بجرة قلم! / بقلم : عالي محمد لمين.

بجرة قلم، وفي خطوة فردية وغير مدروسة خالفت التوصيات التي قدمتها اللجنة الحكومية الخاصة بدراسة واقع التعليم والتربية، جاء قرار إعادة إبتعاث تلاميذ المستوى الثالث والرابع متوسط إلى الشقيقة الجزائر، ليؤكد غياب الرؤى الإستشرافية المستقبلية وضعف الدراسة والتمحيص في بعض القرارات الهامة!، والتي تمس مستقبل أبناء شعبنا، وهنا السؤال، ألم يكن من الممكن علاج النقائص المسجلة وتقويمها، مع الحفاظ على المكتسبات المحققة وتعزيزها؟، بدل ضرب كل الإنجازات وهدمها؟!!!.
– ففي فرار حطم أمال المتابعين والغيورين على شعبنا وأجيال المستقبل ومؤسسات دولتنا، وضرب مجهودات الدولة وميزانياتها وإمكانياتها وتضحيات وعرق منتسبي المنظومة التربوية طيلة أربعة عقود في الإعتماد على الذات وبناء المؤسسات الوطنية والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي ما أمكن إليه سبيلا، ضرب ذلك القرار كل تلك الجهود عرض الحائط، وفي خطوة أوقفت مشروع تعميم المتوسطات، الذي نجح رغم بعض التحديات الموضوعية وتطور ليشمل جميع الولايات، وأقبر هذا القرار العشوائي حلم نقل تجربة المؤسسة الوطنية للتعليم المتوسط والثانوي النموذجية، المعروفة ب”سيمون بوليفار” من ولاية السمارة إلى مختلف الولايات، أما جامعة التفاريتي فحولها القرار الفردي الأخير إلى ثامن المستحيلات.
– والأن وبعد أسابيع من القرار المفاجئ الذي أتخذه أحد أبرز المسؤوليين في الوزارة منفردا ومتفردا، تستمر في هذه الأثناء المديريات الجهوية للتعليم والتربية وفي مختلف الولايات في وضع اللمسات الأخيرة، إستعدادا لتسفير طلبة الثالث والرابع متوسط إلى الحزائر الشقيقة في الأيام القليلة القادمة من مطلع شهر سبتمبر الجاري 2018.
– ويصدق المثل الشعبي الصحراوي في هذا المقام، والوارد في التراجع وعدم الحفاظ على المكاسب، وهو أننا أصبحنا ك”گرن الكبش”، لا نملك القدرة على إستحضار التمعن والتمحيص والدراسة العلمية في سياساتنا العامة، والدراسة الإستشرافية وحدها هي القادرة على أن تمكننا من علاج مكامن النقص والخلل، وفي نفس الوقت تجنبنا إضاعة الانجازات وهدرها، أي علاج السلبيات وتقويمها والبناء على الإيجابيات وتعزيزها.
ـ لايختلف إثنان على وجود بعض الإختلالات والنقائص في أداء المنظومة التربوية، وأبرزها، تراجع التحصيل الدراسي، وتزايد ظاهرة التسرب المدرسي، وضعف الكوادر ومنتسبي المؤسسات التعليمية، وعزوف الخرجين عن الإنخراط في المنظومة التربوية، وقلة المنح المالية، وغياب الدعم المادي والمعنوي للمدرسين والموظفين، والاكتظاظ في في بعض المستويات والمؤسسات، إضافة إلى غياب الدور الفاعل لجمعيات أولياء التلاميذ، وعجزها عن القيام بدورها في الرقابة والمتابعة.
– وجاء ذلك القرار الغير مدروس تحت ذريعة الإكتظاظ وقلة أطقم التدريس وضعف تجهيزات المخابر وقلة أجهزة الإعلام الالي، كما أورد ذلك المسؤول، والذي أكد على أن هذا الإبتعاث إلى الجزائر والخاص بقسمي الثالث والرابع متوسط هو إجراء مؤقت، ريثما تجهز متوسطات إضافية وتوسع متوسطات أخرى قائمة اصلا، ولكن وحسب إعتقادي الشخصي فإن ذلك الوعد قد يكون مجرد ذر للرماد في الأعين، لتجاوز رفض المنتقدين للخطوة الغير مقبولة والهروب إلى الأمام، ومن ثم ترسيخها واقعا معاشا ومرفوضا.
– ومن إنعكاسات هذا القرار المباشرة، التراجع عن الخطة التي أقرتها وزارة التعليم والتربية قبل سنوات، والمبنية على تحقيق الإكتفاء الذاتي في التعليم المتوسط وكذا الثانوي، إضافة إلى التعليم الإبتدائي الموجود أصلا، كما ألغى هذا القرار تلقائيا خطة بناء جامعة التفاريتي، مع الإبقاء على مؤسسة شبه الطبي، التابعة نظريا للجامعة والمستقلة فعليا، وعن التحصيل، ونظرا لصغر سنهم، وبفعل غياب المتابعة الأسرية للتلاميذ وضعف أطقم التربية (الإشرف)، بل وإفتقادهم في أحيايين كثيرة في مختلف المؤسسات التعليمية الجزائرية التي تحتض التلاميذ الصحراويين وقلة مسؤولية وكفاءة بعضهم، وهو ما قد يترتب عنه تراجع التحصيل العملي وضياع أجيال بأكملها بين الإهمال وقلة المتابعة الأسرية والرقابة الضعيفة من “المشرفين” إن وجدت أصلا، كما سيؤثر سلبا هذا التخبط والعشوائية في القرارات على جهود تعزيز المنظومة التربوية بالكفاءات البشرية وتطويرها وإستقطاب الخرجين والخبرات والكوادر المؤهلة، إضافة إلى أن الخطوة الغير مبررة ستوقف أيضا أو تعطل مؤقتا على الأقل مجهودات إيجاد وإعتماد المقررات الصحراوية في مختلف المواد والمستويات، إضافة إلى كل ذلك، فقد يؤدي هذا القرار إلى إحالت عشرات الأساتذة إلى البطالة، وللخطوة أيضا إنعكاسات إجتماعية غير مدروسة، حيث ستكلف العائلات الفقيرة أصلا في اغلبها، ستكلفها نفقات إضافية تتجاوز في متوسطها 3 مليون سنتيم جزائري أو أكثر على مدار مدة الدراسة السنوية، مما يجبر بعض الأسر الغير قادرة ماديا على إخراج أبنائها من عالم التعليم مبكرا وتحويلهم إلى الحياة العملية، زد على ذلك إنعكاسات عديدة أخرى، يضيق المقام لذكرها…، ستتضح مع الايام.
– وبدل كل هذا العبث، وإن وجدت الإرادة والدراسة اللازمة والتنفيذ الجاد والمتابعة الميدانية، فإنه وبخطوات بسيطة قد نتمكن من علاج مكامن الضعف والنقص والخلل المسجلة في المنظومة التربوية، بدل تدمير الإنجازات وتهديمها، وذلك بإستقطاب الكوادر والكفاءات والخرجين، وتكوين وتدريب ممتهني مهنة التعليم للرفع من مدركاتهم وخبراتهم العلمية والعملية، وتوفير منح مادية لائقة للأساتذة ومنتسبي المنظومة التربوية من مسؤوليين وموظفين وكوادر ومتعاونيين…، ودعمهم ماديا ومعنويا، وبناء متوسطات جديدة، وتوسعت المتوسطات القائمة أصلا، والإستمرار في خطة تعميم المقررات الصحراوية لتشمل كل المستويات التعليمية من إبتدائي ومتوسط وثانوي، وتوفير المواد الخاصة بالمخابر وأجهزة الإعلام الالي وهي متوفرة في أقرب المدن الجزائرية كتندوف مثلا، وبأثمان رخيصة في مدن اخرى، ودعم جمعيات أولياء التلاميذ، لتكون قادرة على أداء مهامها في الرقابة والتقويم.
وختاما، يطرح هنا السؤال الجوهري نفسه، ألا هو، أما كان الأولى بنا علاج ماتعانية المنظومة التربوية من ضعف ونقص وخلل، مع الحفاظ على المكتسبات المحققة والبناء عليها وتقويتها وتعزيزها والرفع منها، بدل تدمير كل المكتسبات وتهديم الإنجازات وتحطيم جهود عشرات السنين من الجهد والجد والمثابرة والميزانيات المستهلكة؟!، فتلك المبررات يمكن علاج أغلبها ببساطة تامة، إذا توفرت الإرادة الصادقة والدراسة الإستشرافية اللازمة للمستقبل والنية الخالصة والعمل الجاد والدؤب والمتواصل، وفق خطة مدروسة ومتكاملة وشاملة وتحظى بالإستمرارية وجدية التنفيذ والمتابعة، تروم النهوض بواقع المنظومة التربوية لتكون في مستوى تطلعات شعبنا، لبناء جيل قادر على مواصلة رسالة التحرير وبناء الدولة الصحراوية المستقلة وذات السيادة.