تأملات في دواعي ترتيب أولويات ملتقى الاطر.

بقلم: ابراهيم داهي
كان من المنطقي بعد سلسلة من التراكمات النوعية تحقُق الطفرة التاريخية المتأملة في الفكر السياسي الصحراوي المعاصر، على افتراض ان تتشكل وتتطور هذه لتكون بمثابة المعادل الموضوعي للثورة الوطنية الصحراوية ، وحيث ان مطبات
المسار ومنعرجاته الحادة أبت ان يُنجز ذلك بالشكل الكلي المقنع والملموس، بدا التنافر والتناقض في احيان كثيرة بين الفكر والممارسة واضحين وجليين حيث غذى الصراع السلبي في كثير من المراحل وحفز عناصر تمدد الوهم الايديولوجي
على حساب الانجاز وتحقيق التغيير المنشود. لم يكن احد من الثوريين والمناضلين يتصور ان يأخذ خط الثورة والمشروع الوطني التحرري، منحى غير التصاعدي، بمعنى العنفوان والعطاء والتحدي بمفردات النضال المستميت والمستمر حتى
تحقيق النصر الكامل في بناء الوطن، وفق خيارات تحرير الانسان من المعتقدات التقليدية البالية وتمكينه من تملك ابجديات المواطنة العصرية داخل مجتمع التأسيس لقيم الحداثة والدولة الوطنية، في افق التتويج الطبيعي والحتمي لمعركة حرب التحرير..
كنا ولازلنا نعي وندرك مؤمنين أن تجسيد المشروع الوطني التحرري تحدده جدلية الممارسة والتنظير وتفاعلهما، فأي تناقض او ارتباك لعناصر هذه المعادلة، يطيح ضرورة بالأداء ويجعله في مهب الاختلالات، فتتسلل بالتالي الشعارات الايديولوجية لتبرير فقدان التوازن المرتبط دوما بالممارسات والادوات .
من هذا المنطلق وتبعا لهذه التحديدات، وبقدرما نتوجه بسؤال الاولويات وترتيبها الى الاطراف كلها من القيادات السياسية القائمين حصرا على مسار المشروع الوطني والمرتبطين بهم، الذين نعتبر انهم جزءا من الازمة البنيوية الحالية، بالقدر نفسه واكثر، نوجه مضامين مقاربتنا هذه المفعمة بمشاعر المرارة والامل معا ، الى الاطر بمفهومنا السياسي المتداول والدارج المحيل على النخب من بنات وابناء الوطن، ولان الحديث يتشعب ويتوسع قياسا الى المخاطبين الذين نتطلع ان يتجاوبوا، لا بقدر الآمال والالام في التعبير او التحسيس بعمق انشغالاتنا وحسب ” التي لا تتطلب اكثر من النظر والتأمل في هذا الواقع المزري المقلق و المخيف في نفس الان؟؟؟؟ “، ولكن ان ينقلوا مختلف مظاهر الاختلالات التي تربك الذهنيات وتسكن مؤسسات التنظيم السياسي، من المستوى المبتذل والتعاطي بمواقف شفوية تغيبية، الى تصورات ارقى تنتج مفاهيم مرجعية منسقة ،فاحصة ومدققة للازمة ،علها بذلك تخلي سبيلهم امام التاريخ من تبعات المسؤولية الاخلاقية وذاك اضعف الايمان.
اذا كنا نطرح اشكالا سياسيا وظيفيا من حجم ترتيب الاولويات، فإننا بالتأكيد، نقدر انه من اللازم على ندوة تم التسويق لها بعناية فائقة لا تخلو من الحسابات الانتهازية الماكرة تحت ضغط حاجات سياسية سلطوية معلومة ،لا يمكنها ومن مسؤولياتها النضالية والاخلاقية التي لطالما تغنت بها الجهات المؤطرة ،الافلات دوما من الاحاطة مهما بلغ التمادي في تجاهل استحقاقات الواقع لجهة قياس ضرورة النظر في الاولويات وبحثها خاصة ان متغيراته (الواقع)، تراوح الخطو برتابة مستفزة ثقيلة ، تكثف من حالات الغموض والتناقض والانفصام….. حتى كأنها تنال من مقومات الصمود الموضوعية والذاتية، مما يتطلب النظر العاجل في اليات ناجعة تقطع مع النمطية وتيسر استيعاب المتغيرات طلبا لأدوات فاعلة من اجل تأسيس تصور عقلاني علمي نراهن او نعول ان يأخذ اطاراتنا بناصيته ، متجاوزا لغة العواطف الثورية مرحليا الى مخاطبة العقول والارادات هذه المرة على الاقل بكشف حساب الانجازات والاخفاقات. .
ان سؤال ترتيب الاولويات من ضمن ما يطرح بهذه المناسبة ، اجرائية البحث والتقصي في اساليب وتمظهرات الخطاب الحامل والناظم لرسالة المشروع الوطني من حيث مستوياته وبنائه ومضامينه، وما اكتسحته منذ بدايات سنوات الانفتاح العجاف من مفردات التحوير والتأويل والاسقاط القسري، حتى سادت وتجذرت هذه الخصائص الاخيرة حين تظافرت عوامل معلومة أكسبتها منعة ايديولوجية انسجاما مع مقتضيات الوضع الجديد المبني على التوازنات وثقافتها التقليدية التي تخفي هشاشة مضطردة يعكسها من مرحلة الى اخرى بنيان مفاهيمي فقير في المبنى والمعنى ، يضاعف داخل مستوياته حدة التصورات الازدواجية المركبة…..
لازال الخطاب السائد الفاقد للبوصلة، يحصد مزيدا من الفشل في سياق العجز عن التواصل المتناغم مع محيطه الطبيعي، والتخلف عن الارتقاء بالمضامين المتوهجة الموروثة الى مستوى تفعيل تراكمات الابداع الثوري الدينامي بدل الركون الكسلان الى العيش على بريق الانجازات التاريخية والاختلاس من رصيدها المشع، بتسويق صيغ تعويمية على درجة عالية من التضليل تصل ابعد الحدود، وبمنسوب ازدواجي يخدم الحاجات السياسية المكشوفة رغم كثرة الاقنعة والمساحيق. فانعكست بالتالي مظاهر العجز والنكوص في مستويات مختلفة من البنيات الى الهياكل…..، بالارتهان الى خيارات المسار التحريفي وتنميط الردة السياسية التي عمقت الهوة وباعدت المسافات، لاسيما بعد الاحتكام الى قيم المنظومة التقليدية التي استعادت نشاطها الملحوظ منذ قرابة ثلاث عقود لغايات التسلط والاستبداد المنتج لفكر احادي يواجه بشراسة قل نظيرها كل اشكال المراجعة والتقويم، متنفذا بما توفره له مقومات السيطرة السياسية والمادية. بهذا المعنى نصبح امام خطاب يعتمد في سبيل اتمام الغايات كل مستويات الالغاء والاقصاء والتغييب والتخوين من خلال نهج يُضمر الجفاء والمخاصمة لهموم الوطن والمواطنين باعتماد تصورات عقيمة غريبة عن الواقع.
اما سؤال ترتيب الاولويات المحوري الثاني، المتمثل في التغيير فقد بات ماثلا يفرض نفسه بحدة وان تكالبت عليه اساليب الجحود والارجاء والاحتواء لقدرنا المر في مكابدة صراع الوجود والامه الذي تستهدفه وتحاصره المؤامرات من كل صوب بتعاظم اطماع المحتل الغازي وحشرنا في زاوية التقوقع انتظارا لما تسوقه الامم المتحدة من حلول وهمية مشبوهة استمرأتها القيادة السياسية بما توفره من تغطية لخفايا لعبة التدوير والمحاصصة في السلطة.
تنتاب النظام نوبات متجددة متفاقمة من اعراض النرجسية الحمقاء المغالية في العدمية بإشهاره العداء الصريح لكل دعوات التغيير المطالبة بالإقلاع عن سياسة ادارة المأزق الشامل الذي نعيش تداعياته المخزية بتصدع البنيات وتهاوي القيم في واقع وسياق مجتمعي ينتج تحت شروط ايقاع سريع من التحولات قيم اخرى مناقضة ومتعارضة مع جوهر المشروع الوطني بفعل تكريس علاقات المنظومة الانقسامية المتخلفة النقيض الموضوعي للعلاقات الوظيفية الثابتة من خلال المؤسسات، وقد تعززت اشكال استبعاد التغيير والمراجعة — بالرغم من نضوج العوامل الموضوعية خاصة واننا نعيش مرحلة انتقالية– بالنظر الى الغياب الملحوظ وعلى الاصح الحضور الضعيف والباهت للنخب في تأسيس مقاربات عميقة متماسكة بمعطيات مضبوطة محددة للدلالة على الازمة البنيوية التي تنخر الجسم الوطني، بدل الركون للمواقف الشفوية التي تخدم من حيث لا ندري تجذير مسلكيات الاستبداد والفساد.
ان سؤال التغيير المطروح المحكوم بسياقنا نحن وواقعنا المطبوع بسمات الازمة التي وان كانت من منظور سوسيولوجي جزءا من المسار الطبيعي للمجتمع، يستوجب النظر في راهن الحال، وتقدير مجمل التحديات وفي مقدمها، كوننا لم نتعود مساءلة انفسنا ومجابهتها بالحقائق خارج سياج الشعارات الثورية ودرجة الاستعداد لتقبل اختلاف بعضنا البعض باعتماد طرق الحوار المعروفة بعد ان عشش في مخيلتنا الجمعية فكر النمط الاحادي والراي الواحد الذي يحاول جاهدا ترويض تمثلات الافراد وسلوكاتهم بعزلها واخضاع القيم المجتمعية لحاجات فرض اليات الانقياد والاتباع وتجاهل المتغيرات والتحولات الاجتماعية.
لقد استدعيتُ جانبا من الانشغالات والاسئلة المستفزة والمحفزة في نفس الوقت نحو استشراف طرح دينامي، للنظر والتبادل بعيدا عن الاصطفاف، والدعوة الى بحث الاولويات في هذا الملتقى الموسع طبقا لمقتضيات واقع الحال، ولن يكون بالتأكيد هناك سبيل الى هذا المنحى دون تبني واضح وجريء لرهان التغيير الايجابي والتاريخي المتناغم مع اساسات وثوابت المشروع الوطني بتجسير الفجوات وتقريب المسافات ادراكا لحجم الاخطار المحدقة واعطاء الاعتبار لفوائد واهمية الاختلاف والحوار في بناء ممارسة سياسية صحية كفيلة باجتثاث اسباب التجاذبات التي تدفع بها عقول قاصرة متقوقعة في زاوية المصالح الانانية الانتهازية.
واخير فان المشترك بيننا جميعا ، يحتم احترام الاختلاف ونبذ الالغاء والخلاف سبيلا الى التكامل بتقنين وتنظيم الممارسة السياسية للحفاظ على المصالح العليا للوطن والمواطنين وتحمل المسؤوليات، وتلكم قضايا حري بندوة الاطر هذه، التصدي لها حتى تتمكن من لعب دورها الحيوي المرجو في ترجيح كفة الخيارات الناجعة وتجاوز اعادة انتاج خطاب الردة المعلول.

تعليق واحد

  1. على من تقرا زبورك يا اخي ابراهيم فالقيادة موجودة في السلطة منذ اكثر من 40 سنة وتعودت على سياسة الاقصاء والتهميش، لكل من يعارضها وقبل ذلك كانت تعتقل وتختطف وتعذب، ولن تغير بين عشية وضحاها من سياستها تلك الا بقوة المعارضة وان يغرض عليها ذلك، فما تسميهم انت لقاء الأطر بالنسبة للقيادة هو لقاء للأمناء والمحافظين المتعودين على النفاق والتصفيق للقيادة مهما كانت اخطاؤها وجرائمها …فانت يا إبراهيم تبحث عن تطوير الدولة الوطنية والمؤسسات، والقيادة تبحث عن بقاء دار لقمان على حالها وليصفق الأمناء والمحافظون للإنتصارات الوهمية، مثل الوحدة الوطنية وقرب الإستقلال… والله ولينا وعونا ضد الغزاة وضد هذه القيادة الفاسدة….