كلمة تأبينية للفقيد البوخاري أحمد رحمه الله.

بقلم : بابا أحمد بوصولة.

بسم الله الرحمن الرحيم
وخير البدايات أن نتلو على روحك الطاهرة، قول الله تبارك وتعالى : * يا أيتها النفسُ المطمئنّة ارْجعِي إلى ربّك راضية مرْضية * صدق الله العظيم.
أودعك يا من رحل عنّا بغتة، وما وداعي لك إلاّ وداعُ بنيتك الجسدية، أما أنت فباق فينا بقاء أبديا. فها أنا أناديك، وأّكيدٌ أنك تسمعني وذويك، تسمع عزائي وعزاء شعب الصحراء برمته، شعب حملتَه في قلبك طريقا نحو الخلود. رحلت ممتطيا جواد فكرك الأصيل، والذي غُرّته أعْمت بنورها عيون الخصوم، وأسكتت ولعْثَمت ألسنة المناوئيين والأعداء؛ حتى أنهم هم الآن في صمت يعترفون أنك كنت في ساحة الخطابة والفصاحة، في ساحة الديبلوماسية، فارس الفوارس بلا منازع.
عقود وسيفك مسلول في وجه الأعداء، لا معركة خضتها إلا وكان يَمَانِيّك هو الأبتر. نعم غبت عنا، لكن ما غابت فضائلك، ما غابت أعمالك وبطولاتك. فكم سنة، بل كم عقود وأنت تمتطي عدالة قضية شعبك، محجل الثلاثِ طَلِق اليمنى، طلق اللسان بحرب مفتوحة على الأعداء والنسيان، حتى صارت عواصم العالم رقعة شطرنج أمام طول نفس صولاتك التي لا تعرف التراجع أوالاستكان؛ فباريس، ومدريد ولندن ونيويوك بل جميعها لا تتذكر منك سوى شيمة الكرّ أما الفرّ فلم يكن قط من شيّتك.
إنهم لن يتذكرون منك سوى وجهك المشرق بحزم لا يلين، وأنت تعضّ بحنكتك على مرارة اللحظات والخفقات والاخفاقات فتخرجها بسحر كلماتك المؤمنة نصرا وزغاريد ورايات؛ فكلماتك في مطار باراخاس لازال حتى اليوم صداها مسموعا، بل صار زهوا لذكرى كل ألْمَعِيّ في الديبلوماسية؛ يوم قاومت وحدك ووحدك دولةً برئيسها ووزرائها وجيشها وبوليسها.
ويوم أخذت على عاتقك مقارعة المحتل في أخطر الساحات وأصعبها ألا وهي أروقة أعظم هيات العالم، الأمم المتحدة، وكما عهدناك كنت وحدك ووحدك سلاحا يقاوم جيشا كاملا من دبلوماسي الأعداء بسفرائهم وموظفيهم ولوبياتهم، ومرة أخرى كنت كما عودتنا لا تعرف إلاّ المواجهة والكر. وكل غنيمة غنمتها كانت عادلة قد رصّعتها بابتمساتك الرؤوفة الطيبة والفولاذية، ابتسامة تولِّد في صدور وقلوب اللاجئات وأمّهات شهدائنا وأبنائهم زهور الصبر والاستماتة وورود التفاؤل والنصر القريب؛ فمن جميس بيكر، وكريستوفير روس وهذا بانكي مون يطير من فضاءات الأروقة الأمميّة ليطأ باقدامه أرض شعبك اللأجئ، ويقول وأنت تستقبله: الصحراء بلد محتل.
فأنت لنا عبرة في الصمود، لنا عبرة في أن الموت ومغادرة هذه الدنيا حقيقة لكنها ليست الموت الحقيقية، بل الموت الحقيقية هو أن تندثر خطى المرء، أي تختفي حياته بعد الموت؛ فحياتك ومسيرتك خالدة خلود هذا الشعب الذي أنجبك.
فهنيئا لك لقد عرفت كيف تبني مصيرك بعد موتك؛ وشكرا لك على ما علّمتنا، إذ مددتنا بذخيرة لا تنفذ. ذخيرة نحن في أمس الحاجة إليها، ولا سيما ونحن الذين حوّلتنا رياح جهالة القبليّة الدفينة أوراقا متناثرة في أصقاع العالم. مددتنا بمفعول يجعلنا أوراقا لا تعرف الذبول. إن الموت لا تُبدّل من نفسها شيئا، فإن لم تعانقنا اليوم ستعانقنا غدا، لكن كم من الاحياء هم الآن بعدك أموات، نعم هم أحياء لكنهم ميّتون، أموات يمشون وتماثيل يتحركون، لأنهم ما قدّموا عطاء بل مصّوا دماء، ولا شيّدوا بناء بل هدّموا أعمدة وخرّبوا أرجاء. وفي هذا السياق يقول الشاعر:
ما مات من مات محمودا خصائله *** بل مات من مات مذموما من الكذب.
فأنت فينا باق لأن عملك أعلاك وشرفك وأسماك. وقد ورد في الحديث الشريف: إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يستغفر له. وأية صدقة أكبر ممن ضحى بشبابه وحياته من أجل إعلاء كلمة شعبه المظلوم، وأي علم أنفع من هذا العلم الذي تركت لنا منه ذخيرة لتأليف مؤلفات ومؤلفات في فن الديبلوماسية الصحراوية، أما الاستغفارلك، فأبناؤك والشعب قاطبة يستغفر لك ويدعو لك بفسيح الجنان وجنة الرضوان.