هل أصبحت قضية الصحراء الغربية في قلب صراع القوى المتنافسة على شمال افريقيا؟

بقلم : الديش محمد الصالح.
من بين أسئلة كثيرة مطروحة وتبحث عن إجابات: ماهي الأسباب الكامنة وراء التغيير المفاجئ لمجلس الامن في التعاطي مع قضية الصحراء الغربية ما جعل كوهلر يعيد قطار المفاوضات لسكته الاصلية في ظرف زمني قياسي بعد ما عجز عن أعادته سلفه السابق كريستوفر روس؟ وكيف يمكن تفسير المواقف المعبر عنها داخل المجلس التي تتراوح بين مؤيد وممتنع عن التصويت؟ وكيف انفردت الولايات المتحدة بصياغة مسودات قرارات الأمم المتحدة؟ وكيف يمكن تفسير عدم التفاهم الذي حصل بين الولايات المتحدة وفرنسا خلال جلسات المجلس؟ وهل ضم الاتحاد الأوروبي للصحراء الغربية في اتفاقياته مع المملكة المغربية انذار في وجه الاندفاعة الامريكية؟ وأخيرا ما هو مستقبل القضية الصحراوية في ظل التنافس الد ولي على المنطقة؟
لقد شهدت قضية الصحراء الغربية دينامية متسارعة واهتماما كبيرا في السنتين الأخيرتين وخاصة منذ أبريل السنة الماضية، تمثلت في عودة الأمم المتحدة الى إحياء البحث عن الحل السياسي بعدما شهد جمودا دام سنوات بسبب غياب الإرادة في ذلك لدى الدول العظمى التي تتحكم في توجيه السياسة الدولية. ويعزى هذا التحريك الآن لملف قضية الصحراء الغربية إلى المتغيرات الدولية مما دفع بالقوى العظمى إلى إعادة النظر في الكثير من سياساتها وخاصة اتجاه القارة الأفريقية في ظل حدة تنافس هذه القوى على عليها وبالتحديد شمالها.
وظهرت الولايات المتحدة الامريكية على الخط كأكثر المهتمين والمندفعين في إيجاد حل لنزاع الصحراء الغربية عندما اصرت على تقليص عهدة المينورسو لستة اشهر بدل سنة واتبعته بضغط قوي على المملكة المغربية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع جبهة البوليزاريو التي بدأت الشهر الماضي. وأكد هذا الاهتمام مستشار الرئيس ترامب للأمن القومي السفير جون بولتون ، خلال تقديمه للاستراتيجية الأمريكية في افريقيا الشهر الماضي، حينما عبر عن خيبة امله في استمرار هذا النزاع وفشل البعثة الأممية في تنظيم استفتاء تقرير مصير شعب الصحراء الغربية.
ويأتي هذا الاهتمام الامريكي في ظل تزايد المنافسة الاقتصادية الدولية على اثر تشكل تكتلات اقتصادية وظهور العملاق الصين وتوسع النفوذ الروسي كنتيجة للتقلبات التي شهدها العالم والتهديدات التي لحقت بالاستقرار العلمي في أواخر القرن العشرين وبداية هذا القرن. و هذا ما جعل الادارة الأمريكية الحالية تعيد حساباتها وتغير بعض سياساتها بالكامل، وتنطلق في التعاطي مع هذا الوضع الجديد من القناعة بأن قدرة الولايات المتحدة الامريكية الاقتصادية، السياسية والعسكرية ستجعلها دوما القوة العالمية الأولى، خاصة وأنها نجحت في العولمة، التي تعتبر التكنولوجيا والاتصالات اهم مجالاتها، مما نتج عنه سيطرة على الاقتصاد العالمي.
وكانت لهجة مستشار الأمن القوي الأمريكي حادة في وصفه للحضور الصيني والروسي في افريقيا، وهو ما يؤكد أن الولايات المتحدة عازمة على إلقاء كل ثقلها في مواجهة هذه القوى. مع العلم أن النفوذ الأوروبي في القارة أصبح يتقلص وبالتحديد فرنسا التي يلاحقها ماضيها الاستعمار وسياسات استغلال موارد الشعوب بدل من تنمية بلدانها. وبدأت الولايات المتحدة تجهر بمواقف سياسية مزاحمة للسياسة الفرنسية في شمال إفريقيا التي ظلت منطقة نفوذ فرنسية، في الوقت الذي باتت فيه كثير من دول المنطقة تحرص على تمتين علاقاتها بالإدارة الأمريكية. وهنا يأتي سعي الولايات المتحدة الامريكية في التسريع بحل قضية الصحراء الغربية باعتبارها مفتاح الاستقرار الدائم في كل شمال افريقيا والضمان للتكامل الاقتصادي لدول المغرب العربي.
ويبدو أن هذه القوى كلها اصبحت تسعى الى اقحام نزاع الصحراء الغربية في قلب صراعها على المنطقة، وهو ما عكسته مواقفها المعبر عنها في مجلس الأمن. ورغم ان هناك تحفظات من بعض الدول على الأسلوب الأمريكي الجديد في الانفراد بصياغة مسودات قرارات مجلس الأمن بخصوص الصحراء الغربية، لكن لم يكن هناك اختلاف جوهري حول طبيعة الحل المتمثل في احترام حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير انطلاقا من ميثاق الامم المتحدة وقراراتها. كان عدم التفاهم بين أمريكا وفرنسا واضحا وانعكس ذلك في تمديد فترة المينورسو، بحيث كانت فرنسا ترغب في تمديدها بسنة بدل ستة أشهر بهدف الإبقاء على الوضع القائم الذي هو في صالح استمرار احتلال المغرب للصحراء الغربية، ولكن أمريكا رفضت ذلك.
وفي ظل الخلاف الكبير الذي يتنامى بين فرنسا والولايات المتحدة الامريكية في الكثير من القضايا سواء كانت تخص أوروبا أو مواقع أخرى في العالم، تأتي مصادقة البرلمان الأوروبي يوم 16 من الشهر الجاري، بستراسبورغ بفرنسا، على ضم الصحراء الغربية في اتفاقيات الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية، كرسالة واضحة ارادت فرنسا توجيها للقوى التي تحاول التضييق على نفوذها في شمال افريقيا وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، مفادها بأن المملكة المغربية حليفة لأوروبا ولن تتخلى عنها. ان ما اقدم عليه الاتحاد الأوروبي كان سابقة خطيرة، ليس من باب انها ليست المرة الأولى التي تنتهك فيها أوروبا للقانون الدولي والاعتداء على الشعوب ونهب خيراتها، ولكن من كون انها المرة الأولى التي تناقض فيها راي قضائها بحجة مصالحها، وما لذلك من انعكاسات سلبية كبيرة على مصداقية من يدعي التقدم والاحتكام للقانون. وقد اختارت فرنسا التوقيت المناسب لهذه الرسالة، بحيث انها تأتي بوقت قليل بعد اعلان ادارة ترامب عن استراتيجيتها باتجاه إفريقيا وانطلاق المفاوضات بين جبهة البوليساريو والمملكة المغربية وبفاصل زمني قصير مع موعد الاجتماع المقبل لمجلس الأمن الذي سيستمع فيه لإحاطة من المبعوث الشخصي السيد هورست موهلر. ان سبب رفض المقترح المقدم بخصوص استشارة محكمة العدل الأوروبية قبل مصادقة البرلمان الاوروبي على الاتفاقية مع المغرب، وعدم أخذ بعين الاعتبار لملاحظات القسم القانوني الذي شكك في عدم تطابق الاتفاقية مع حكم المحكمة، هو التخوف من تعطيل الإتفاقية، مما يؤكد أهمية الظرفية التي تأتي فيها بالنسبة للذين سعوا للمصادقة عليها.
ومهما كان المبرر الذي أقنعت به فرنسا بقية دول الاتحاد الأوروبي للمساومة على مبادئها وقيمها مقابل مصالحها، الا ان الاتحاد الأوروبي بهذا الموقف يكون قد وضع نفسه في مسافة شاسعة مع الحق والعدل بدعمه للاحتلال اللاشرعي للمملكة المغربية للصحراء الغربية. كما صنف نفسه إلى جانب المتنكرين لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، وجعله يتناقض كلية مع التزاماته في دعم جهود الأمم المتحدة بإشراف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، السيد هورست كوهلر. وبالتالي، وبدلا ان تساهم أوروبا في حل قضية الصحراء الغربية، اذا كان اصلا يهمها حلها، فإنها بهذه الخطوة قد سعت الى تعقيدها، بل وإلى تهديد السلم والاستقرار في المنطقة كلها.
لقد اختار الاتحاد الأوروبي طريقا خاطئا، او بالأصح اورطته في اختيارها فرنسا، ستكلفه الكثير وستجعله يخسر مصالحه التي ساوم على مبادئها وقيمها من أجلها. فكان على الاتحاد الأوروبي ان يستحضر قمة ابيدجان، كوت ديفوار، للشراكة بينه والاتحاد الافريقي في نوفمبر 2017 والتي سوف لن تكون الاخيرة، أين قبل مرغما بحضور الجمهورية الصحراوية كغيرها من الدول الأخرى في الاتحادين، ليدرك ان هذه هي الطريق الصحيحة التي كان عليه ان يسلكها ويحرص على ان تكون كل خطواته بعدها منسجمة مع هذا الاعتراف الضمني بالحقيقة الصحراوية. لقد اضاع الاتحاد الأوروبي فرصة ثمينة كانت ستجعله يدخل من الباب الواسع وليس من النافذة الضيقة لضمان مصالحه، ليس في الصحراء الغربية أو منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا فحسب، ولكن في كل إفريقيا الواقفة خلف الجمهورية الصحراوية كأحد الاعضاء المؤسسين للاتحاد الافريقي.
ويقود الاتحاد الافريقي، الذي توجد الجمهورية الصحراوية من ضمن دوله الاعضاء، القارة الافريقية نحو تشكيل كتلة اقليمية وازنة وستكون اسس وقوانين الشراكة معها واضحة. ويكسبها موقعها الجيو-استراتيجي المتنامي وما تتوفر عليه من مواد خام وموارد طبيعية اهتماما متزايدا من طرف القوى الاقتصادية العالمية. وفي هذا الاطار يسعى الاتحاد الافريقي إلى التحرر من اي شكل من اشكال الهيمنة والاستقلال في توجيه وإدارة شؤون القارة. ولقد حاولت فرنسا تحديدا تعطيل هذا المسار واستخدمت حلفائها كالمملكة المغربية التي كان انضمامها للاتحاد الافريقي هو بهدف تفكيك القارة من الداخل، ولكن محاولاتها باءت بالفشل وتأكد تشبث الافارقة بالجمهورية الصحراوية والدفاع عنها. واصبح النفوذ الفرنسي في العد التنازلي خاصة في الشمال الافريقي وساحل الصحراء بسبب عدم الرضى عن السياسات الفرنسية التي لا تخدم القارة بقدرما تدمرها.
على مستوى منطقة المغرب العربي، فإن المملكة المغربية توجد خارج هذا السرب بسبب نواياها السيئة وسعيها المستمر لزعزعة أمن واستقرار جيرانها وأغرقاهم بالمخدرات، في الوقت الذي هناك تقارب بين بقية دول المنطقة. اما الجزائر، الحليف الاستراتيجي للجمهورية الصحراوية، فهي القوة الاقليمية بلا منازع سياسيا، عسكريا واقتصاديا، وتلعب دورا محوريا في حل مشاكل الدول المجاورة لها، وهي أحدى ركائز الاتحاد الافريقي وقواه الكبيرة الراعية لسياساته، وتشكل محط استقطاب لمختلف القوى العالمية كالولايات المتحدة الامريكية، الصين وروسيا وغيرها، وستتعزز مكانتها بانضمامها المرتقب لمجموعة البريكس والذي سيعطي حضورا إفريقيا قويا في هذه المجموعة. وقد اصبحت الجمهورية الصحراوية حقيقة لا رجعة فيها، تمارس سيادتها على مناطقها المحررة وتمتلك كل المقومات للدفاع عنها وتحرير الجزء المحتل من اراضيها المحتلة من طرف المملكة المغربية.
ومما سبق ذكره، يمكن أن نخلص إلى أنه مادام صانعي السياسة الخارجية الفرنسية لازالوا لم يغيروا من نمط تفكيرهم بما يتماشى وتطورات العصر والكف عن نظرة الاحتقار للشعوب ولقضاياها العادلة، فإن حظوظهم في استعادة نفوذهم في القارة الأفريقية ستكون ضئيلة جدا . واذا كانوا يظنون انه لدعمهم لها في استمرار احتلالها الصحراء الغربية، ستعيد لهم المملكة المغربية المتهالكة ما ضاع من نفوذهن، فقد أخطأوا في حساباتهم، وشعب الصحراء الغربية، بقيادة جبهة البوليساريو، لن يتوقف عن مواصلة كفاحه المشروع التحرير الكامل لكل الاجزاء المحتلة من وطننا وانهاء آخر بقايا الاستعمار في القارة الافريقية.