملتمس لاستدعاء الخبراء الذين اشرفوا على انجاز الخبرة الطبية، وبعد المداولة قررت المحكمة استدعائهم من اجل الاستماع اليهم في جلسة الغد الموافقة لـ 06 يونيو 2017، والغريب ان المحكمة لم تبت في الطلب الا بعد ظهر ذلك اليوم أي بعد انتهادء فترة التوقيت الادارة، مع العلم ان احد الخبراء يشتغل في مدينة الدار البيضاء، وهو ما يطرح التساؤل حول حدود الاستقلالية التي تمتع بها هؤلاء الخبراء الذين وضعوا انفسهم رهن اشارة النيابة العامة، دون ان تحتاج الى اجراءات التبليغ المتعارف عليها في المساطر القانونية.
التقرير لم يورد الخلاصة التي ذهبت اليها الخبيرة منسقة الفريق، في افادتها الشفوية امام المحكمة والتي تمثلت في ان اللجنة لا تمتلك الوسائل العلمية والتقنية الكفيلة بتحديد مصدر تلك الندوب والاثار التي يحملها المعتقلون على اجسادهم ولا تاريخ حدوثها، وانها يمكن ان تكون ناتجة عن التعذيب او عن حوادث اخرى، مما يجعل اقرارها هذا بعدم وجود خلاصة علمية تدحض ادعاءات التعذيب، يجعل الباب مشرعا امام هذا التساؤل: لماذا لم تعمل المحكمة المبدأ القانوني الذي يقول ان الشك يفسرلصالح المتهم؟.
خامسا- خلاصات
جاءت الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير منسجمة مع المقدمات التي أسس لها معدوه، من خلا القفز على الحقائق ولي عنق النصوص القانونية، حتى تتماشى مع التبريرات المفضوحة للتجاوزات العديدة التي شهدتها هذه المحاكمة، لذلك سنقدم الخلاصات تبعا لما رأيناه خلال مناقشتنا لمحتويات هذا التقرير، سواء في ما يخص سير المحاكمة، أو ما هو متعلق بالقرار الصادر في القضية.
بخصوص المحاكمة
خلال سير هذه المحاكمة تم المس بالعديد من ضمانات المحاكمة العادلة كما كرستها الصكوك الدولية،ومنها ما يلي:
تم انتهاك الحق في الدفاع، حين لم تمنح المحكمة مهلة للمحامين المعينين في إطار المساعدة القضائية مهلة من الوقت الكافي لاعداد دفاعهم، وأجبرتهم على الدخول مباشرة في مناقشة الملف الذي كان انذاك في مرحلة الاستماع للشهود ومناقشتهم، دون أن يطلعوا على أي من وثائق الملف التي تحتاج إلى أشهر من الدراسة، بحكم وفرة وتعدد المحاضر سواء في مرحلة البحت التمهيدي أو التحقيق الإعدادي، أو في المراحل والنقاشات القانونية التي تمت أمام نفس الهيئة كاستنطاق المتهمين ومرحلة الدفوع الشكلية.
المحكمة لم تفعل الضمانة المتعلقة بحق المتهمين في استدعاء شهود النفي (حالة كجمولة من ابي التي كانت شاهدة على عدم تواجد المتهم التوبالي بموقع الأحداث، وحالة وزير الداخلية السابق والولاة الذين كانوا أحد أطراف المفاوضات التي اتهم بعض المتهمين بالتلاعب وإخفاء نتائجها )، ضمانا لتحقيق التوازن بين أطراف الخصومة الجنائية، إذ أنها حرمتهم من بسط وجهة نظرهم وتقديم حججهم.
المحكمة مست بمبدأ التواجهية، حين اعتمدت على وسائل إثبات لم تناقش أمامها بالشكل الكافي ، بعد أن حرم المتهمون ودفاعهم من الاطلاع عليها وإبداء وجهة نظرهم تجاهها،وخاصة في ما يتعلق بمحضر التقاط المكالمات ومحتوى الشريطين، وهي الأدلة التي لم تواجه بها المحكمة المتهمون أثناء مثولهم أمامها، رغم أن موضوعها متعلق بالتهم والوقائع التي تم استنطاقهم عليها أمام نفس الهيئة.
المحكمة لم تفعل إجراءات التحقيق الفعال فيما يخص ادعاءات التعذيب، واكتفت بتقارير الخبرة الطبية المنجزة من طرف لجنة طبية عينتها لهذا الغرض لفائدة 16 متهما، والتي جاءت الخلاصات التي توصلت إليها والنقاشات التي جرت حولها أمام هيئة المحكمة، لتثير من الأسئلة والشكوك، أكثر مما قدمته من الإجابات، بينما رفضت الطلب الذي تقدم به المعتقلون الخمسة الآخرون اللذين طالبوا بعرضهم على خبرة طبية دولية، وهو ما رفضته المحكمة بحجة أن ذلك يمس بالسيادة المغربية،رغم أن بروتوكول اسطمبول الذي يحدد مبادئ التقصي والتوثيق الفعالين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة، والذي ادعت المحكمة وكذلك الخبراء اللذين عينتهم، أنهم قد استندوا إليه لإجراء هذه الخبرة، ينص في المادة 87 أنه:”أخيرا ينبغي أن تكون للمحققين صلاحية الاستعانة بالخبرات الدولية في مجالي القانون والطب.”،وفيما يخص المتهمين الثلاثة اللذين هم في حالة سراح، فقد رفضت المحكمة طلبهم بإجراء تحقيق فيما تعرضوا له من تعذيب.
بخصوص القرار الصادر في القضية:
المحكمة اعتمدت في حيثيات القرار بشكل كامل على محاضر الضابطة القضائية، التي تتحدث عن وقائع إجرامية منسوبة للمتهمين،واستبعدت بشكل كامل الأخذ بشهادات شهود النفي اللذين أكدوا عدم تواجد بعض المتهمين في مسرح الأحداث،بل إن بعضهم تم اعتقاله قبل وقوع تلك الأحداث، وتعاملت بانتقائية ملحوظة في سردها للنقاشات والشهادات التي جرت أمامها.
المحكمة اعتمدت على إفادات شهود الإثبات، رغم ما شابها من تناقضات أشرنا لبعضها سابقا، ولم تكلف المحكمة نفسها إجراء مواجهة بين الشهود الذين تناقضت شهاداتهم،ولم تقم بأي تحقيق تكميلي من أجل استبعاد بعضها على الأقل،كما أخذت المحكمة بشهادات اتضح عدم صدقيتها[2]، كإفادة محمد سوجاع الذي ادعى انه يعرف المتهم محمد باني، وقد شاهده يوم الأحداث وهو يدهس أحد أفراد القوة العمومية، ومع ذلك لم يستطع إجابة المحكمة عن سؤال يتعلق بقامة المتهم المذكور هل هو طويل القامة أم لا ؟.
المحكمة أخذت بشهادة الضباط محرري المحاضر، رغم أن المتهمين ودفاعهم قد دفعوا بوجود عداوة وخصومة بين الطرفين، وهو ما يمنع المحكمة من الاعتماد على الشهادة التي قدمها هؤلاء الضباط(كما تنص على ذلك المادة330 من ق.م.ج.م)، نظرا لعدم توافر أهم شروط الشهادة، وهو التجرد والحياد اللذين هما مناط اطمئنان المحكمة إلى الشهادة، وتزداد خطورة هذا الأمر إذا علمنا أن شهادة هؤلاء الضباط كانت الدليل الوحيد الذي استندت إليه المحكمة لإصدار عقوبات قاسية ضد بعض المتهمين وصلت إلى المؤبد، كحالتي عبد الله لخفاوني وعبد الجليل لعروسي.
المحكمة عمدت إلى تقديم بعض المعطيات بشكل مغلوط، كما جاء في الصفحة 171 وما بعدها، إذ قدمت بيانات خاطئة فيما يخص مدد الحراسة النظرية للمتهمين الستة الذين ادعت النيابة العامة أنه تم توقيفهم بمخيم اكديم ازيك وقت وقوع الأحداث، فذكرت أن الحراسة النظرية لهؤلاء المتهمين امتدت من الساعة الثامنة من مساء يوم 8 نوفمبر وامتدت إلى الساعة 6 من مساء 11 نوفمبر، في حين أن المحاضر وشهادة الضباط محرريها، تتحدث بكون عملية توقيف هؤلاء المتهمين كان في حدود التاسعة صباحا من يوم وقوع الأحداث، إذ أن المحكمة استعملت هذه الحيلة للادعاء بأن المدة القانونية للحراسة النظرية قد تم احترامها بالنسبة لهؤلاء المتهمين.
القرار احتوى على تعليلات متناقضة، مما يجعله قابلا للإبطال كما نصت على ذلك المادة 370 من ق.م.ج.م التي تنص على مايلي: ” تبطل الأحكام أوالقرارات أو الأوامر: … 3. إذا لم تكن معللة أو إذا كانت تحتوي على تعليلات متناقضة”.
وكمثال على التعليلات المتناقضة التي جاءت في منطوق الحكم ما جاء في الصفحة 167 وما بعدها من جهة، وما جاء في الصفحة 221 من جهة أخرى، ففي الأولى دافعت المحكمة عن أحقية المطالبين بالحق المدني في الانتصاب كطرف،وذالك حين كانت في موضع الإجابة على الدفع الذي تقدم به دفاع المتهمين والقاضي بعدم أحقية هؤلاء في أن يكونوا طرفا في هذه القضية، ورفضت كل الحجج التي قدمها هؤلاء تأييدا لطلبهم، لكن المحكمة نفسها رجعت في الصفحة 221 لتقول بأن الطلبات التي تقدم بها المطالبون بالحق المدني لا يمكن قبولها من حيث الشكل، وذلك استنادا إلى نفس الحجج التي أسس عليها دفاع المتهمين دفعاته(كوجود الملف في المرحلة الاستئنافية، والمبدأ القائل بأن لا يضار أحد بطعنه).
[1] – وهم :محمد بوريال،محمد باني،التاقي المشظوفي،محمد الأيوبي،الشيخ بنكا، النعمة الأسفاري، غير أن هذا الأخير رغم أنه اعتقل يوم 7 نوفمبر بمدينة العيون، إلا أن محاضر الضابطة القضائية تزعم أنه اعتقل يوم 8 نوفمبر داخل مخيم اكديم ازيك.
[2] . إذ لو ان الهيئة القضائية كانت تتمتع بالحياد اللازم لطبقت في هذه الحالة المادة 425 من ق.م.ج.م، التي تنص على انه : ” اذا ظهر من المناقشات وجود قرائن زور خطيرة في شهادة ما، فلغرفة الجنايات إما تلقائيا او بطلب من النيابة العامة او الاطراف ان تأمر بوضع الشاهد تحت الحراسة”