المجتمع المدني: القبول و الرفض في ميزان الإستثناء.

بقلم : الناجم بشري.

كواحد من المواضيع التي ظهرت ارهاصاتها الأولية منذ قرابة ثلاثة سنوات كحد تقديري، أخذ موضوع المجتمع المدني كمتغير جديد داخل المشهد السياسي الصحراوي مسارا جدليا حادا بين الترحيب و الرفض استنادا لجملة من المعطيات و التحليلات بين من يعتبر “الظاهرة” اي “المجتمع المدني” المستحدثة و لو بشكل بدائي داخل مجتمعنا بمكونه السياسي ضرورة تفرضها المرحلة لمواكبة المتغيرات التي يمليها تطور المجتمع بحكم، على خلاف الطرف الاخر؛ الذي يعتبر ان الفشل في تطوير الأدوات السياسية الموجودة هو الذي عجل بوتيرة البحث عن نماذج مستوردة لم تثبت نجاحها حتى في العديد من الدول المتقدمة و غالبية دول العالم الثالث بل يرى بضرورة تركيز الجهد على التنظيم السياسي و روافده ليختزل دور “الظاهرة” تماشيا و خصوصية المرحلة و الظرف الاستثنائي.
ان الحتمية التي فرضها التغير التكنولوجي على مختلف مناحي الحياة بات يفرض علينا اليوم أكثر من اي وقت مضى نوع من الانحناء التاكتيكي في التعامل مع هذه المتغيرات بالشكل الذي يمكننا من الاستفادة منها دون معارضتها كليا، بل بتجنب ما يمكنه ان يؤثر بالسلب على قوة التنظيم و المجتمع، فعلى الرغم من قدم ظاهرة “المجتمع المدني” إلا أنها تبقى إلى حد الآن مجرد محاولة لشق طريقها نحو إثبات الذات من عدمه في بيئة استثنائية، مستندة بالأساس على ضرورة مواكبة مجتمعات العالم المتقدم و المساهمة في معالجة الإشكالات و التحديات التي يواجهها التنظيم او بعبارة أخرى التي لم ينجح في التعامل معها.
فامام التداخل الحاصل بين الحركة و الدولة بحكم التجربة الاستثنائية، يرى البعض بضرورة العمل على توفير أرضية مناسبة من خلال خلق فواعل غير رسمية مستقلة عن الدولة في قراراتها و توجهاتها المنطلقة بالأساس من تصورات و رغبات المجتمع، إضافة لايجاد نظير لفواعل المجتمع المدني لعديد الدول الصديقة التي تساهم بشكل او بأخر في التعريف بالقضية الصحراوية في الأوساط الاجتماعية و السياسية الغربية، و المساهمة في ترقية التنظيم السياسي الجماهيري بحكم العامل المشترك لهما من خلال الشعب.
لكن انطلاقا من الواقع؛ يمكننا القول بأنة الضعف الحاصل على مستوى غالبة المنظمات الجماهيرية و الادوات الفاعلة على مستوى التنظيم السياسي هو نفسه الذي خلق بيئة مواتية لبروز فواعل غير رسمية كان من المفترض إختزالها داخل هياكل و فروع المنظمات الجماهرية بحكم القابلية المرنة لتكييفها من طرف الجبهة و تنظيمها السياسي مع تجارب العالم في بناء المجتمعات و تمكينها من تقييم و تقويم كافة العمليات السياسية المتخذة من طرف الهيئات العليا، لكن بشكل لا يسمح بالخروج عن الأهداف العامة للتنظيم من خلال ضمان تواجده بشكل مرن من خلال هياكله القاعدية، و هذا يوفر آليا شرطا أساسيا لنجاح تجربة المجتمع المدني من خلال تعاون التنظيم مع الفواعل التي ستقوم بالمهمة.
كما أن فتح الباب أمام ما يعرف “بالمجتمع المدني” هكذا دون ضوابط مدروسة بعناية سيخرجنا حتما من السياق العام لتجربة معظم حركات التحرير الناجحة سوءا على مستوى إقليمي او عالمي، و التي اعتمدت بالأساس على مركزة القرار و إقناع الجماهير بأهمية الدفاع عن توجهات تنظيمها من أجل الوصول للأهداف الكبرى التي تسعى لها، و الحرص على عدم الترحيب بأي متغير قد يضعف مركز القوة المؤثر الموكن من السلطة و الشعب نتيجة لأهمية الاتحاد في وجه التحديات الخارجية التي تهدد البلد و التي لايمكن الحديث عن اي إصلاح جذري على مستوى داخلي دون زوالها.
لكن على الرغم من إختلاف الطرح في عديد المناسبات الوطنية و النقاشات الفكرية، خاصة ملتقى الأمناء و المحافظين الموسع بمنطقة بئر لحلو المحررة، حول موضع أهمية المجتمع المدني من عدمه، يمكننا القول؛ بأنه لا يمكننا التأسيس لاي نجاح في الموضوع على حساب روافد التنظيم السياسي التي تشهد حالة من الضعف الغير مسبوق على مستوى داخلي نتيجة لغياب إرادة فوقية جادة في تمكينها من لعب دورها الكامل داخل التنظيم السياسي و تكييفها من خلال محطاتها السياسية مع مختلف المتغيرات الاقليمية و الدولية التي تفرضها علينا كل المرحلة لإبعاد التخوف الحاصل من إمكانية خروج ما يعرف “بالمجتمع المدني” عن الخط العام للجبهة.