بروكسيل :المفوضية الأوروبية بين الوفاق و الإتفاق.

منذ أن منح لها التفويض لإيجاد إتفاق بين الإتحاد الأوروبي و المغرب و المفوضية الإوروبية تحت الضغط الفرنسي و الإسباني تحاول بشتى الطرق التحايل على قرار المحكمة الأوروبية التي وضعت الشراكة الأوروبية “المتقدمة” مع المغرب تحت سيف القانون الدولي ، تلك الشراكة التي تحت غطائها ظلت تستغل خلال العقود الماضية خيرات الصحراء الغربية و تستنزف دون حسيب و لارقيب بل كان يخشى اثارة موضوع الثروات في المحافل الدولية حتى لا تستفز الحكومات الغربية، لما للموضوع من حساسية على استراتجيات هذه الدول.
قرار المحكمة الأوروبية بوضعه للصحراء الغربية كاقليم منفصل تماما عن المغرب حدد المجال الجغرافي و القانوني للشراكة المزعومة مع المملكة المغربية أي لا تتعدى الحدود الدولية لهذه الأخيرة ، الشئ الذي بعثر الأوراق على المفوضية و جعلها تجتر مسودة اتفاقها منذ شهر ابريل الماضي، فلم تقنع الأوروبيين بانسجام ما تقوم به و قرار المحكمة الأوروبية و بالتالي القانون الدولي لا شكلا و لا مضمونا رغم استنفار كل طاقتها التفاوضية السياسية منها والقانونية سواء داخل مؤسسات الإتحاد الأوروبي أو خارجه، في الرباط أو في بروكسيل أو غيرهما.
فالمفوضية الأوروبية تريد أن تضع (كلوة و فرسن فشدك) أي بكل بساطة: تطبيق القرار القضائي و إرضاء المغرب ووقف إحتجاجات البوليساريو، و هذا مالايمكن تحقيقه الا “بالصيغة الذكية ” التي أوصلتها و الحكومة المغربية الى “الوفاق” و ليس الى “الإتفاق” حيث جاء بيان مشترك لمفوضية الإتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية المغربية، ” إن الإتحاد الأوروبي و المغرب إتفقا على المقتضيات و التحسينات التي تم إدخالها على هذه النصوص من أجل تجويد الإنعكاسات و الفوائد على السكان المحليين في المناطق المعنية”. و أوضح بلاغ لوزارة الفلاحة و الصيد البحري المغربية “أن الجانبان توصلا لتوافق حول مضمون اتفاق الصيد البحري المقبل وبروتوكول تطبيقه “، من جهة اخرى قالت الحكومة المغربية، ” إنها لا تزال على موقفها بضرورة إدراج الصحراء في اتفاق الصيد البحري الجديد مع الإتحاد الأوروبي”.
إن قراءة لفحوى البيانان دون الخوض في عدم حضور رئيسة المفوضية السيد فيديريكا موغيريني ولاحتى رئيسة الوفد المفاوض عن الجانب الأوروبي الى جانب الوزيرين السيد بوريطة والسيد أخنوش و الإكتفاء فقط بالسفيرة المعتمدة في الرباط اثناء حفل توقيع “الوفاق” يجعل المرء يستنتج بأن عكس ماتروجه صحافة المخزن واللوبيات الفرنسية و المغربية، فإن كلا من المغرب و المفوضية الأوروبية وجدا نفسيهما وجها لوجه أمام جدار القانون الدولي و قرار محكمة العدل الأوروبية وأن الموضوع لم يحسم بعد بإعتراف وزير خارجية المغرب “امامنا معركة قوية في الهيئات التشريعية الأوروبية و التي تحتاج الى تعبئة كبيرة” إذا الوفاق يحتاج الى إتفاق من البرلمان الأوروبي و الى إقناع البرلمانيين الأوروبيين بصلاحيته في ظل التغيرات التي شهدها هذا الأخير خلال الإنتخابات الماضية و التغيير الذي حصل في الخريطة السياسية للبرلمان التي تميل الى رفض أي اتفاق اوروبي- مغربي لاينسجم مع قرار المحكمة الأوروبية وهذا ماعكسه موقف مندوبي الدول أثناء مناقشة مسودة الإتفاق شهر يونيو الماضي برفضهم القاطع تمرير الإتفاق دون مناقشته في البرلمان بل وقفوا في وجه محاولة التطبيق المؤقت لمسودة إتفاق الصيد حتى يصادق عليها أو ترفض من طرف البرلمان، كما عارضوا تمديد الإتفاق المنتهية مدته يوم الرابع عشر من الشهر الجاري.
إن المسعى التآمري للمفوضية الأوروبية و المغرب مازال بعيدا من الإتفاق حتى إن وصلا الى وفاق و لاشك انهما و فرنسا و اسبانيا سيمارسون كل الضغوطات و عمليات الإبتزاز لتمريره – وهذا من الصعوبة بمكان- و حتى إذا حصل سيبقى قرار المحكمة الأوروبية، القاضي بأن المغرب و الصحراء الغربية إقليمان منفصلان و يجب التفاوض مع كل منهما على حدى، سيبقى هذا القرار “سيف ديموقليس” المسلط على رقابهم حتى التسليم بالشرعية و العودة الى الحق .
إن مصداقية الإتحاد الأوروبي على المحك كما صرح بذلك الوزير المنتدب المكلف بأوربا الأخ محمد سيداتي و يجب على دول الإتحاد الأوروبي و أعضاء البرلمان الأوروبي أن يعلموا ذلك، و هم مدعوون ليس فقط لعدم التصويت على مسودة الإتفاق الجائر و لكن أيضا لمناقشة الأمر مع الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الصحراوي جبهة البوليساريو فيما يخص موارده الطبيعية يضيف الأخ محمد سيداتي .
إن معركة الثروات إتسع نطاقها و تجاوزت رفوف المحاكم لينتقل الصراع الى المؤسسات السياسية و التشريعية الأوروبية وما لذلك من تأثير سياسي و إعلامي لصالح قضية الشعب الصحراوي و كفاحه العادل. إن المعركة الإقتصادية بدأت و تأثيراتها أصبحت تلوح في الأفق إذ لاشك ان مايجري اليوم من أخذ و رد في موضوع الإتفاق الأوروبي- المغربي بين الوفاق و الإتفاق و التشكيك في شرعيته سيجعل المستثمرين الأوربيين أو غيرهم بعيدين من المغامرة بمشاريعهم في منطقة نزاع مازال لم يقرر مصيرها و يحاول المحتل المغربي توريطهم فيها،أمس الأول فقط تعلن الشركة الأمريكية ” إينوفوس” عن وضع حد لمشاركتها في التسويق غير القانوني للموارد الطبيعية الصحراوية و البقية تأتي .
بقلم: محمد فاضل محمد سالم.