بصمات الصقر الأمريكي في القرار الأخير والتفاؤل المشروط بمسار القضية الوطنية

بقلم : زيني علي طالب.

قرار مجلس الامن الأخير حول الصحراء الغربية وبغض النظر عما يحتويه من عبارات معتادة درجت القوى الكبرى على حشو القرارات بها والتي أحيانا تكون حتى متناقضة فيما بينها وذلك نتيجة تجاذبات الدول الفاعلة حول الصياغات وتعديل العبارات وتهذيبها لتحقيق توافق نسبي يسمح بتمرير القرار قبل اللحظات الأخيرة من المهلة المحددة لتمديد عمل بعثة المينورسو ولتفادي الدخول في سيناريوهات مظلمة لا يسعى اليها مجلس الامن.
أكثر ما كنت ابحث عنه في هذا القرار هو بصمة الصقر الأمريكي مستشار الامن القومي جون بولتون وكيفية تعامل الإدارة الامريكية الحالية مع الملف وخاصة بولتون الذي وصل لأعلى مستويات السلطة والتأثير في الإدارة الامريكية والتي تسمح له بتنفيذ الكثير من طموحاته وهو المعروف بمواقفه القوية والصارمة اتجاه كثير من القضايا الدولية ومنها قضية تمويل بعثات حفظ السلام وتبنيه لطرح يفرض الحل في الصحراء الغربية على أساس تقرير المصير والاستفتاء.
الإدارة الجمهورية الحالية وبمن فيها من صقور اقصى اليمين تسير على رؤية مختلفة تماما عن الإدارات السابقة واهم الأساليب التي تتبعها هي أسلوب “|َQuick fix­” أي الإصلاح السريع او الحلول السريعة التي قد تكون مؤلمة ولكنها افضل من الاستنزاف طويل الأمد وتظهر اثارها بوقت اسرع ما يمكن توظيفه في دائرة الإنجازات للإدارة الحالية، وثاني مبدا تعمل به هو “Peace through power” او السلام من خلال القوة ويعني ان تبني السلام ليس من خلال التدخل العسكري ولكن من خلال تقوية ذاتك وامتلاك قوة الردع واوراق الترغيب والترهيب التي تحصل من خلالها على ما تريد وتفرض على الأطراف الأخرى الاستجابة لإرادتك طمعا او خوفا من مقدراتك.
من ابرز البصمات لجون بولتون وادارته هو تمديد عمل بعثة المينورسو لستة اشهر فقط بدل مدة العام الكامل التي استماتت فرنسا في الدعوة اليها حتى اخر نفس وتسويغ كل المبررات لها وبما فيها تقرير الأمين العام ذي الميولات الفرنسية غوتيريس الذي دعا للتمديد لمدة عام رغم ان الواقع اثبت ان التمديد الأخير لستة اشهر كان اهم دافع لتحريك الركود واجبار الطرفين على القبول بالجلوس من جديد على طاولة واحدة وما يحمله ذلك من نسف للدعاية المغربية ومحاولة تشويه جبهة البوليساريو واقحام الحليف الجزائري كطرف في النزاع، رغم كل تلك المحاولات اصطدمت فرنسا بالقرار الأمريكي الغير قابل للنقاش حول مدة التمديد بأمر قادم من واشنطن وليس من نيويورك.
ثاني اهم البصمات في التقرير هو تعقيب الولايات المتحدة بعد صدور القرار والذي كان صارم وحذر الأطراف من التماطل واظهر ان اللعبة تغيرت وان الولايات المتحدة لن تسمح ان تبقى قضية الصحراء الغربية في الظل والاهم من ذلك هو عدم ذكر الولايات المتحدة لمقترح الحكم الذاتي او الإشارة اليه وهي سابقة منذ تقديم ذلك المقترح المغربي ومن ورائه فرنسا، وهذه اهم الأمور التي كان يؤمن جون بولتون وحتى خبراء القانون في العالم انها من اكبر التناقضات التي كانت تشملها القرارات حيث ان الدعوة الى مفاوضات بدون شروط مسبقة تتناقض مع طرح مقترح الحكم الذاتي كقاعدة للتفاوض وتتناقض كذلك مع مبدأ تقرير المصير الذي يفترض ان يسمح فيه للشعب باختيار ما يناسبه دون اجباره على خيار واحد يخدم المحتل ولا يلبي مطالب الشعب الصحراوي وحقه في الحرية وتقرير المصير والاستقلال.
جون بولتون قبل وصوله لهذا المنصب بسنوات كان رده على أسئلة صحفية حول الأمم المتحدة بانه لو أستطاع تغيير شيء واحد في الأمم المتحدة فسيكون ذلك الشيء هو التمويل الذي تدفعه الولايات المتحدة الامريكية للأمم المتحدة على أساس المخصصات حسب الاحتياج وتحويل الامر الى دفع تطوعي فقط بحيث تصبح الولايات المتحدة تدفع فقط مقابل ما يصب في مصلحتها مع ضمان ان تحصل على مقابل للأموال التي تدفعها أي بعقلية براغماتية بحتة، وانتقد تمويل أمريكا لحوالي ثلث ميزانية بعثات حفظ السلام التي اغلبها خاملة ولم تصل لحل سياسي ويصر بولتون على ان كل بعثة يجب ان تجد حل سياسي للقضية المكلفة بها او يتم إيقاف تمويلها.
من خلال كل ما يظهر من جدية أمريكية في التعاطي مع القضية الصحراوية يمكننا تكرار ما قلناه سابقا بان هذه فرصة تاريخية لإيجاد حل للقضية الصحراوية ومن الحكمة ان نسعى لاستغلال هذه الفرصة وتحويل هذا الضغط الى حل يكفل حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال، وهنا يجب ان ننوه الى ان إصرار الإدارة الامريكية على إيجاد حل دائم ينهي الصراع ليس بالضرورة ان يكون ملبيا لكل مطالب الشعب الصحراوي ولكن ما يهم الأمريكي الان هو حل سريع يغلق الملف ببصمة أمريكية تضمن الاستقرار في منطقة شمال افريقيا وتؤمن المصالح الاستراتيجية لأمريكا ولحلفائها الغربيين والذين بالتأكيد لا يريدون اضطراب في شمال افريقيا قد تكون له تبعات كارثية على الجنوب الأوروبي وخاصة في ملفي الهجرة والإرهاب او تعطل امدادات الطاقة.
الدائرة المؤثرة الان والضاغطة في اتجاه الحل هي الامن القومي الأمريكي وتحركها لم يأتي عبثاً بل نابع من تحليل امني عميق للمعلومات الاستخباراتية والميدانية وعن الجو العام ومستوى الرضى او الإحباط في الداخل الصحراوي وخاصة لدى فئة الشباب وكذلك عن استقراء للمآلات المحتملة لإمكانية انسحاب جبهة البوليساريو من مسلسل السلام تحت ضغط شعبي وانزلاق المنطقة الى حرب لن يصمد النظام المغربي في وجهها طويلا، أولا لان أمريكا دعمت المغرب طويلا في الحرب السابقة بكل الأسلحة ورغم ذلك تأكدت باستحالة حسمه للنزاع عسكريا بل اصبح عبء ثقيل اضر بسمعة الصناعات العسكرية الامريكية التي دمرتها او غنمتها جبهة البوليساريو من جنود الاحتلال وبكميات خيالية وثانيا بسبب التصدع الداخلي للمغرب حاليا والازمة الاقتصادية والاجتماعية ما قد يؤدي لسقوط العرش المغربي والملكية وفتح الباب لسيناريوهات أخرى أمريكا غير مستعدة لها وتعد بمثابة الكابوس بالنسبة لحلفاء العرش الملكي المغربي.
خيارات المحتل المغربي وحاميته فرنسا أصبحت محدودة بفعل الانكشاف امام المنتظم الدولي كمعرقلين للسلام والتوصل الى حل ينهي الصراع ما قد يؤدي لازمة في المنطقة ولذك ستعمل فرنسا والمغرب في المرحلة القادمة على التماطل في المفاوضات ومحاولة كسب الوقت حتى تمر فترة حكم الإدارة الامريكية الحالية او يسقط جون بولتون من منصبه كونه هو الضاغط الرئيسي في الملف، ومن جهة أخرى سيعمل المغرب من خلال جماعات الضغط الامريكية التي يمولها داخل أمريكا على الضغط لصالح المغرب ولمحاولة تشويه صورة جبهة البوليساريو وربطها ب “محور الشر” الشرقي الذي يعتبر نقطة حساسة لدى الإدارة الحالية بما فيها جون بولتون نفسه، لذلك على الجبهة الحذر أولا من الوقوع في بعض الشراك الفرنسية المنصوبة لها في الشرق الأوسط ويجب ان لا ننسى ان سوريا مستعرة فرنسية سابقة وفرنسا لا تخرج من أي مستعمرة دون ترك خيوط او اذناب يكيدون لصالحها والوقوع في هذه الشراك هو ما ينتظره الأعداء لوضع الجبهة تحت مقصلة اليمين الامريكي.
هناك إشارة مهمة نتمنى ان تجد من يلتقطها وهي انه على الجبهة اجراء مراجعة سريعة وعميقة للكيفية التي تسوق بها صورتها لدى المجتمعات والأنظمة الغربية وذلك من خلال انتاج خطاب جديد تبرز من خلاله صورة الدولة الديمقراطية الحديثة التي يسعى اليها الشعب الصحراوي وتزيل الكثير من الشعارات والرموز الموروثة من زمن الثنائية القطبية والحرب الباردة، واظهار قدر من الاستقلالية والسير في نفس رؤية تحقيق السلم من خلال القوة الذي تتباه أدارة الصقور في أمريكا.
القوة بالنسبة للدولة الصحراوية امر جوهري وملح وموقع رصد ومراقبة من الدول الغربية ودول العالم وحين نقول القوة نعني بها أولا قوة المؤسسات المدنية والعسكرية ثم تحقيق الانسجام بين القيادة الصحراوية والشعب الصحراوي وهو انسجام ضعيف حالياً إذا استثنينا مؤسسة الرئاسة والجيش الشعبي والاجابة على سؤال جوهري هو قدرتنا على بناء دولة قوية الأركان وهذه الإجابة يجب ان تكون من خلال الواقع الآن داخل مخيمات اللاجئين الصحراويين وفي المناطق المحررة والتحكم في خيوط الانتفاضة والتأثير داخل المناطق المحتلة.
القضية الوطنية الان تمر بمراحلها النهائية في اتجاه اما الحل او التأزم وهذه قد تكون احسن فرصة قد لا تتكرر بوجود جون بولتون في اعلى المناصب الامريكية وهو احد الملمين والعارفين بخبايا الملف الصحراوي والراغبين جديا بتحريك مياهه الراكدة ومن جهة أخرى وجود المبعوث الاممي الألماني كولر وما يحمله من حنكة وإرادة للوصول للحل وانجاح مأموريته وما يحصل عليه من دعم سياسي أوروبي ودولي لتنفيذ مهمته، يبقى هناك اختلاف في الأسلوب بين الأمريكي والألماني رغم الاتفاق حول الرغبة في الحل، حيث ان كولر يسعى لجمع الظرفين الرئيسيين في النزاع مع دول الجوار والفاعلين في الملف ليخرجوا بحل من عندهم يكون مقبول ودائم، بينما الصقر الأمريكي يسعى للبناء على مقترح بيكر للحل والذي أساسه مرحلة انتقالية قصيرة تنتهي باستفتاء كونه الأقرب لمقترحي الطرفين والمتضمن لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ثم التعديل عليه وتغيير اسمه والضغط على الطرفين لقبوله وربما حتى تمريره تحت الفصل السابع وهو امر لطالما تمناه جون بولتون اثناء عمله مع جيمس بيكر.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في قضيتنا الوطنية والامريكي والألماني شرعا في تنفيذ رؤاهم لحل هذا الصراع ولكن يبقى الدور الأساسي والفاعل الرئيسي هو إرادة الشعب الصحراوي الذي ناضل وضحى وصبر طويلا واقنع العالم بإرادته في السلام وهذا الشعب مطالب في المرحلة القادمة اكثر من أي وقت مضى برص الصفوف وتقوية مؤسساته وتعزيز الدبلوماسية الشعبية واسماع صوته الرافض للعبث بمؤسسات الدولة الصحراوية والتفطن والحذر من المؤامرات المغربية، والقيادة الصحراوية كذلك مطالبة بالتصحيح والتغيير والنزول للقاعدة الشعبية ليس للتلقين والاسماع بل للاستماع والتصحيح وبكل شجاعة وتحمل للمسؤولية وترجيح لمصلحة الوطن أولا ووفاء لدماء زكية ضحت من اجل ان يعيش الشعب الصحراوي مستقبله حراً ابيا وسيداً على كامل ربوع ارضه.

تعليق واحد

  1. ان الذي يعول على جون بولتون لفك شفرة القضية لايعرف كيف تعمل امريكا ،يا كاتب المقال لو كانت امريكا دولة من المحيط العربي لقلنا لك لقد اصبت بتحليلك هذا امريكا دولة معقدة التركيبة ولايهمها غير البترول والدولار غير ذلك لا يهما المسلمين في شيئ بولتون قد يقول ولا ينفذ لان في الكونغرس لوبيات يهودية وهي التي ترسم مسار السياسات الخارجية هناك اعضاء في الكونغرس تجار السلاح فأي صفقة مربحة لن تجعلهم يغامرون بولد مطيع كالمغرب فهو ليس إيران او فينزويلا او كوبا هناك مصالح ما جهد بولتون فعله هل سيكون اقوى من كريستوفر روس لا اظن ذلك لننتظر لان الذي لايفهم السياسة الامريكية يتصور ان كل ما قيل سيطبق وقد رأيتم كيف صاغت القرار الاخير بدون ان تستشير روسيا في الحقيقة كل مفصل على مقاصهم وليس مقاصنا