المنظومة التربوية يطالها العبث‎.

بقلم : عالي محمد لمين.
ـ في ظلمة من ليل دامس، ودون نقاش أو دراسة معمقة، وخلافا لتوصيات اللجنة الحكومية الخاصة بدراسة واقع التعليم، وفي سهوة منا ونحن غافلون، أتخذ أحدهم قرارا بإعادة إبتعاث تلاميذ الثالث والرابع من الطور المتوسط إلى الشقيقة الجزائر، زاعما انه “مؤقت”!، وتحت حجج واهية، فهل سيتحول ذلك القرار “المؤقت” إلى دائم!؟
ـ تلكم المسوغات، كان أهمها، ضعف أطقم التدريس، والاكتظاظ، وندرة مواد المخابر، وقلة تجهيزات الإعلام الالي، كل تلك المبررات، لو توفرت الإرادة الحقيقة والجدية اللازمة والنية الخالصة الصادقة لتم علاج كل تلك الإشكالات التي يقر بوجودها الجميع بسهولة تامة، بالإعتماد على الادارة الجيدة للإمكانيات المتوفرة، وتكريس مبدأ الوقوف على مكامن الضعف والنقص والخلل، موازاة مع الحفاظ على المكتسبات المحققة وتقويتها وتعزيزها، وبذلك تنجز المنظومة التعليمية الأمران معا، تحافظ على ما حققته من خطوات هامة عبر عقود من الجهد والجد والعرق، والمثابرة ونكران الذات، الذي أتسم به منتسبو القطاع التربوي طيلة عقود من العمل، كما يمكنها ذلك من التغلب على الإشكالات المسجلة، وتواصل بذلك تحقيق المشروع الوطني في الاعتماد على الذات وبناء المؤسسات وتطويرها
ـ واليوم وبمأن القرار الفردي التعيس قد أحيل للتنفيذ، فإن الصورة تتضح أكثر فأكثر بعد مرور أكثر شهر على القرار، وظهور بعض نتائجه المباشرة، التي كان أكثرها إستفزازا وأشدها تناقصا هو أوامر بإغلاق متوسطة بولاية الداخلة، وهو الأمر الذي أفشله منتسبي القطاع بالولاية بالتعاون مع أولياء التلاميذ، مع أن قرار إعادة الابتعاث جاء بحجة “الاكتظاظ”!، زد على ذلك، الإستغناء عن خدمات بعض الأساتذة، والغيابات بالجملة في اللوائح الرسمية المسجلة للإبتعاث للشقيقة الجزائر، وذلك لصغر سن بعض التلاميذ، وأخرين لعجز أسرهم عن توفير الظروف المادية لأبنائها، وغياب المسيرين التربويين (المشرفين) عن بعض المراكز التعليمية بالجزائر وضعفهم تكوينهم إن وجدوا اصلا، ضف الى ذلك، أن للقرار نتائج خطيرة متوسطة وطويلة المدى، سيترتب عنها، إنهاء حلم بناء المؤسسات وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وإقبار مشروع تعميم المتوسطات، الذي تحقق أغلبه في السنوات الماضية، قبل مجئ قرار إعادة الابتعاث ليعيدنا سنوات عدة للوراء، ووقف خطة توسيع التعليم الثانوي، أما الطور الجامعي فعليه السلام، إضافة إلى التراجع عن إستكمال المقررات التربوية الصحراوية، وإحالت عشرات الأساتذة والاطقم التربوية للبطالة، ونتائج أخرى ستظهر مع الوقت نتائجها، وتهور أصحاب قرار إعادة الإبتعاث
ومما سبق ذكره وغيره الكثير، نتأكد جليا أن خلفيات القرار الفردي لاتعدو ان تكون مصالح ذاتية ضيقة، يسعى من خلالها الواقفين وراء القرار لضمان تحقيق غاياتهم المادية الضيقة، ولو بالتلاعب بمصير أطفالنا ورمي مستقبلهم في غياهب المجهول، وقد قيل أنه “إذا عرف السبب، بطل العجب”، فإرسال التلاميذ إلى الجزائر، يعني الإستغناء عن بعض النفاقات، وكذا فائض في مواد غذائية معينة، وتاليا فإن من المنتظر أن تذهب تلك الأموال والإمكانيات الفائضة لجيوب أولئك المسؤوليين، أولئك المسؤوليين هم أنفسهم من تمكنت الوزارة في وقت سابق من تحجيم عبثهم وتقليص دورهم وتقليم أظافرهم، بل وأحالت بعضهم للإحتياط(أگراج)، وقتها شهد فيها القطاع نقلة نوعية وعملا ملحوظا، بقي دون الطموح المطلوب، لكنه شكل خطوة أولى في الطريق الصحيح، كان من الأفضل البناء عليها، بدل العودة إلى الوراء وتهديم المكتسبات بحجج غير مقنعة، واليوم نفس المسؤولين يعودون وبقوة للسيطرة على القطاع الحيوي للدولة ومستقبل شعبنا، للإنتقام من فترة تهميشهم وتحجيم نفوذهم، مستغلين حداثة تعيين وزير التعليم والتربية الحالي، وهو الأمر الذي قد يحول قرار إعادة الإبتعاث من قرار “مؤقت”!، كما قال صاحبه، إلى واقع مرفوض دائم، تتكرس فصوله مع الأيام، بل مع إحتمالية توسيع الإبتعاث ليشمل صفوف ومستويات أخرى، إذا ترك أولئك المسؤولين يعبثون بمصير الأجيال دون مسألة، فإذا كانت مبررات القرار المهزلة هو ضعف التعليم المتوسط والإزدحام، فذلك أيضا ينسحب على بقية مستويات التعليم المتوسط، وكذا الابتدائي وحتى دور الحضانة، فهل سنشهد مستقبلا ترحيل وإبتعاث بقية أطفال المتوسطات وكذا أطفال الإبتدائيات أيضا، وربما الحضانات إلى دول الجوار!!!؟، بنفس المسوغات الواهية، إنها العبثية بإمتياز. – لايختلف اثنان على أن التعليم عانى ولايزال من مشاكل عدة ابرزها، ضعف اطقم التدريس وقلة المعونات المادية وغياب الدعم المعنوي المقدم لمنتسبي المنظومة التربوية، اضافة الى الاكتظاظ والتسرب المدرسي، وكذا ضعف أطقم الاشراف، وتراجع دور جمعيات أوليات التلاميذ وغيرها من النقائص المسجلة طيلة السنين الماضية
كل تلكم النقائص واماكن الضعف والخلل لاتنفي ماسجله القطاع من إنجازات هامة تعتبر خطوات معتبرة في الإتجاه الصحيح، كان من الضروري ان كان ما يهمهنا حقا مستقبل أطفالنا وبناء المؤسسات وتحقيق مبدأ الإعتماد على الذات، من الضروري تعزيزها ودعمها، وأهمها، تعميم التعليم المتوسط ليشمل بعد سنوات قليلة من بدءه جميع الولايات، والبدء في تجربة التعليم الثانوي(ثانوية سيمون)، في إنتظار تعميمها على الولايات، وخلق نظم داخلية تسير قطاع التربية، وتحدد المهام والصلاحيات والإجراءات القانونية، كل تلك المكاسب، ألم يكن من من الضروري البناء عليها بدل هدمهما وتقويضها بمبررات تخفي الكثير من العبث
ـ إن النهوض بالمنظومة التعليمية لايحتاج الى خاتم سحري، بل كل ما يحتاجه هو خطة وطنية شاملة ومتكاملة تحظى بالإستمرارية ومتابعة التنفيذ، تروم إصلاح واقع القطاع التربوي وعلاج النقائص المسجلة فيه مع الحفاظ على المكتسبات المحققة، قائمة على، إستقطاب الكفاءات والخرجين في جميع المجالات، ودعم الأساتذة والمعلمين ومنتسبي القطاع ماديا ومعنويا، وتحقيق الإكتفاء التام في التعليم المتوسط، وتعميم تجربة ثانوية “سيمون بوليفار” بالسمارة، لتشمل جميع الولايات، وإنزال مشروع “جامعة التفاريتي” إلى الواقع، ومواصلة مشروع تعميم المقررات التربوية الصحراوية لتشمل كل المستويات وجميع المواد، وعلاج ظاهرة التسرب المدرسي، وتعزيز دور المسيرين التربويين (المشرفين) وتكوينهم ودعمهم، وتفعيل دور جمعيات أولياء التلاميذ، مع ضرورة إستقطاب رجال مخلصين ناكرين لذواتهم ومصالحهم الضيقة للإشراف على تنفيذ الخطة وتطوير التعليم وإصلاحه، وطرد الفاسدين من القطاع مهما كان وزنهم ووظائفهم، فهل من مجيب؟
ـ وهنا يبقى السؤال الأهم، أما كان الأولى بنا علاج النقائص المسجلة وإستدراكها، مع الحفاظ على المكتسبات وتعزيزها، بدل هدم المؤسسات، وتحجيم وتقزيم كل الانجازات بمبررات غير واقعية لا يصدقها حتى أصحابها.
2018-10-09

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*