وداعا ” نفعي ” / بقلم : محمود خطري حمدي.

لن أستجدي الشعر كي يكتب عنك كلمات ملونة، فأنت أكبر من القوافي والأوزان … وأكثر بساطة من بسيط الخليل، وأجمل من طويل عروضه ، ولن يكتمل مدحك كما لم يكمل المتكامل بقايا الشعر وأسراره .
رحلت أيها العزيز، تاركا وراءك فراغا رهيبا ، ويتما عصيبا ، كأن اليتم لم يشف غليله منك .
إذ تجرعت مرارته وأنت صغير ، ولكنك كنت محظوظا بجدة رائعة اسمها ” توفه حمدي يحظيه ” ، فأغدقت عليك معاني العطف والحب والرعاية ، وسدت عنك مسامات الفراغ ، بإسمنت الجدة الصلبة ، حتى لا تشعر أنت بفراق الأم المبكر .
صنعتك بيديها وأحسنت تربيتك ، وعندما كبرت صرت كريما وخلوقا وعفيفا ، وحين وقفت على رجليك قليلا ، راسما مستقبلا لنفسك وأنت في بداية الطريق ، وفي امس الحاجة لمن يوجه لك بوصلة النصح والتجربة ، فقدت ايضا الجدة الأم ” توفه حمدي ” رحمها الله تعالى ، فتقاطرت عليك سهام الألم ، ونبال الحزن بدون رحمة ولا انتظار ، كدت معها ان تطفئ شموع الأمل أمام طريقك ، لو لا أن بذور الجدة توفة رحمها الله التي زرعت فيك ، أبت إلا ان تكون ظلالا وافرة ، أزاحت عنك الهموم ، وأنبتت في مساحات الحزن واحات باسقة تعانق السماء .
وحين فتح الله عليك من أبواب فضله ، وصرت تاجرا ، بسوق ” القلتة ” بعد سنوات من الجد والعمل ، كان الجميع ينهل منك ، ويستظل بما تجود به يديك من كرم وسخاء وجود عطاء .
تتذكر اليتامى من أفراد العائلة ، والجيران ، وتغطي حاجياتهم دون أن يعلم أحد انك بك ، وتساعد في كل المناسبات العائلية ، ولا تقول أنك انت الفاعل ، تواضعا ونبلا منك .
وكم كنت وفيا لمن أحسنوا إليك ، وعلى رأسهم تلك الجدة رحمها الله ، إذ ظلت رمز فخرك وامتنانك ، فحين أنجبت بنتا ، سميتها ” توفه ” إكراما للجدة المخلصة ووفاء لعطائها ، كأنك تريد أن تبقى توفة بيننا ، ينادي عليها هذا وذاك .
وحين نلتقي بك نحن أخوالك ، تقف لنا احتراما وتواضعا وبساطة ، ترى في كل واحد منا أشياء من جدتك ، أو صورة من ملامحها .
آه يانفعي !! لقد كنت نجما ساطعا في سمائنا ،ولكن ما لبث أن أفل إثر حادث مرور لعين منذ 8 أشهر تقريبا ، نجوت منه بأعجوبة ، لكن المرض رفض أن يتركك بسلام …. فقد ظلت مضاعفات الحادث ، تهدم بمعاولها أجزاء جسمك المنهك ، حتى اوقفتك عن الحركة ، ثم أخيرا عن الحياة .
آه ما أقسى ان ترحل عنا وأنت في عمر الشباب ، ولكن هي سنة الله في خلقه ، ” ولكل أجل كتاب ” .
هل تعلم أيها الغالي ” نفعي ” أنني كنت قويا أمام أفراد العائلة ، ولكنني كنت ضعيفا كلما خلوت بنفسي وأطلقت لها العنان لتنفجر بالبكاء ؟ كأنني طفل يفتقد شيئا ثمينا .
كنت اواسي أخواتك وخالاتك وعماتك ووالدك ، وأتظاهر امامهم بالقوة ، ولكنني نظرت إلى أشيائك ، ينكسر القلب ، وتذيع العين بأسرار رجل يخشى البكاء .
فوداعا أيها الانسان الرائع ، فرغم قصر عمرك ، فقد لبث فينا سنوات طول ، بحسن تربية ودماثة أخلاق .
رحم الله نفعي البوهالي لهويه ، وأسكنه فسيح جناتك ، وألهمنا جميل الصبر والسلوان .
” إنا لله وإنا إليه راجعون ” .