البيظان .. ثقافة تذبح من الوريد الى الوريد.

محمد السالك أحمد (صحفي و كاتب صحراوي)
حدثني ذات مرة شيخ ورع من مشائخ المخيم عن مخاوف خالجت نفسه و هو يتابع بكثب تعاقب اجيال تختلف كليا فيما بينها من حيث اللكنة الحسانية، البناء الثقافي و المظهر المادي، بحيث عبر عن غلغة الشديد ازاء مستقبل البيظان في المنطقة الصحراوية الذي وصفة بالمظلم.
و رغم فارق العمر بيني و بين هذا الشيخ الذي ارتسمت خارطة البيظان على تجاعيد وجهه المنصع بالسماحة و العلم و الوقار، الا أنني إلتمست حكمة كانت ستمر كمرور سحابة الخريف دون ان نقف في محرابها و نتدبر في فك شفرات هذا المستقبل المظلم للهوية الحسانية البيظانية التي أيقظت قريحة شيخ في آخر ايامه.
البيئة كعامل مساعد في استمرار ثقافة البيظان…
لم يكن الصحراوي القديم يبذل اي جهد اضافي في سبيل البحث عن مصادر الثقافة الصحراوية لانه بكل بساطة كان يتنفس عبق الهوية الصحراوية من موردها الصافي، عبر فضاء طبيعي مفتوح وفر له الحياة التقليدية التي يمارس فيها كل طقوسه و تقاليده و اهازيجه التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالبيئة و الطبيعة الصحراوية التي تتميز بعوامل مناخية، تضاريسية، نباتية و حياونية تختلف تماما عما هو حاصل في بيئات اخرى مجاورة لم يكن الصحراوي يعرها ادنى اهتمام، كونه آلف محيط معين، بنا عليه مخيلته الثقافية و رسم عليه مخططه الخاص لسبل العيش من خلال تذليل مكاره الصحراء ليطوعها كوسيلة صييعة في يده.
و عبر السنوات الاولى من اللجوء، وجدت الهوية البيظانية نفسها مشنوقة بين فكي حمادة جرداء و خيم كئيبة عجزت في آخر أيامها عن لملمة شتات مجتمع تفرقت به سبل الحياة و بقي يجمعه حلم وطن.
المخيم و رغم حفاظه على خاصية لفريگ كموروث ثقافي في صيغة عصرية الا انه عجز عن ضمان تواصل العنصر البيظاني في شكل هويته الاصلية التي لم يبقى منها سوى جيمات الشاي، ملحفة، دراعة، القليل من الشعر، بعض الاهازيج و القيم و لهجة حسانية فقيرة تكاد تغزوها طفيليات من اللهجات المستعمرة و الدول المجاورة التي تسللت بحكم التماس المباشر و سنوات الانتظار التي بدأت تأكل منا كل شيء، حتى شيوخنا الذين يحفظونا هويتنا ما عادوا بيننا لنضرب كفا على كف لسوء تدبيرنا لشأننا الثقافي أيام حضورهم.
غياب الاسرة عن دور التلقين الثقافي…
اعتقد فيما اعتقد ان الاسرة تظل من الركائر الاساسية للحفاظ على الموروث الثقافي من خلال خاصية التأثير و التأثر، فالطفل أول من يحاكيه الأبوين باعتبارهما التماس المباشر في حياته اليومية، اذ يأخذ منهما التغذية البيظانية الاولية حتى يشتد ساعده فيبني هويته الحسانية في مجتمعه انطلاقا من الشخصية و الخلفية الثقافية التي إكتسبها من عمق الخيمة الصحراوية.
و بحكم اللجوء و تشتت العائلات و إنشغال و إنشطار الاسرة بين مقاتل و مسؤولة خلية او معلمة و غيرها، فقدت الهوية الصحراوية حلقة من سلسلة التواصل الاجتماعي الذي كان يحق للطفل ان يتمتع به باعتباره سليل مجتمع اصيل نشأ و تطور في الفرگان التي كانت تحافظ على سيرورة العجلة البيظانية و سلالة انتقالها من جيل الى آخر.
التكوين الاكاديمي بالخارح .. أنتج جيل هجين.
في البيئة الصحراوية القديمة، كان للترابط الاسري و قوافل التجارة و المناسبات الدينية و موسم المطر و سنوات الشر و الخير كان لهم الاثر البليغ في وحدة البيظان العضوية و المعنوية، اذ أدى الاتصال المباشر بين الفرگان و العائلات البدوية الى تمتين أسس اللهجة الصحراوية و ضمان استمرار المظهر المادي للعنصر البشري كما كانت البيئة الصحراوية الغنية بالمشاهد الطبيعية الملهم الاول للانسان الصحراوي في الابداع الثقافي و الانتاج الادبي بما إنعكس ايجابا على الخلفية التكوينية للجيل الذي بقي يورث تلك الهوية الناصعة بسلاسة منقطعة النظير.
تعاقبت الاحداث بعد الثورة التحررية و سافرت أجيال تلوى اخرى لطلب العلم في اقطار مختلفة من العالم عبر دول قريبة منا و أحيانا تبعدنا عنها الاميال و قد تتوسط بيننا البحار.
شكلت هذه الاسفار تكوينا دخيلا على دواخل اجيال صحراوية ما كانت لتظن يوما انها ستعيش سنوات من الغربة الى جانب شعوب و امم تختلف عنها تمام الاختلاف من حيث العادات، التقاليد، اللغة والدين بما اثر سلبا و ايجابا في تشكيل ذوات الطلبة الصحراويين الذين عادوا فيما بعد الى بلدهم يحملون شهادات علمية قيمة الى جانب هوية ثقافية مشوهة ستكون أحد العوامل التى ستؤدي الى تراجع حب التمسك بالموروث الحساني البيظاني في المجتمع الصحراوي الحديث.
بالاضافة الى هذه المؤشرات الثلاث هناك عوامل موضوعية و اخرى ذاتية شكلت هي الاخرى النفق المظلم الذي صارت تتخبط فيه هويتنا الاصيلة، لم نتطرق لهذه النقاط الاضافية بسبب تقييد الوقت الذي الزمنا أياه عصر السرعة و المعلومة السريعة و الاستهلاك السريع الشره دون ضمير حي.
#المقال المقبل سنستشرف الحلول و المقترحات لحل معضلة الاستعمار الثقافي و تهديدات الهوية.