قصة اسير… الجزء الثالث…

بعد وصول القوات النظامية الموريتانية الغازية، تحت قيادة رائد يرافقه ملازم أول يدعى صار، الى مستشفى المدينة الذي كنا نتواجد فيه، أسرُونا جميعاً و اعتبرونا عسكريين، حيث شدّو ربط أيدينا بطريقة حيوانية، و أخذوا يرموننا واحدا تلو الآخر، في مؤخرة شاحنة، ولما جاء دوري و قف بجانبي الملازم صار، و قال لي وعلى وجهه إبتسامة : (يا مگصور لعمر ما اتلالك ماه لمدافع ما أكفاك أزگاي بشعارات النضال و تكسار الوتات أفبير أمگرين ذاك أدور اتشوفو يالمنسوخ يالخبيث).
وصفعني على خدي الأيمن صفعة أسقطتني أرضا، رأيت خلالها نجوما تتطاير من عيني و الأرض تدور من حولي، أخذني احد الجنود من محزمي و رماني في مؤخرة الشاحنة.
كانت شاحنة مرسيدس، لن انساها ذات حواف جانبية طويلة، تحجب عنا رؤية جوانب الطريق، انطلقت الشاحنة من لگويرة باتجاه نواذيبو.
عند وصولنا للمدينة سمعنا زغاريدالنساء و بعض الاصوات التي تدل على الاحتفالات في شوارع المدينة ولكننا لم نرى ما يجري بها لان جوانب الشاحنة كانت عالية جدا.
حملوا المقاتلين و الرجال و الاطباء الى مقر الدرك الموريتاني في نواذيبو، و لما و صلت الشاحنة القاعدة البحرية، فصلوني عن باقي الأسرى لصغر سني، و أخذوني إلى مغارة مستطيلة كانوا يستعملونها للقمامة، و لم امكث كثيراً من الوقت، حتى إذا بالشاحنات تفرغ حمولتها التي كانت عبارة عن سكان المدينة الجريحة المغتصبة لگويرة.
كانت المغارة عبارة عن حفرة كبيرة على شكل مستطيل، شبيهة بالهنگار و لها باب عبارة عن مدخل، و في نهايتها نافذة صغيرة يرمي منها جنود القاعدة الاوساخ و الفضلات في جانب من الحفرة، و منظرها مغرف و عفن جدا، قضيت هناك ثلاثة ايام، كنّا نخرج في منتصف النهار لتناول وجبة الغداء، وهي عبارة عن قطعة خبز وعلبة اتون بين فردين او ثلاثة.
قضيت تلك الايام الثلاثة، و كانت هناك اسر باكملها، بقيت هناك في تلك المغارة مع سكان لگويرة المعتقلين، و علامة الغرابة ظاهرة عليّ، لأنهم لا يعرفونني و لا أعرفهم، فقط بعضهم يشاركني قطعة خبز و علبة تونة، كانوا يقدمونها لنا مرة واحدة في اليوم، ورغم ذلك كنت احس بحنانهم و اهتمامهم بي لانهم كانوا متعارفين و متعاونين و متضامنين، لقد غمرني كرمهم و كان الصغار معجون بي و ينظرون إلي بغرابة و الى ملابسي التي لم استطيع التخلص منها، و كانت عبارة عن (گندورة و سروال) أكبر مني وهي من اللباس الرسمي للقوات الإسبانية المرتزقة (الترسيو)، ما جعل الجنود الموريتانيين يتساءلون عن سبب وجودي، و انا غريب لا يعرفني أحد، و ذلك لان الصغار كلهم مع أهلهم و ذويهم، و متعارفين فيما بينهم، إلا أنا انزل وحيدا في زاوية من تلك المغارة المظلمة النتنة.
كنّا بين الحين و الاخر نسمع جنودا من الدرك، يتبادلون الحديث على سطح المغارة، و يقولون كل من يتعاون مع الفلاگة و البوليزاريو، سوف يذبح و قبل ذلك نعذبه اشد العذاب، كانت حقيقة عبارة عن نوع من التهديد و الوعيد لإخافة المراهقين و الاطفال المتواجدين مع عائلاتهم في تلك المغارة المظلمة.
بعد أن أمضيت هناك ثلاثة أيام، قد يكون القدر الكافي للقوات الغازية، في نهب متاجر و منازل المدينة، و عودة الضباط من هناك، أظن أن الملازم صار قد تذكرتي عندما زار الأسرى الذين كنت قد أسرت معهم في المستشفى، و لم يلاحظ وجودي أمر بالبحث عني.
و في اليوم الثالث وصل الضابط صار الى مقر الدرك و لم يجدني هناك، و لمعرفته المسبقة بي، طلب احضاري على الفور.
فتح باب المغارة في وقت لم نعهده، و إذا بجندي ينادي (منين هو ذاك لقريس اللي ماهو من اهل لگويرة) اين هو الصبي الذي ليس من سكان لگويرة؟
وقفت و قلت له أنا.
شدني من رقبتي بقسوة و هو يتساءل : (أنت ذا أل أمعدل لليطن شنهو؟) ماذا فعلت للملازم؟
وعند خروجي معه تظاهرت بآلام في بطني مما ادى الى إجباره على المرور على مركز طبي اين وجدت احد ضحايا القصف و هو الصبي أنداي ولد العالم ولد سيد أبراهيم و إمرأة جريحة ضحية القصف تدعى : تسلم منت بوسيف مصابة على مستوى الرجلين. قال الطبيب لمرافقي الدركي هذا لا يؤلمه شئ ( صحيحة نفسة ما واجعو شي).
لما وصلنا مقر الدرك كان هناك الملازم صار، جالسا على جانب طاولة يجلس خلفها ضابط من قوات الدرك عرفت أنه المحقق.
في مقر الدرك، ادخلوني الى احد الغرف و وجدت فيها مجموعة لگويرة الاسرى من مقاتلين و بينهم مدنيين ايضا، اتذكر من بينهم الشهيد محمد ولد العيطة و محمد بلعيد و ابراهيم ولد الشيعة هؤلاء الثلاثة ظهورهم مملؤة بالكي عن طريق إطفاء السجائر و اثار التعذيب بادية عليهم و الجرحى الثلاثة باهية ولد اب ولد بوزيد مبتور اليد و عبد العزيز عمي ديه مصاب في الفك السفلي و عبد الله ولد لعروسي (الليوة) مصاب اصابة بالغة على مستوى الكتف، كان الكل يتعرض لابشع انواع التعذيب بما فيهم الاطباء محمد العيطة و الرگيبي محمد و حتى الجرحى ممنوعين من العلاج و كان ضباط التحقيق يستهزؤون كثيرا من هؤلاء الاطباء.
كان الكل يتحمل الكثير من انواع التعذيب و كان افراد الدرك يستمتعون بفترات التعذيب و يطلقون عليها اسم (كافه) و تعني قهوة الصباح.
عندما كانوا يعذبوننا كنت اتصنع البكى حيث يمر الجندي بسوط من المطاط و يضرب بعشوائية، و كنت ابلل عيني بالريق حتى اتحاشى اعادة الضرب و عند ما يراني الجندي مبلل العينين يظن انني اصبت باحدى الضربات، و يتحاشى اعادة ضربي، مرت ثلاثة ايام على هذا المنوال حتى اكتشف امري و كان ذلك مرفوقا بالتحقيق الفردي و اثناء التحقيقات اتهموا ابراهيم ولد الشيعة بانه كان هو الرامي لسلاح الهاون، و شددوا عليه التعذيب و كان يتميز بلونه الابيض و شعره المائل الى الاشقر و بنيته القوية حتى انهم كانوا يتهمونه بانه جزائري.
في تلك التحقيقات سألوني الكثير من الاسئلة و عند ما رايت جنود الاحتلال المغربي تذكرت والدتي و ابي، و خوفا من اصابتهم بمكروه، قلت في التحقيقات انني يتيم الأب، و ان والدتي كانت مريضة في بادية بئر ام غرين، و عن سبب قدومي الى بلدة لگويرة هو أنني كنت مع اخي تاجر (تيفاي) نبيع الحصير، و اثناء تواجدي بالمدينة قصفت القوات احد المباني وقلت ان اخي استشهد في ذلك القصف، و خط المحقق بقلم احمر تحت كلمة شهيد، و ضحك و قال (عليك ان تتعلم معنى الشهادة).
بعد عدة ايام انضم الينا اثنان من الصحراويين الذين يقيمون في نواذيبو بتهمة التجسس لصالح الجبهة.
طوال فترة التحقيق التي استمرت لاكثر من عشرة ايام كان طعامنا عبارة عن خبز يابس و بعض الاطعمة سيئة الطهي و المذاق لا يمكننا ان نوصلها الى افواهنا من شدة القيود التي تربط ايدينا بارجلنا، و كنا في اغلب الاحيان نتحاشى الاكل و الشرب، حتى لا نضطر الى الذهاب الى بيت الخلاء، الذي كان عبارة عن حفرة في ركن غرفة السجن.
… يتبع ….
بقلم : بلاهي ولد عثمان.