النظام السعودي بعد زلزال خاشقجي.

بقلم : سعيد زروال.
كنت في إجتماع يوم الاربعاء 17 أكتوبر 2018 مع شركة سويدية متخصصة في تنظيم المهرجانات السنمائية بمدينة نورشوبينغ جنوب البلاد، و أثناء الاجتماع وصلني إتصال هاتفي من إحدى القنوات الفضائية العربية للتعليق على قضية إختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي ، وبعد انتهاء المكالمة اوضحت لأصدقائي أن الاتصال يتعلق بقضية خاشقجي، مباشرة علق صديقي السويدي على الموضوع وبصوت حزين بالقول “المسكين لا يستحق ما فعلوا به”، هذه الواقعة هي دليل أن التعاطف مع قضية خاشقجي وصل إلى الدول الاسكندنافية القريبة من القطب الشمالي وهو مالم يكن يتوقعه مهندسي هذه الجريمة في البلاط الملكي السعودي ، فالقضية لم تعد قضية عربية أو سعودية بل أصبحت قضية رأي عام عالمي ، فما أثارته قضية إختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية باسطنبول التركية من جدل لم يسبق و أن أثارته أي حادثة اغتيال أو إختفاء على مر التاريخ العربي الحديث ، و خير دليل هو الكم الهائل من ردود الفعل المنددة بتصرف النظام السعودي ضد صحفي أعزل الا من قلمه الذي كان متزنا الى أبعد الحدود في انتقاده للنظام السعودي، حيث سارع الامين العام الأممي للتعبير عن قلقه ، كما تعهدت الاداراة الامريكية في أكثر من مناسبة بمعاقبة المسؤولين عن هذه الجريمة، وسارت بلدان الاتحاد الاوروبي وكندا و العديد من البلدان على نفس المنوال، أما البلدان العربية فانقسم موقفها بين المتضامن مع السعودية في وجه ما يصفه بالهجمة الإعلامية ، وبين من التزم الصمت في انتظار ربما نتيجة التحقيقات التركية أو خوفا من انعكاس اي رد فعل على ساحتها الداخلية الهشة ، و الملاحظ أن ردود الفعل على قضية خاشقجي لا تحدث الا في الازمات الكبيرة التي شهدها العالم مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بالولايات المتحدة الامريكية ، فكيف ستنعكس هذه القضية على السياسة السعودية الداخلية والخارجية؟.
جاءت حادثة خاشقجي بعد صمت دولي مريب على الكثير من حوادث الاختطاف والاعتقال من دون محاكمة للمعارضين السعوديين، مايعني أن هذه القضية ستسلط الضوء على معاناتهم وستفتح الباب أمام المنظمات الدولية للدخول الى السجون السعودية للاطلاع على اوضاع المعارضين وذلك في اطار العقوبات التي ستفرض على الرياض في حال ثبت تورطها في اغتيال الصحفي خاشقجي وهو أمر وارد بعد انتهاء التحقيقات التركية، ما سيعطي دفعة كبيرة للمطالبين بمحاسبة النظام السعودي عن مسؤوليته غير المباشرة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر بنيويورك، وسترسخ حادثة إختفاء الصحفي خاشقجي نفس النظرة التي حاولت سلطات الرياض عن طريق سفيرها السابق بواشنطن ووزير خارجيتها الحالي عادل الجبير محوها وتغييرها عن طريق سياسة شراء اللوبيات والمؤسسات الاعلامية المؤثرة، ماقد يُظهر للعالم الوجه الحقيقي للنظام السعودي كنظام منبوذ عالميا ، وحتى ولو نجح في الافلات من العقاب فان ذلك لن يمنع مستقبلا من تنظيم مظاهرات مستمرة بالتزامن مع اي زيارة خارجية للمسؤولين السعوديين لمختلف البلدان وهي مظاهرات من شأنها ان تعيد تسليط الضوء في كل مناسبة على قضية خاشقجي حتى تاخذ العدالة مجراها، وقد يكون خيار المظاهرات الاحتجاجية على زيارة المسؤولين السعوديين هي الرد المناسب في حال حدث تواطؤ بين الادارة الامريكية والنظام السعودي ، و قد يصل الأمر الى تقديم النظام السعودي لمحكمة الجرائم الدولية خاصة وأن حضور قضية خاشقجي في المسرحين السياسي والاعلامي كانت اكثر من حضور قضية الابادة الجماعية في دولة رواندا الافريقية والتي قُدم قادتها لمحكمة لاهاي ونفس الشيء حدث في يوغوسلافيا سابقا وصولا الى قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفقي الحريري.
لقد أخطأ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تقييم ردة الفعل الخارجية، حيث ظن ان قضية خاشقجي لاتختلف عن قضية المعارضية السعوديين الذين تعج بهم سجون المملكة، الا ان ردود الفعل المختلفة الرسمية منها والشعبية أثبتت إن قضية خاشقجي ستضع النظام السعودي أمام خيارين وكلامها له عواقبه على مستقبل المؤسسة الملكية، فاما ان يواصل قمعه للأصوات المعارضة واتخاذ قضية خاشقجي كشماعة لتخويف المعارضين داخليا وخارجيا، أو الانفتاح والسماح للمعارضة بممارسة عملها كنوع من التكفير عن الذنب بعد اغتيال خاشقجي ، وهو ماقد ينجر عنه اطلاع العالم على الوضع الحقيقي للحريات في المملكة السعودية.