الانتفاضة في فكر الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز.

بقلم: خطري الزين
لقد سخر الشهيد حياته خدمة لقضيته،فقد نافح عنها مقاتلا في ميادين العز و الشرف، و كرس وقته من اجل الجماهير، ووهب نفسه فداءا لهذا الوطن، مضحيا بالغالي و النفيس، من اجل ان ير شعبه ينعم بالحرية على ارضه، فكان قائدا مثاليا في التضحية و العطاء، و شكل بحق رمز المشروع الوطني، كان بالرغم من خلفيته العسكرية و ايمانه المطلق بأهمية الكفاح المسلح في استرداد الحقوق و تحرير الارض، الا انه كان يرى بأن النضال يجب ان يشمل جميع الجبهات و بشكل مستمر و متناغم، و ان لا يتوقف على نهج واحد، و الانتفاضة كخيار في فكر الرئيس الشهيد، املتها الظروف و المعطيات كمرحلة الهدنة ، او ما اصطلح عليه فترة اللا سلم و اللا حرب، كفترة للتهدئة لا بد من التأقلم معها و الانخراط في فتح جبهة مواجهة جديدة، ليست بالضرورة بديلا عن الكفاح المسلح، و انما رديفا له.
لقد رافق الرئيس الشهيد اطوار الحراك السلمي و الانتفاضة المتأججة في المدن المحتلة منذ بداياتها الاولى، فقد اعطاها دفعا جديدا و زخما كبيرا و جعلها اكثر شمولية و انتشارا، و اعتبرها جبهة متقدمة من جبهات النضال و المقاومة، فقد كان حريصا على الدفع بها الى الامام و اعطائها الاولوية القصوى من خلال دعمها بشتى الوسائل المعنوية و المادية، و ابرازها كفعل حضاري راقي، و فصل من فصول المقاومة الصحراوية التي لن تتوقف ما دام الاحتلال جاثما على الارض.
فبعد المتغيرات التي شهدها مسار النزاع ، و الهزيمة النكراء التي مني بها الاحتلال المغربي، جراء النكسات المتكررة و الخسائر التي تكبدها طيلة سنوات الحرب، التي دفعته الى رفع الراية البيضاء و التواري خلف الجدار، و قبوله بقف اطلاق النار، ظن الاحتلال انه وضع نقطة النهاية لمسار الكفاح، و ان الصحراويين لا يمكنهم ابتكار أساليب نضالية أخرى، تتماشى و طبيعة المعركة.
حينها بدأت جبهة البولسياريو و على رأسها الاخ الشهيد تفكر في ميكاميزمات وبدائل تنسجم مع الواقع الذي يمر به النزاع، و اتخذت الانتفاضة السلمية اسلوبا للتصعيد، حيث اظهر الشعب الصحراوي عبقريته المتفتقة في الخلق و الابتكار، تلك العبقرية التي وصفها الرئيس الشهيد، على انها قادرة على ابداع صور و طرق جديدة قوامها الاحتجاجات و المسيرات السلمية، و اسلحتها العلم و الشعار.
حيث شهدت المناطق المحتلة و جنوب المغرب عديد المظاهرات ـأسا، العيون، السمارة و بوجدور و الداخلة و غيرها من المدن الصحراوية الأخرى معبرة عن روح الوحدة و انسجام الجسم الصحراوي ورفضه المطلق لسياسة الاحتواء و التفرقة، التي حاول المحتل تطبيقها، لكن هيهات، فقد كانت الجماهير الصحراوية واعية بتلك المؤامرات و الدسائس التي يحيكها المحتل، ووقفت جسما واحد، متماسكا في وجهها، و جعلت من الانتفاضة ردا صريحا و صارخا على كل محاولات التفتيت و التشرذم، و ثني الصحراويين عن مطالبهم المشروعة في الحرية و الكرامة.
فكانت انتفاضة الاستقلال اكبر دليل على عبقرية الجماهير الصحراوية في ابداع الاساليب و تطويرها، و مثلت الرد الصارخ على حالة الجمود التي مر بها النزاع، حيث كان لا بد من القيام بفعل ميداني يعيد القضية الى الواجهة، و يكسر حالة الانسداد التي سببتها العراقيل المغربية، في وجه اي حل يفضي الى تقرير مصير الشعب الصحراوي، حيث أكد الرئيس الشهيد في خطابه الشهير الموجه الى فعاليات الانتفاضة بالمناطق المحتلة و جنوب المغرب، “انه و امام هذا الوضع المسدود…..الشعب الصحراوي لن يبق مكتوف الايدي….”
الحرص على سلميتها:
كان الرئيس الشهيد حريصا على سلمية الانتفاضة، و جعلها فعلا حضاريا بعيدا عن الصدامات و الممارسات العنيفة التي يحاول الاحتلال نعتها بها، و يحث عل عدم الانجرار وراءها، لان الاحتلال يحاول بكل ما أوتي من قوة من اجل جر الصحراويين الى مستنقع العنف لتشويه كفاحهم و نعته بالارهاب، و كان دائما يوصي بعدم السقوط في الفخ الذي ينصبه المحتل لتدنيس فعل الانتفاضة و تجريمه، و يؤكد على ان اللغة التي يتكلمها العالم الان هي لغة سلام و محبة و تسامح، و ان نعلو بأصواتنا و نكثف من التظاهر لكي نسمع اصواتنا الى احرار العالم و المنظمات الحقوقية الدولية، التي اصبحت ترى بأن مسألة حقوق الانسان في الصحراء الغربية يجب مراعاته و لفت انتباه الرأي العام العالمي من اجل ايجاد الية لحمايتها و الدفاع عنها، تلك النظرة الثاقبة التي ميزت فكر الرئيس، جاءت بنتائج و احدثت ثقبا في جدار الضمير العالمي من خلال تقديم مقترح امريكي، يشير الى الحاجة الى توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان، و ما كان ليحدث هذا لولا التفكير النير و التخطيط المتبصر الذي كان يميز فكر الرئيس الشهيد، و قراءته لمجريات الاحداث، بحصافة و تأني، تلك النظرة الاستراتيجية تلقفتها فعاليات الانتفاضة و جعلتها دستورا يحمي الانتفاضة من كل تشويه و تدنيس.
…أن الحق والإيمان بالقضية الوطنية العادلة واستعداد الصحراويين الدائم للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الحرية والكرامة ظل على الدوام الثابت في معادلة معركتنا الطويلة الأمد، في كل مراحلها، في مواجهة تلك السياسات الاستعمارية البغيضة. أما المتغير في هذه المعادلة فهو الأساليب والطرق التي تتطلبها كل مرحلة من تلك المراحل. وقد أبلى الصحراويون دائماً البلاء الحسن بهذا الخصوص، وصمدوا في تنفيذ خياراتهم واسترتيجياتهم وخططهم، وفق الظروف والمعطيات القائمة. لم يطرح في يوم من الأيام السؤال حول أجل محدد للصمود، لأن الصمود مسلمة لا جدال فيها، بل كان يتم انتظار الوقت المناسب للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر من المقاومة المشروعة و خيارنا الحالي هو المقاومة السلمية…..”.
لقد كان رحمه الله يؤمن بحتمية مواصلة النضال، و تجريب كافة الخيارات و الاساليب المتاحة، لقض مضجع الاعداء و عدم شل دينامية فعل الانتفاضة كفكر للتعبئة و التحريض، و ممارسة ميدانية في الشارع، للتعبير عن رفض واقع الاحتلال و التشبث بروح الوحدة و الانسجام داخل اطار مبادئ و اهداف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، و لا تزال المقاومة بشكلها السلمي خياره حتى وافاه الاجل.كما جاء في رسالة التعزية التي بعث بها الرئيس الجزائري بوتفليقة أن الفقيد لم يتسلل اليأس إلى نفسه على مر السنين, “وهو ينتظر ساعة الفرج, داعيا للسلم كمبدأ استراتيجي, وكقناعة نضالية لا بديل عنها”