الكتابة حينما تكون طريقا للحرية.

الكتابة فن و ابداع بالكلمة، و رسم بالأحرف و المعاني، لما يختلج النفس من مشاعر و احاسيس، كغيرها من المواهب و الملكات المختلفة كالخطابة و الفصاحة، التي لا يملكها الا النوادر.
أو ذلك الشعور، الذي ينساب متدفقا، فهي ليست مجرد فكرة فحسب، أو قلما و ورقة، بل هي تسجيل لامور معينة و متنفسا لما في الصدر من مكنونات، تتعدد الكتابات و تختلف في مضمونها و لونها الادبي، و رسائلها و اهدافها المنشودة، لكنها تتحد في كونها افكار و اراء و قضايا كبرى، تحملها الكلمات و اللفاظ، لتوصلها الى اماكن ما كانت لتصلها.
لكن الكتابة لا يكون لها معنى و لا طعم الا حينما تكون طريقا للحرية، و صرخة في وجه الظلم و الاضطهاد، فهناك كتابات لا تزال حية مهما تقادمت، لانها تحمل في ثناياها قضايا كبرى و طموحات مشروعة فمن العسير ان تقبر أو تطمس، أو تفل، فقضايا الشعوب و حريتها و حقها في الكرامة و الحرية، باب الكتابة فيها واسع و ملهم، عصي على ان يطمس او يخنق.
فالكتابة عن الوطن و همومه، اصبحت مصدر الهام الكتاب و المبدعين الذين يحملون هَم شعوبهم و بلدانهم ، فتراهم يتبارون في التغني ببطولاتها و امجادها، و يبدعون في وصف جمالها و يأخذهم الحنين و الشوق حين يهجرونها، فهذه الياذة الجزائر لشاعر الثورة الجزائرية الخالدة مفدي زكريا:
شغلنا الورى و ملأنا الدنا
بشعر نرتله كالصلاة
تسابيحه من حنايا الجزائر
جزائر يا مطلع المعجــــــــــزات و با حجة الله في الكائنـــــات
و يابسمة الرب في أرضــــــــه و يا وجهه الضاحك القسمات
و يا لوحة في سجل الخلــــــو د تموج بها الصور الحالمـــــات
و يا قصة بث فيها الوجــــــــود معاني السمو بروع الحيـــاة
و هذا أبي القاسم الشابي في رائعته الشهيرة ” ارادة الحياة” اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر…”، و هناك الوان ادبية اخرى ولدت من رحم المعاناة و الاضطهاد و من تحت ظلامية الاحتلال، و اساليبه الدنيئة لقمع ارادة الشعوب، كأدب السجون و حكايات التعذيب و التنكيل، ففي هذا النوع من الادب، كتب الكثير من الكتاب و الشعراء الصحراويين ، الغيورين على قضيتهم، و جعلوا من اقلامهم صرخة مدوية في وجه من ارادوا القضاء على حلم شعبهم في سبيل نيل حريته، فعلى سبيل المثال لا الحصر نورد “كتاب اشعار بالحياة”، الذي يلخص يوميات سجين يأبى الخنوع، رغم محاولات الترهيب و الترغيب التي مورست عليه، فبالرغم من ذلك يظهر متحديا شامخا في وجه من ارادوا سلب حريته، مرددا ” في كل مرة يظن فيها الاحتلال المغربي انه اصابنا في مقتل، نشعره بشتى الوسائل اننا لا زلنا على قيد الحياة”
فهذا النوع من الكتابات لا ينمحي و يبقى مخلدا و مفخرة للاجيال و جزء من ذاكرتها، و دروس في سجل التاريخ، تستلهم منه الشعوب، و تتخذه نبراسا في درب الحرية و مناهضة الظلم، و تستخدمه كأسوب للتعبئة و التحريض و شحذ الهمم، و مجابهة المحتل بشتى الوسائل و الاساليب، و مختلف المظاهر و الطرق، فما من أدب يتناغم و طموحات مجتمعه، و يعكس تطلعاته و أهدافه الا و صعد شامخا، و كبر في اعين الناس كاتبه، و يزداد سموا عندما يتخذ من قلمه أو فنه رصاصة في وجه الاحتلال، الذي يحاول بشتى الطرق خرس الاصوات الحرة المرافعة عن حقوق شعبها، خشية فضحه و ايصال صدى مطالبها الى ابعد مدى، بمثل هذا تصبح الكتابة رسالة تحرر و نضال، لا يقف في وجهها اي حائل.