الصورة من الارشيف.

هيومان رايتس ووتش، المعركة الخطأ والثمن الباهظ.

بقلم: سيد أبراهيم اعلي الناجم
مع “كارثة” تسيير زيارة وفد هيومان رايتس ووتش الأمريكية الى المدن المحتلة خلال الأسبوع المنصرم، يتعزز الانطباع لدى المتتبع للشأن الوطني ان الارتجال يتجه لان يكون اشكالا بنيويا في تصريف الحركة لجوانب كثيرة من الفعل الوطني. الإحساس بالمرارة يتعزز حين يتعلق الامر بجبهة نضال مصيرية، يرتبط بها مستقبل الاستفتاء ورهان حقوق الانسان ومعركة الثروات الطبيعية. هذه الجبهة، هي أقل ساحات الفعل الوطني تقبلا وتحملا للارتجال، ومع ذلك، فهي، خلال الأشهر الأخيرة، تصبح عنوان الارتجال، السجال المجاني بل النزق والطيش. ما حدث مع هيومان رايتس ووتش حلقة من سلسلة كوارث متسارعة، افضت الى التأسيس لتناقضات بينية داخل الجسم الوطني المناضل، بمعزل عن نقطة التناقض الرئيسة مع الاحتلال.
هيومان رايتس ووتش، وهي منظمة حقوقية دولية أمريكية ذائعة الصيت وذات مصداقية عالية، ودأبت على المطالبة دوريا بتوسيع صلاحيات المينورسو والتنديد بالقمع المغربي في المدن المحتلة، كانت قد راسلت المنظمات الحقوقية الصحراوية قبل شهر كامل حول رغبتها في اللقاء معه في المدن المحتلة خلال الأسبوع الأخير من شهر غشت 2018، ومع ذلك فالتعليمية “الارتجالية” الصادرة عن الوزارة الوصية، والداعية الى مقاطعة الوفد، لم تصل الى الجمعيات المعنية الا بيوم واحد فقط قبل مواعيد اللقاءات.
قرار مقاطعة وفد “هيومان رايتس ووتش” المتخذ خلال اليوم الأخير، بعد مرور شهر كامل، أكبر دليل، من الناحية الشكلية، على الارتجال، ومن الناحية الجوهرية والتنظيمة، على الاستهتار في العلاقة مع منظمات حقوقية وطنية ينضوي تحتها عدد كبير من طلائع المناضلين الذين يقودون الفعل الوطني في الداخل في ظروف قاسية، والذين دفعوا الثمن غاليا في السجون والاضرابات والتعذيب. فبدلا من فتح نقاش ودي أفقي تشاركي معهم والسعي للوصول الى موقف مشترك يقنع الجميع، تم “انزال” أمر عامودي، على الطريقة العسكرية، ليلا، دون مراعاة لخصوصية المنطقة وللحق في الشراكة في تدبير الملف الذي انتزعته قيادات الفعل الوطني في الداخل، بجدارة واستحقاق. الامر العسكري، الصادر عن الوزارة الوصية على الملف دون الرجوع للمركز، في أغلب الظن، يطرح الكثير من الإشكاليات التي تنم عن قصور في فهم الملف وتعقيداته، وتلحق بالفعل الوطني وادواته الحقوقية في الداخل أضرارا جمة، قد تقود الى المنزلق غير القابل للتدارك؛
فمنذ وقف اطلاق النار تحول خط التماس المادي مع العدو الى داخل المدن المحتلة، ومع انطلاق مسار التسوية والمتغيرات العديدة اقليميا ودوليا وفي ظل “نافذة” الحريات الضيقة التي فتحها الاحتلال منذ مطلع الألفية الجديدة، بدا من الواضح أن معركة حقوق الانسان، بما فيها حق تقرير المصير، تتجه لأن تكون حاسمة في تغيير موازين القوة بين طرفي النزاع.
لقد اهتدى مناضلو الجبهة، بذكاء ونجاعة كبيرة، وبمباركة من التنظيم الوطني، الى التكيف مع الواقع بأسلوب جديد لتأطير الجماهير في اطار الجمعيات والمنظمات الحقوقية، من أجل احراج العدو أمام العالم وافتكاك مكاسب وتوسيع هوامش أكبر للنضال. لقد تمكنت تلك الجمعيات، ومن ورائها الجماهير الصحراوية في دفع المغرب لأن يكون محل شجب وتنديد دائمين من طرف جميع المنظمات الحقوقية الدولية، وحتى التقرير السنوي الدوري لوزارة الخارجية الأمريكية. هذه الاخيرة، غيرت، بعض الشيء، من مقاربتها في التعامل مع النزاع منذ سنة 2013 حين دعت، من داخل مجلس الامن الدولي الى توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان. حدث، ويحدث ذلك، بسبب نجاح مناضلي الداخل في اعطاء الانطباع للعالم باستقلالية من مستوى معين عن الفاعلين السياسيين في الملف، وهو ما يضفي الصدقية على التقارير والمعلومات التي تصدر عنها. ومن خلال العمل المتراكم على مدار سنوات، ربحنا معارك كبرى عديدة لا تقدر بثمن في مجال حقوق الانسان، لكننا، في النهاية، قد نخسر الحرب بسبب هذا النوع من القرارات الارتجالية.
تراجع المنظمات الحقوقية الصحراوية عن مواعيدها المرتبة سلفا مع منظمة حقوقية دولية كبرى كهيومان رايتس ووتش، “انضباطا” لتعليمة اللحظة الاخيرة الصادرة عن الوزارة الوصية، كانت ستعطي الانطباع، بل وتؤكد شكوكها وغيرها من المنظمات، بعدم استقلاليتها، وبالتالي عدم صدقيتها.
اتخاذ خطوات رجعية، بعقلية السبعينات، مع هذه المنظمات الحقوقية كما لو كانت خلايا للتنظيم السياسي، بالاضافة الى كونه مناقض للواقع والمعطيات على الأرض، فهو لا يخدم لا الجمعيات الحقوقية ولا الجبهة ولا المشروع الوطني برمته. انتماء افراد هذه المنظمات للجبهة مسألة مفروغ منها، لكن “فر فم السبع” سنة 2018 ليس من مصلحة أحد.
تقدم الوزارة الوصية حجتين كبريين لتبرير قرار المقاطعة، الأولى لأن المنظمة لم تتقدم بطلب ترخيص رسمي من الجبهة، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي والثانية لانها اختارت موفديها من جنسية مغربية.
أما الحجة الأولى، فمن الناحية العملية، وتحديدا حين يتعلق الأمر بمنظمة حقوقية دولية، على درجة كبيرة من اللاواقعية التي قد تدعو الى التساؤل، بشكل مشروع جدا، عن قضايا أخرى ليس من المناسب التطرق لها هنا. فهي ستؤدي، في حالة “الانضباط” لها، الى تعزيز السياسة المغربية الهادفة الى اغلاق الاقليم أمام المنظمات الحقوقية الدولية. كما أنها تخلق السابقة، التي ستقودنا “منضبطين” الى مقاطعة وفود السفارات الأجنبية في الرباط، التي تزور المدن المحتلة دوريا، فلا أحد يتوقع أن سفارة الولايات المتحدة في الرباط ستطلب ترخيصا من الجبهة للقاء النشطاء الحقوقيين بالعيون المحتلة.
وأما بخصوص الحجة الثانية، والمتعلقة بايفاد المنظمة لشخصين من جنسية مغربية، فهي، تعبر عن قصور كبير اجرائيا واستراتيجيا في فهم الموضوع. فمن الناحية الاجرائية، وبغض النظر عن مآخذنا على “بن شمسي” في الماضي، فالمنظمات الدولية توفد من تشاء والمقياس الرئيس هو المهنية والتأهيل للقيام بالمهام، فلكم أعد اسرائيليون تقارير معادية لاسرائيل ومؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني لهذه المنظمات الدولية. ومن الناحية الاستراتيجية، فاعتبار كل من هو مغربي معاد بالضرورة سبة للمستقبل ورسالة سيئة للشعب المغربي الشقيق الذي يتعرض لعملية غسيل دماغ ممنهج منذ 45 سنة، سنساهم نحن، بمثل هذه القرارات، في تأصيلها وتعميق الهوة بين الشعبين، وبالتالي تسهيل مهمة “المخزن” الهادفة الى الاستثمار الى الأبد في العداوة بين الشعبين.
في وقت يمر منه مسار التسوية بمنعطف دقيق، تتجه الولايات المتحدة الى لعب دور حاسم في تصريفه بعد قرار مجلس الأمن الدولي الاخير 2414 وما يشاع عن دخول جون بولتون على الخط، هل كان من الحكمة اثارة عداوة هيومان رايتس ووتش الامريكية؟ وبمعزل عن المسار السياسي الصرف، وما دام هدف توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان مركزيا في خطة العمل، لماذا نخاطر باحتمال فقدان منظمة من هذا الحجم وربما دفعها الى تبني مواقف غير ودية؟
الاخطر من هذا وذاك، أن الأمر العسكري الليلي، يكون قد ألحق ضررا بالغا بوحدة الصف النضالي، وخلق ما يشبه “الموالاة” و”الممانعة” يعج الفضاء الأزرق بمعاركها الطاحنة منذ أيام، وقد تفضي الى ما لاتحمد عقباه، فهامش اختراق العدو للانتفاضة يتسع بشكل متسارع خلال الأشهر الأخيرة. الملاسنات المؤلمة الحالية بين النشطاء الحقوقيين وجزء من الجماهيريغذيه، وبشكل يومي، أسلوب تسيير ملف حساس عن طريق الواتساب، الذي حمل لنا صبيحة موقعة “هيومان رايتس ووتش” تسجيلا مليئا بالوعيد والتهديد تجاه من خالفوا أمر المقاطعة. نبرة التسجيل، التي تنتمي الى حقبة خلت، تتجه الى تكريس الوزارة الوصية جزءا من مشكل الانتفاضة وليست حلا له.
لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا المقال، فالكتابة العلنية في الشأن الوطني العام، ليست خيارا جيدا بالنظر الى ما قد تمنح للعدو من فرص لنكأ الجراح وتعميق الهوة والتأثير على المعنويات العامة، لكنها تصبح، في جميع الاحوال، أقل ضررا من اختيار التنظيم لتطبيق الواتساب في ادارة الملف والتعليق على الاحداث وحتى التخوين والشتم. الكتابة نشر للغسيل بالتاكيد، لكنها غدت أفضل بكثير من ترك الملابس تتعفن بالأوساخ والأدران والعتمات مادامت روائحها الكريهة ستفوح، في النهاية، وتزكم أنوف الجميع