“لوموند” الفرنسية : المغرب في مأزق خطير لأنه من الصعب فهم نهج الرباط القمعي.

قالت جريدة “لوموند” الفرنسية إن الحكم الصارم ضد الحراك هو مؤشر على سلطة مغربية أثبتت أنها غير قادرة على التخلي عن القمع الذي تمت برمجتها عليه في العقود الأخيرة.
وأضافت الجريدة في مقال تحليلي طويل نشرته في عددها الصادر يوم الثلاثاء 3 يوليو، و وقعته مراسلة الصحيفة الفرنسية المختصة بالشأن المغاربي، شارلوت بوزونيت، قائلة “بدا الغليان الذي عرفته الصحافة، والتناوب السياسي كعلامات تَعِد بعهد جديد ، لكن للأسف، فعشية الذكرى العشرين لهذا التتويج ، تبدو الإدانات الأخيرة في محاكمة الريف بمثابة خطوة حزينة إلى الوراء”.
ونقلت الصحفية عن بعض الصحفيين تعليقهم على صدور الأحكام الأخيرة ضد قادة حراك الريف قولهم بأن الأمر يتعلق بعودة “سنوات الرصاص”، متسائلة أليس فعلا في تلك الأحكام الثقيلة والتي بلغت بالنسبة لناصر الزفزافي، قائد الحراك، وثلاثة من رفاقه 20 سنة لكل واحد منهم، والسجن من سنة إلى 15 سنة بالنسبة للمعتقلين الآخرين، ما يثير الاستغراب؟!
وأضافت الصحيفة أن السلطة تضع العراقيل من كل نوع أمام أية عملية تحرر. مشيرة إلى أنه في السنوات الأخيرة ، تم قمع جميع الحركات الاجتماعية بقسوة أقل وأكثر وباستعمال تقنيات مختلفة، ولكن دائما مع الرغبة في إسكات أي نقد. وذكرت الصحيفة أنه في عام 2011 ، وفي مواجهة مطالب “الربيع المغربي” ، منح الملك إصلاحًا دستوريا ودعا إلى انتخابات مبكرة. لكن في الأشهر التي تلت ذلك، سعت السلطة إلى تحييد نواة النشطاء الذين كانوا وراء الاحتجاج ، والذين أطلق على حركتهم اسم “حركة 20 فبراير” وضمت شبابا عمانيين. وبعد إدانات مختلفة بتهمة المشاركة في مظاهرات غير مرخص لها أو لأسباب أخلاقية، اضطرت الأغلبية من هؤلاء الشباب إلى الانسحاب.
نكسات متعاقبة
وأكدت الصحيفة أن السنوات التي تلت الربيع العربي تميزت بالنكسات المتعاقبة، واستهداف المنظمات غير الحكومية، وعلى الأخص الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي تمثل باستقلاليتها وشبكتها المحلية الواسعة قوة مضادة. كما تم حظر المظاهرات ومنع تنظيم الاجتماعات والتدريبات، وتمت عرقلة إجراءات التسجيل الإداري للمنظمات.. لتقول الصحفية إنهم يستعملون “العقبات من كل الأنواع”.
وعادت الصحفية إلى التذكير بكيفية قمع الأصوات الأكثر انتقادا في الصحافة والتي اضطر بعضها إلى نفي نفسه، وفي سبتمبر 2013 ، تم سجن علي أنوزلا ، مدير موقع “لكم” الإلكتروني الإخباري ومحاكمته بتهمة “الإشادة بالإرهاب” بعد نشر رابط لصحيفة “إل بايس” الإسبانية ، والتي بدورها تشير إلى فيديو دعائي لتنظيم القاعدة يهدد المغرب.
وتساءلت الصحفية مستغربة “وماذا عن مصير المعطي منجب، وهو مؤرخ محترم وناشط في مجال حقوق الإنسان ، تمت مقاضاته ، إلى جانب آخرين ، منذ عام 2014 بتهمة “تقويض أمن الدولة”. وفي 28 مارس 2018 ، أرجأت العدالة المغربية للمرة العاشرة على التوالي محاكمتهم”، معتبرة أن الأمر يتعلق بمضايقات قضائية بسبب أنشطتهم لصالح حرية التعبير.
شقوق سقف آيل للانهيار
وعرجت الصحفية على الوضع في منطقة الريف لتكتب “في حالة الريف، وحتى قبل إدانة “53” في الدار البيضاء، ألقي القبض على مئات من الشباب في الحسيمة، بؤرة الاحتجاج، وفي مواقع قريبة منها. كل ذلك بسبب الدعوة إلى تنمية أكثر عدالة لهذه المنطقة المعزولة. وفي يناير ، في جرادة ، البلدة المنجمية المنكوبة في الشرق ، انتهت الاحتجاجات العمالية فيها أيضاً بالاعتقالات”.
وفي حكم قاس على آداء السلطة في المغرب كتبت الصحيفة: “لم تتمكن السلطة المغربية أبداً من الاستجابة لطلبات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بشكل فردي أو جماعي ، باستثناء مقارباتها الأمنية. كمن يٌرقِّعُ، وبدون جدوى، شقوق سقف آيل للانهيار”، مستندة في تحليلها إلى انتشار حملة المقاطعة الشعبية الأخيرة التي بدأت في أواخر شهر أبريل على الشبكات الاجتماعية، واستهدفت منتجات ثلاث علامات تجارية استهلاكية كبيرة للاحتجاج على ارتفاع تكلفة المعيشة، وانتشرت مثل النار في الهشيم، على حد تعبير الصحيفة التي أضافت أن “المغاربة مستعدون لابتكار طرق عمل جديدة للتعبير عن مطالبهم”.
نُتفَة من السلطة
وأضافت الصحيفة إن السلطة في المغرب لا تريد أن تتنازل ولو عن قليل من السلطة، وكتبت “من الصعب فهم نهج الرباط القمعي في وقت يحاول فيه المغرب الظهور كنموذج للاستقرار والانفتاح والتطور في منطقة مضطربة”، متسائلة: “هل يتعلق الأمر بعدم قدرة النظام على الخروج من برمجة أمنية تعود عليها خلال العقود الماضية؟ أم برفض أقلية فقدان أي نُتفَة من السلطة؟ أم بعناد القادة الذين لا يريدون أبداً تجاوز الخطاب إلى الفعل؟”. وتقول الصحفية إن هذا الاختيار ليس دائما بدون تكلفة سياسية للمملكة، وتنقل عن الصحفي عبد الله الترابيى تعليقة “من سيأخذ المغرب الآن على محمل الجد على الساحة الدولية عندما نحدثهم عن أسطورة التقدم الذي لا يمكن إنكاره في مجال حقوق الإنسان”.
وختمت الصحفية مقالها من حيث بدأته بالحديث مرة أخرى عن منطقة الريف قائلة: ” في الريف ، هذا الشمال بعلاقاته المضطربة مع السلطة المركزية ، تبدو الإشارات كارثية. فمحمد السادس الذي بذل الكثير من الطاقة للتصالح مع منطقة سخر منها، من قبل، والده، وأقام فيها استثمارات كبيرة، كل ذلك من أجل إقناع سكان الريف بأنهم جزء من المملكة”. لكن النتيجة لكل تلك المجهودات تلخصها الكاتبة في الجملة التالية: “إن ما يراه شباب الحسيمة اليوم هو أن مدينتهم محاصرة بالقوات العمومية، مجبرة على الصمت، وجيرانهم وأبناء عمومتهم وأصدقائهم أدينوا أو أسيئت معاملتهم بسبب خروجهم للاحتجاج. إنها حكايات تنتمي إلى الماضي”.
وخلصت الصحيفة إلى القول: “بشكل عام، لقد أدت قساوة الأحكام إلى تقويض الثقة المنهارة أصلا بين المواطنين المغاربة وقادتهم ومؤسساتهم. وإذا كان الحراك أبعد من أن يحقق الإجماع بين السكان المغاربة، فإن إصدار الأحكام ضد “53” أثار موجات من ردود الفعل تعبر عن عدم تفهم تلك الأحكام وعن السخط الذي خلفته على الشبكات الاجتماعية”.

تعليق واحد

  1. اعلم ان تعليقي لن ينشر