مناورات فرنسية لتفجير “حرب رمال” جديدة في المغرب العربي.

حتى الساعة لا يظهر بوضوح ما هو الثمن الذي يكون الرئيس الفرنسي ماكرون قد طلبه لذلك الانبطاح المفضوح أمام ترامب، والانقلاب على مواقف فرنسا من الملف النووي الإيراني، في ما يشبه الخيانة الموصوفة لشركائه الأوروبيين، سوى ما ظهر بعد حين من تغيير لافت في الموقف الأمريكي من النزاع في الصحراء الغربية، وتفضل الولايات المتحدة بإرضاء الحليف الفرنسي بصيغة منحازة للمغرب، وتفخيخ الملف بما قد يتدحرج بالنزاع إلى حرب مفتوحة في الإقليم تقاول لها فرنسا من أكثر من جبهة على امتداد حدود الجزائر.
قرار مجلس الأمن الأخير 2414 حول ملف الصحراء الغربية يملي على القيادة في الجزائر التوقف عند مستجداته التي تكون قد خرجت به عن الصيغ التقليدية للقرارات السابقة، حتى وإن كان يبدو في ظاهره قد أبقى على ما هو أساسي: بدعوة “المغرب وجبهة البوليساريو إلى العودة للمفاوضات المباشرة دون قيد أو شرط” ولم ينسخ بالكامل مرجعية تقرير المصير، كما لم يستجب لطلبات المغرب حيال إعادة تفسير أحكام قرار وقف إطلاق النار بشأن المناطق العازلة، أو يلبي طلب المغرب الأول بإقحام الجزائر في النزاع كطرف معني بالمفاوضات، وربما هذا ما يكون قد سوغ للخارجية الجزائرية الترحيب ولو بفتور بالقرار، ولم يدفع بالجبهة إلى تعقب مواطن انحيازه الصارخ للمغرب في بعض صيغه الغامضة.
ولا غرابة أن يأتي الترحيب المغربي متحمسا أكثر من العادة، وقد سمح القرار للملك والمخزن في الحد الأدنى بالنزول من أعلى الشجرة التي تسلقها الملك قبل شهر، بتهديداته الصبيانية والتلويح بتغيير الواقع على الأرض بالمناطق المحررة ببئر لحلو وتفاريتي حتى لو أدى الأمر إلى صدام مع الجزائر، ورأينا الآلة الإعلامية المغربية تتحرك في جميع الاتجاهات، تريد التسويق لنصر يكون قد تحقق للمغرب عبر الدعوة التي تضمنها القرار بوجوب انسحاب البوليساريو من الكركرات، مع أن الانسحاب الطوعي كان قد حصل شهورا قبل تاريخ تحرير وصدور القرار.
مجلس الأمن يخلط أوراق المبعوث الأممي
غير أن الطرفين: المغرب والبوليساريو لم يتوقفا عند الانقلاب الحاصل في هذا القرار من جهة تغيير مواعيد بحث مجلس الأمن لتجديد عهدة المينورسو من سنة إلى ستة أشهر، وما يضمره من تهديدٍ لهما وللمنطقة، حتى وإن كان الطرف الأمريكي المسؤول عن تحرير مسودة القرار قد سوق له بدعوى “الضغط على الطرفين للدخول بجدية في المفاوضات” وهو ادعاء مشكوك في صدقيته من حيث أنه كان بوسع المجلس أن يلزم الطرفين بتحديد موعد معلوم لبداية المفاوضات دون الحاجة إلى تغيير الموعد التقليدي لتجديد عهدة المينورسو.
وحيث لم يفعل، كان على المغرب والبوليساريو، كما على دول الجوار، أن تقرأ ما وراء هذا المستجد من كيد مضمر، علما أن المفاوضات المباشرة معطلة منذ عقد من الزمن، وأن الطرفين متمسكان بمواقفهما التقليدية منذ عهدة جيمس بيكر وحتى تعيين الموفد الأممي الجديد السيد كوهلر الذي لم تسمح له اتصالاته الأولية بتسجيل أي تطوّر في المواقف، وقد يكون السيد كوهلر أول من تفاجأ بقرار تغيير مواعيد مجلس الأمن التي لم تمنحه أكثر من ستة أشهر هي بلا شك غير كافية لتنفيذ المطلب الرئيس في القرار بعودة الطرفين إلى طاولة الحوار المباشر، ناهيك عن التوصل إلى تسجيل تطور حيال قبول الطرفين بجدول أعمال يستحيل التوفيق فيه بين مبدأ “تقرير المصير” الذي يشتغل عليه مجلس الأمن منذ التوصل إلى قرار وقف إطلاق النار، وأطروحة المغرب المتمسكة بالحكم الذاتي.
“الوسواس الخناس” الفرنسي في أذن “حاملة قلم التحرير” الأمريكية
امتناع روسيا والصين وإثيوبيا عن التصويت لم يكن فقط بدافع انحياز المسودة الفاضح لبعض أطروحات المغرب، والتجاهل المتعمد لمحتوى وروح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي كان متوازنا، بقدر ما هو تعبير عن استهجان الروس والصينيين لاستعجال الولايات المتحدة “حاملة قلم التحرير” وفرنسا “الوسواس الخناس” في أذن المندوبة الأمريكية، استعجالهما لطرح مسودة القرار على التصويت دون إفساح الوقت الكافي لدراسة المسودة، ولأن روسيا والصين قرأتا في تغيير الموعد من سنة إلى ستة أشهر مناورة أمريكية فرنسية مفضوحة تريد ربط نزاع الصحراء الغربية بأجندة دولية مفخخة بثلاث ملفات متفجرة: في سورية وإيران وكوريا الشمالية، قد تنزلق في أي لحظة إلى مواجهة مفتوحة وربما إلى حرب كونية.
ومن الواضح أن الموقف الأمريكي التقليدي في ملف الصحراء قد انقلب بـ180 درجة، وليس لجبهة البوليساريو ولا للجزائر أن يغمضا عنه الطرف، وربما قد يكون محض ترضية أمريكية للرئيس الفرنسي الذي انقلب على مواقفه السابقة في الملف الإيراني، وخرج عن الإجماع الأوروبي في ما يشبه الرشوة لاستحلاب موقف أمريكي مؤيد للأطروحات التي تقاول لها فرنسا في ملف الصحراء منذ نشأة الأزمة، كما لا يُستبعد أن تكون الولايات المتحدة قد أرادت مناكفة روسيا كعقاب لها على استعمال الفيتو منذ أسبوعين في الملف السوري، أو إنما تكون قد اختارت توسيع ساحة المواجهة مع روسيا والصين لتشمل الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط بوضع منطقة شمال إفريقيا على صفيح ساخن وضمها إلى أوراق التفاوض في الأزمات الدولية الثلاث.
التهديد بتفجير “حرب رمال” قبل رئاسيات 2019
وفي كل الأحوال لا يمكن للجزائر أن تتجاهل أن اختيار شهر أكتوبر القادم كموعد لعودة ملف النزاع في الصحراء الغربية إلى مجلس الأمن إنما يضمر نوعا من المكر والضغط المبطن عليها ستة أشهر قبل موعد الانتخابات الرئاسية المحفوف بكثير من التهديدات على أمن البلد واستقراره، كما ليس من الحكمة تجاهل تصعيد وتيرة المناورات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في المغرب وفي النيجر بسيناريوهات مستبطنة لـ”حرب رمال” لا صلة لها بما ترفعه أمريكا وفرنسا من رايات كاذبة لمحاربة الإرهاب، أو تجاهل تحريك ضغوط اقتصادية أوروبية على الجزائر بتحريض فرنسي مكشوف، ناهيك عن مناوراتها المفضوحة لتشجيع الهجرة غير الشرعية بكثافة من دول الساحل، ومحاولة تأليب دول الجوار على الجزائر.
وحتى مع هذا التغيير المفاجئ في الموقف الأمريكي، الذي قد نتفهم خلفياته المتصلة بالمواجهة المفتوحة مع روسيا في أكثر من ملف، فإن ما ينبغي للجزائر دولة وشعبا أن تضعه في الحسبان هو هذا الارتماء الفرنسي المفضوح في أحضان الإمبراطورية الأمريكية، وتنكُّرها للسياسة الخارجية الديغولية منذ وصول ساركوزي لقصر الإيليزي، مع بروز شبق غير عادي في خطب وسلوك الرئيس الفرنسي ماكرون لتجديد مجد عسكري للقوة الفرنسية المهمَّشة في المحافل الدولية بعد رحيل ديغول، المقيدة بالضعف السياسي والعسكري لأوروبا، المتراجعة في القارة الإفريقية أمام التمدد الصيني والأمريكي، والتي تريد أن تسوِّق نفسها لنظرائها الأوربيين كقوة عسكرية في الميدان تحمي حصة أوربا في الكعكة الإفريقية وتقدم نفسها للولايات المتحدة كمقاول حذق من الباطن ولو بالأكل الفتات تحت الطاولة.
شبق ماكرون لحرب استرداد “الفردوس المفقود”
لا شك أن هذا الشبق المرضي لاستعادة مجد القوة الاستعمارية القديمة قد يغري الرئيس الفرنسي الشاب بالسعي لانتزاع موافقة أمريكية، وتضامن اطلسي، لمسار ينتهي بتفجير الأوضاع في المغرب العربي، بوضع النزاع في الصحراء الغربية على صفيح ساخن، كان قد أشعل “فتيله الطويل” منذ اللحظة التي أمر فيها ملك المغرب بتصعيد اللهجة انطلاقا من باريس تجاه الجزائر كما لم يسبق له ولا لوالده أن اقترب منه منذ بداية النزاع. ثم إن فرنسا قد فقدت الأمل في استدراج الجزائر إلى المستنقع المالي، وفشلت منذ حادثة “تغنتورين” في ليِّ ذراع الجزائر بالتهديد الإرهابي الوافد من ليبيا، كما فشلت في تحويل عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي إلى فرصة لتعميد المغرب كحصان طروادة، ولم يبق أمامها سوى البؤرة النائمة في نزاع الصحراء الغربية كآخر ورقة لاستعادة المبادرة المعطلة، وحماية النفوذ المتراجع في شمال وغرب إفريقيا، حتى لو اقتضى الأمر تفجير حرب بين الجزائر والمغرب، تبرر لها تجديد المغامرة الليبية أو الصيغة السورية، في مقامرة خطيرة ربما لا يدرك الرئيس الفرنسي الشاب كل أبعادها وتداعياتها على أمن فرنسا ابتداء كما على أمن دول الحوض الغربي من الأبيض المتوسط واستقرارها.

المصدر : الشروق اليومي الجزائرية.

3 تعليقات

  1. يفظيمة . هذا لايصدقه عاقل وكان القضية الصحراوية هي الشغل الشاغل لزعماء العالم ، هذا الا اخروجو . خظ المة ايجيك الطين.

  2. من أهل الصحراء

    مواضيع الشروق الجزائرية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع

  3. سيناريو مستبعد ففي البداية قلتم لنا إن قرار مجلس الأمن الأخير 2414 حول ملف الصحراء الغربية هو انتصار باهر للشعب الصحراوي و الان تأتون لتقولوا لنا بأنها مؤامرة فرنسية من خلال الوسوسة في أذن أمريكا و هذا ما يجعلني أعتقد بأن كاتب المقال يتوفر على قدر غير يسير من السذاجة تجعله يعتبر أن دولا ذات باع طويل في الديموقراطية لدرجة تجعلها تحاكم حكامها إن أخطأو ولها أجهزة تكفل استمرار ادولة في جميع الظروف و الأحوال قد تسير بمنطق النميمة و فلان قال لعلان .
    يا سادة الحكم عند الغربيين يعتمد على المؤسسات و ليس على الأشخاص ـأماعملة التعامل بين الدول فهي المصالح و لا شئ غير المصالح