عام رحل وعام قادم .. ومفارقات الزمن العجيب تحاصرنا .. تقتلنا في صمت .. !! ..

بقلم : عبداتي لبات الرشيد.
إهداء وإعتذار ..
هذه الحقيقة .. هذه المصارحة .. هذه الخربشة هي إهداء الى الذين خيبوا ظن الناس الطيبة .. الى الذين يشجعون الكسل والإنتهازية .. الى الذين يحاربون النجاح وروح الإبداع والمبادرة ومع ذلك يرفعون شعار تحرير وطن .. !! ..
وأعتذر لكل الذين وصلتهم هذه الخربشة التعيسة لتفسد عليهم نشوة الإحتفال بالعام الجديد .. !! ..
في هذا الوطن سيقال لك أنت غير مؤهل لأنك صادق أكثر من اللازم .. يا عزيزي الواقع يقول .. عليك أن تكون كاذبا وأكثر من اللازم كي تصبح مؤهلا .. !! ..
قبل عام تقريبا توصلت برسالة من “حراڨ” إختار وتحت ظروف قاهرة ركوب المخاطر ليصل الى المجهول، هو شاب صحراوي إبن شهيد من سكان مخيمات اللاجئين الصحراويين كان محتجزا لفترة بمطار براخاس بمادريد، كانت رسالة مؤثرة جدا وطلب مني أن أنشرها إذا حالفه الحظ في مواصلة مغامرة “الحرڨة” في شوارع ومدن الجنة الحلم في نظره، أوروبا.
بعد نشر تلك الرسالة سيقودني حظي السيء دائما الى خوض معركة ما كنت لأخسرها لكنها كانت واحدة من أشرس المعارك التي خضتها في حياتي وأنا الأعزل الفوضوي، من أجل إثبات الحقيقة وجعلها شمسا مشرقة في عيون جيوش جرارة متسلحة ومنظمة، وهي نفس الجيوش التي أرادت دائما تصدير وبيع الأوهام ورفض الحقائق وتغطية تلك الشمس بالغربال للحفاظ على مصالح شخصية ضيقة حتى ولو كلف الأمر إنهيار الحلم الكبير على رؤوس الناس التي عاشت في معاناة كبيرة عقودا من الزمن لأجله.
ما كان لأحد أن يعلم بتلك المعركة الدموية التي إستعملت فيها تلك الجيوش والتي وللاسف ما كانت شجاعة لتنزل الى الميدان بل كانت تديرها من داخل الغرف المغلقة بفنادق وشقق فخمة بأوروبا وإفريقيا وحتى من شقق مملوكة ومسجلة بأسماءهم بتندوف وموريتانيا وبتوجيه وتمويل وتشجيع من قياديين بارزين داخل هذا النظام، قلت إستعملت فيها تلك الجيوش كل أساليب الطعن والخداع والتشويه والتزوير والكذب للنيل من إنسان ذنبه الوحيد أن نقل حقيقة مرة الى أسماعهم رغم أن تلك الحقيقة المرة سوف لن تغير من واقعهم في جناتهم البعيدة عن مخيماتنا ومأساتنا ولا من واقع ما وصلنا إليه شيئا.
المهم .. بعد مدة تقريبا إتصل بي ذلك الصديق “الحراڨ” صاحب الرسالة، ليسألني عن أحوالي وليشكرني على الوفاء والصدق في نقل الأمانة، فكنت مضطرا لأن أفضفض له عن حجم ما عانيته خصوصا وأنني كتمت الأمر وحاولت تجاوزه بسرعة رغم قسوته حتى لا أقول وحشيته وتأثيره النفسي الكبير والذي لولا إيماني بربي أولا وبقناعاتي ومبادئي وبأن الحق يتطلب دائما التضحية وأحيانا بأثمان باهظة لخرجت عن السيطرة على نفسي ولإرتكبت (وذلك مبرر) مثلما إرتكبوا هم أخطاءا قد لا أغفرها لنفسي طيلة حياتي.
لقد فاجأني ذلك الصديق بتساؤلات من قبيل أنني الوحيد الذي تتاح له فرصا للهجرة ويظل يعمل لصالح قضيته وهنا الأمر عادي ومطلوب ولكنني الوحيد الذي يعود الى المخيمات ليزاول عمله في مؤسسات الدولة دون أن تغريه الغربة ودون أن يجدها متنفسا وبديلا لواقع مزري يعيشه كل الشباب وفر منه كل من أتيحت له الفرصة بمن فيهم القياديين وأبناء وعائلات القياديين أوصياء المشروع الوطني.
لقد طرح تساءلات من قبيل كيف تقبل لنفسك ذلك وأنت الذي تسافر وتظل تعمل ليل نهار وبإمكانياتك الشخصية المتواضعة لأجل قضيتك وتحدث التأثير الكبير وتترصدك عيون إستخبارات العدوا في كل مكان وتفعل ما لم تفعله مؤسسات وأشخاص مكلفين ولديهم من المال العام والإمكانيات العامة ما ليس لديك ومع ذلك لم يحركوا ساكنا ولا متحركا بل ووجهوا ذلك المال وتلك الإمكانيات لأغراضهم الشخصية ومن أجل التأثير النفسي على أمثالك من الوطنيين المخلصين كما حدث معك بعد نشرك لرسالتي، كيف تفعل ذلك يقول الصديق متساءلا.

قناعة لا يراودها الشك ..

خلال هذا العام والأعوام التي قبله سافرت داخل مخيمات اللاجئين الصحراويين والى أوروبا، والى الدوگج وأغوينيت وأمهيريز وميجك والتفاريتي وبير لحلو بالمناطق المحررة من الوطن، والى الجزائر العاصمة والى تونس، يختلف المكان والزمان، تختلف الظروف، أحيانا تكون صعبة وأحيانا أخرى أصعب مما أتصور، لكن الإرادة هي هي مهما حصل من حولي ومهما قيل ويقال والقناعات واحدة لا تتغير، خدمة هذا الوطن وهذا الشعب ..
لا يمكنني أن أقول كل شيء وبالقلب ما به من وجع وآلام وخيبات، لكنني راضي أمام ضميري ومقتنع بكل خطوة خطوتها أو سأخطوها، ما كنت يوما إلا صادق النية في أي عمل قمت به مكرسا جهدي على ما فيه من قوة وتحمل لأجل تحقيقه وواضعا كل ما أملك على قلته وتواضعه لأجل تأديته وعلى أحسن صورة دون أن أنتظر مقابلا أو أطلبه او أضعه شرطا مقدما ودون أن أنتظر كذلك شكرا من أي كان ..
لم يراودني الشك أبدا في صحة تصرفاتي وبأن ما أفعله هو عين الصواب مؤمنا بأن كل جهودي خالصة لوجه الله أولا وفي سبيل تلك الوجوه الطيبة التي تنتظر حلما كبيرا في معاناة وصمت كبيرين بعيدا عن الأضواء وبعيدا عن ضجيج المثرثرين في الهوى والمترددين والخائبين والخائنين والمقصرين والمستغلين لآلام شعب يستحق أكثر مما يمكن او يعتقد الإنسان أنه قدمه او سيقدمه ..
تلك القناعة لم يغيرها أبدا ما تعرضت له من ظلم وتهميش وخداع وهمس ولمز وتمييز وتضييق وعنصرية وسخرية حتى، فبعضهم إعتقدني غبيا ليمرر وهو الكسول الحاقد الحاسد كلمات تحت السطور وكنت أضحك لأجعلهم يفرحون ويستمتعون بلحظات نشوة دونكيشوطية زائفة، لكنني كنت أبكي في سري على سواد قلوبهم وقلة حيلتهم وضعف وهشاشة تفكيرهم ..
على الصعيد الشخصي تألمت وحزنت كثيرا بعد سقوط طائرة بوفاريك وعشت قصص كل الذين رحلوا وكتبت وبألم شديد عنهم جميعا وتقاسمت الحزن مع عائلاتهم وكذلك فعلت عند سماعي برحيل بعض الطيبين عن عالمنا هذا، لقد حزنت كثيرا أيضا من بعض الٱمور غير المتوقعة ومن خيبات أمل في بعض من الذين أحسنت الظن بهم من المقربون والبعيدون وسأظل صابرا على ذلك الوجع دون أن أشعرهم أو أغير من مواقفي تجاههم أبدا أبدا ..
لكنني كنت سعيدا جدا خلال مرافقتي مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي طيلة شهر وقد ٱعادت إلي تلك الرحلة الرائعة في ربوع الوطن وبين من وهبوا أنفسهم للتضحية في سبيل الوطن والناس، أعادت إلي كل البسمة وراحة البال كما كنت سعيدا بمواقف بعض الأصدقاء وطيبتهم وكرمهم وسأظل ممتنا لتشجيعاتهم خاصة وان غالبيتهم لا تربطي به أي علاقة بل وبعضا منهم لم ألتقي به في حياتي مطلقا ..

زمن العهر السياسي والأخلاقي والصورة التي لم تعد هي نفس الصورة ..

وفي الأخير .. مرة كنت جالسا في الكراسي الخلفية من قاعة تحتضن مناسبة وطنية تحضرها تقريبا كل تلك الوجوه التي نراها في كل مؤتمر وكل ندوة وكل ذكرى وكل تعميم وكل تبغيل وكل إستحمار .. المهم .. جاء صديق وجلس الى جانبي .. قال كيف حالك عبداتي .. قلت أنا بخير الحمد لله وأنت .. المهم .. وبينما كنا لانزال نتبادل السلام والإطمئنان على الحال وقف أحدهم وتوجه الى المكرفون في مقدمة القاعة وأخذ يقدم دروسا للمواطنين في الوطنية ويخبرهم بآخر مستجدات القضية، فجأة سألني الصديق هل تعرف من هذا “المخلوق” فأخبرته أنني أعرفه بالطبع .. سكت قليلا ثم قال لي .. هذا “المخلوق” الذي يحدث الناس عن الوطن والوطنية هو أخر من يمكنه أن يفعل ذلك، هذا “المخلوق” التافه له عقارات في تندوف وموريتاتيا ولأبناءه محلات تجارية وله قطعان إبل وغنم تجوب المناطق المحررة ولقد وجدته هو وعائلته قبل ثلاثة أيام فقط هناك يشرب اللبن و”ناحر زايلا”، “يعطيه الشطبة والجوف” وسيتوجه رفقة عائلته كما سمعت منه شخصيا هذه الأيام الى إسبانيا من أجل تجديد الوثائق وأمور أخرى، وأستغرب كيف يسمح لنفسه أن يحاضر الناس عن الوطن والوطنية .. !! ..
وبعد أن أنهى الصديق حديثه إلتفت إليه فقلت له يا صديقي وبإختصار أبصحتوا .. أعلاه رانك تحسد يا صاحبي .. هذا زمن هذا “المخلوق” و”المخاليق” أمثاله .. وأنا وأنت وأمثالنا كثر مجرد “أمخيليقات” منافقة تثرثر بصوت منخفض مبحوح في جلسات كجلستي وأياك هذه ثم سنذهب وقت الحقيقة لنصوت لهذا “المخلوق والمخاليق” أمثاله كي يحاضرونا من جديد عن الوطن والوطنية بعد عودتهم وعائلاتهم من كل رحلة الى إبلهم وغنمهم او بعد إستيقاظهم باكرا بعد نوم عميق مريح بعقاراتهم بدول الجوار وغير الجوار .. !! .. فإنفجرنا الإثنين بالضحك الذي يصاحبه البكاء على الحال والمآل .. !! ..
لقد تبدل الكثير للأسف منذ زمن الصورة التي لم تعد هي نفس الصورة، ٱمانة وطنية كارثة، حكومة تعيسة وبرلمان أتعس، شعب تائه ومحتار وحشمان من العار، نحن في زمن الفرار، الجميع يهرب وأولهم من وليناهم أمرنا، لقد تغيرت القناعات، ومسار الرجال الحافل في بدايته بالتضحيات لم يعد عيبا أن يختتم بالخيانات، ما عادت الرجال رجالا، نحن في زمن غريب السارق فيه شجاع والنزيه جبان، نحن في زمن المخلص فيه دنيء والذي يبتز النظام والوطن “فڨراش” معجزة بل قدوة ومثال، نحن في زمن تدفع فيه الناس البسيطة أثمانا باهظة من أعمارها وممتلكاتها لأجل الوطن والوطن يصب في جيوب مسؤولين متعجرفين متخاذلين لا يفعلون شيئا سوى جمع المال والسفر ..
وهذا هو الحال والمحال في زمن ماتت فيه الأخلاق وتعهرت فيه السياسة وأنتحرت فيه القيم النبيلة، والتضحية أصبحت مسخرة والوطنية مهزلة، لعنة ومصيبة، نحن في زمن أصبحت فيه القبلية عنوانا للصعود والتدرج ومبدأ من مباديء العمل والمعاملة، وحل محل الشرف الخيانة والإستغلال والإبتزاز و”متن العين” و”ٱتهنتيت” عيني عينك وألي ما عاجبوا الحال إكر راسوا أمعا الحيط .. !! ..
وختاما والى كل الذين خيبوا الظن وعكروا صفو حياتنا المعكر أصلا بظلم الإحتلال وقسوة ماضينا وحاضرنا وغموض مستقبلنا .. الى كل هؤلاء أقول .. أنه ومهما كان حالكم اليوم .. فإن النهاية الحتمية هي واحدة .. فبعد صحة او مرض .. بعد عمر طويل او قصير .. بعد عز او مذلة .. بعد فقر او غنى .. الموت سيغيبنا جميعا كما غيب كل الذين سبقونا وكما سيغيب كل الذين سيأتون من بعدنا .. ولكن ماذا بعد .. ماذا بعد أن نختفي من الوجود .. وماذا بعد أن تحاصرك وأنت بقبرك الأسئلة الصعبة .. ماذا بعد أن حاصرتمونا بأقذر الإشاعات والأوهام والأكاذيب والخداع والظلم .. ماذا ستفعلون بعد ان تواجهكم الحقائق في مثواكم الأخير قبل الحساب .. وخاصة إذا كانت تلك الحقائق مرة ومرعبة ومروعة صنعتموها بأيديكم وقت قوتكم .. تلك القوة التي إعتقدتموها دائمة .. !! ..
وما الدائم إلا وجه الله الكريم ..