التكافل الإجتماعي يبدأ بِكيلو السكر.

الكاتب: سلامة محمد لمين عبد الله
كان الباعث وراء فكرة هذا المقال هو محاضرة قيمة القاها السيد بوحبيني يحي، رئيس الهلال الأحمرالصحراوي أمام جمع غفير من أطر الدولة احتضنته القاعة الكبيرة لوزارة الثقافة في إطار الأيام التكوينية للمسيرين(وزراء، أمناء عامون لوزارات، ميديرون) قبل عامين تقريبا. كان من بين النقاط التي أُثيرت في تلك المحاضرة، هي الأزمة الحادة في مادة السكر بسبب نفاذ المخزون الإستراتيجي للمؤسسة من هذه المادة الضرورية. رئيس الهلال الأحمر تطرق كذلك الى دراسة “علمية” أجرتها منظمة غوث اللاجئين حول نمط عيش السكان في المخيمات اظهرت تفاوتا ملحوظا في مستوى معيشتهم. الدراسة اعتمدت على استبيانات أجاب فيها عينة من الناس على اسئلة تتعلق بنوع المواد الغذائية التي يتناولونها في وجباتهم الرئيسية. نحن تعودنا أن يحتوي نصيب الفرد من المواد الغذائية الموزعة عن طريق الهلال الأحمر خلال الشهرعلى واحد كيلو غرام من السكر، عندما يكون متوفرا. و في حالات الندرة، يتم تخفيض الكمية الى النصف. بشكل عام هذا النصيب متواضع جدا قياسا على استهلاك السكر في مجتمعنا. و سواء تم توزيع كيلو غرام واحد من السكر في الشهر أو أقل، فإن القاعدة المعمول بها هي حصول الجميع على السكر بشكل متساو. التفاوت في مستوى معيشة الناس في المخيمات لا نلاحظه في مائدة الطعام فقط، بل يظهر في مجالات أخرى متعددة، مثل الأثاث و التجهيزات و السيارات و اسلوب الحياة. السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذا السياق، هو: لماذا لا نطلب من “الأثرياء” التخلى عن حصتهم من السكر و المواد الغذائية الضرورية، و في نفس الوقت نضاعف هذه الحصة للفئات الإجتماعية المحدودة الدخل و المُعوِزة؟ الذين لديهم تجربة في ميدان التسيير، يقولون أنه سبق طرح أفكار مماثلة في بعض المجالس المحلية و بُذلت جهود لتنفيذ خطط محددة هدفها تحقيق أكبر قدر من العدالة الإجتماعية. لكن تلك المحاولات باءت بالفشل و تم التخلي عنها بسبب معارضة أولئك الذين يُعتقد أن حالهم أفضل من غيرهم، بل و تظاهرهم بالفقر. هذه الحجج صحيحة، و إذا أعاد التنظيم السياسي الكرة من جديد و حاول إحصاء “الفقراء” من أجل تبني إجراءات تتوخى تحقيق العدالة و تعزيزالتكافل، فستواجهه معارضة معتبرة، خاصة أنه لا توجد مساطر تنظيمية أو قانونية واضحة في المخيمات تتعلق بأملاك الناس. ثم أن ثقافة الدولة في حد ذاتها هي شيء جديد على شعبنا و الكثير من خططنا الوطنية لم تصل بعد الى مستوى من النضج يدفع الناس الى القناعة و الوعي بأهمية هذه الخطط و التسليم بها.
إذا كان الحال هكذا، فهل يجوز للدولة التخلي عن دورها الإجتماعي في هذا الميدان و غيره من الميادين الحيوية؟ الجواب هو، بكل تأكيد، لا. لأنه لا توجد أي دولة في العالم تريد الخير لشعبها تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا الموضوع بغض النظر عن الصعوبات والحساسيات المرتبطة به. الإستقرار لا يُقايض بالظلم و الإستغلال. ولن يكون حقيقيا و دائما إذا كانت الفوارق بين المواطنين كبيرة. و إذا لم نتحلى بالشجاعة و الحزم اللازمين للتعامل مع هذه المسائل و مواجهة المشاكل والمعوقات الموجودة، فإنها ستنفجر في المستقبل و سوف لن يكون في بوسعنا السيطرة عليها.
توجد مجالات أخرى غير المواد الغذائية، يتعين على الدولة التدخل فيها بشكل فاعل من أجل تحسين وضع الطبقات الأكثر تضررا. و لا يخفى على أحد إن الكثير من الناس الذين يُحسبون في خانة “الفقراء” قدموا خدمات جليلة للمجتمع و للقضية الوطنية، و لو أنهم تقاضوا اجرا مقابل عملهم لكان وضعهم الإقتصادي أحسن بكثير مما هو عليه في الواقع الحالي.
في هذا الإطار توجد برامج حكومية خاصة بدعم بعض المواد الأساسية كما يكثر الحديث عن برامج و خطط موجهة نحو إعادة تأهيل بعض المؤسسات الإقتصادية الوطنية، إضافة إلى تشجيع المبادرات الإقتصادية في القطاعين العام والخاص. هذا الميدان يكتسي أهمية بالغة، لكن يمكن الرقي به من أجل الوصول إلى نتائج افضل لو تمكنت الدولة من ايجاد علاقة مباشرة تربط بين السياسات المعتمدة في هذا الشأن وتحسين الظروف المعيشية للفئات الوطنية التي هي في حاجة ماسة إلى هذا هذا النوع من البرامج .
هذه المواضيع التي تبدو لنا بسيطة، هي مواضيع شائكة، تحمل مدلولات ايديولوجية، لذلك توليها الدول أهمية خاصة، لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالشرعية و الإستقرار السياسي و تكافؤ الفرص في المجتمع و تقاسم الأعباء بين أفراده. فهي مقياس لدرجة قيام الدولة بواجباتها و تكفلها بشعبها و سعيها لرقيه و رفاهيته. غالبا ما نسمع أن بلدا أو حزبا سياسيا معينا ينهج سياسة تقشفية، بينما يريد آخر زيادة الإنفاق العام. و تصادفنا عبارات من قبيل دعم المواد الأساسية أو الإعلان عن إجراءات ضريبية جديدة. هذه الميادين متشابكة مع بعضها وتحدد السياسة الإقتصادية للدولة و لها تأثير مباشر في حياة المواطنين و ظروف عيشهم.
اعتقد أن فشل بعض الإجراءات و الخطط و ضعف شعبيتها يعود في كثير من الأحيان الى التسرع و الإرتجالية، وعدم قدرة الجهات الرسمية على إبراز الفوائد و المزايا التي يحصل عليها الناس بشكل كاف. إن أي خطة أو برنامج يُراد له النجاح لا بد له من عمل اعلامي مكثف لشرح مقاصده و مراميه.
لا ندعو إلى فرز الصحراويين، أوتأجيج المخاوف، أو الإستغراق في التفسيرات السلبية. لكن يجب الوعي أن الدولة لا تستطيع ترك الحبل على الغارب و الوقوف موقف المتفرج أو اللامبالي عندما يتعلق الأمر بمواضيع حساسة.
من الإجراءات التي تستطيع الدولة القيام بها دون تأخير، هو تمهيد الأرضية و توفير المناخ، من خلال حث الصحراويين على التكافل و التعاضد، و نشر قيم الخير و العدالة، و إشاعة الأخلاق الفاضلة، و إبراز القيم المشتركة بينهم و صقلها و تشجيعها. إذا كانت الدولة لا تريد أو غير قادرة، لسبب أو لآخر، على احصاء ممتلكات الناس أو اجبارهم على التصريح بهذه الممتلكات، فإنها على الأقل تستطيع توفير الأطر القانونية لهم و فتح المجال أماهم لكي يتمكنوا من فعل بذلك بصورة طوعية. هذا العمل لا يمكن أن يثمر و يستمر إلا بتكاتف الجهود و المشاركة الواسعة للهيئات والمؤسسات الوطنية واصحاب النوايا الحسنة و المخلصين من شعبنا، و بتخصيص الوقت الكافي، و أن يرافقه نقاش حر و بناء، يتسم بالثقة والصراحة و الوضوح على جميع المستويات.