سلسلة الفيلق الرابع ، الجزء الثالث : معركة أم لگطة.

الكاتب : حمدي ميارة.
بعد معركة أزمول النيران حدثت تعديلات على مستوى قيادة الفيلق الرابع حيث أصبح عبد الله لحبيب البلال قائدا للفيلق خلفا لمحمد ودادي وتم تعيين محمد الامين لحبيب قائدا للكتيبة الاولى خلفا لأبا عالي حمودي الجريح والذي سيعود لاحقا لقيادة الكتيبة الثالثة,فيما عاد صلحة ولد الراحل الى الكتيبة الثانية بعد شفائه.
ومع دخول سنة 1986 بلغت حرب الاستنزاف ذروتها وأصبحت الإغارات وعمليات التسلل الليلي وزراعة الألغام خلف الأحزمة الدفاعية المغربية هي الطابع العام خلال تلك السنة وتبارت مختلف النواحي في تنفيذها عبر كل الجدار المغربي.
ومن المؤكد أن هذا النوع من الحرب قد حقق نتائج بالغة التأثير على معنويات الجنود المغاربة إضافة طبعا إلى ضغط تكاليفه الثقيلة على الاقتصاد المغربي الهش.
وعلى طول تلك الفترة عانى الضباط والجنود المغاربة بشكل دائم من هذه الإغارات التي لا تنقطع و كانوا يبيتون كل لياليهم يترقبون زوار الفجر الذين قد يظهرون في أية لحظة, ومع مرور الوقت أصبح هؤلاء الجنود يدركون جيدا أن جبهة البوليساريو تستطيع الوصول إليهم في أي وقت وأي مكان, ثم تبين بفعل التجربة أنه لم يكن هناك متر واحد في مأمن من ضربات هذا الجيش الذي يظهر من العدم ويضرب بشدة ثم يختفي وسط الظلام.
وبطبيعة الحال لم تكن مطاردة هؤلاء الرجال الذين يفضلون الهجوم فجرا ممكنة لأن ذلك سيعني ببساطة الخروج من الحزام والتوغل في تلك المساحات الشاسعة التي تخفي بين شعابها كل أسباب الخطر, وبالتالي أصبح الجيش المغربي محكوم بالإنتظار خلف هذه التحصينات الرملية التي كانوا يفترضون فيها حمايتهم وصورتها الدعاية المغربية على أنها غير قابلة للاختراق,وفي الواقع أصبح الضباط المغاربة بعد معركة أزمول النيران يعلمون علم اليقين أن مثل هذه الحواجز لا تستطيع أن توقف الصحراويين عندما يقررون الهجوم.
كان الشباب في بعض الأحيان يدخلون في مشاحنات حول أي كتائب الفيلق أفضل وقد تمتد هذه المشاحنات لتشمل التفاخر بعدد الأسرى الذين تمكنت كل كتيبة من إلقاء القبض عليهم إضافة إلى حجم الغنائم التي يتم الاستيلاء عليها وطبعا سيدعي كل مقاتل أن كتيبته هي الأفضل وأحيانا يكبر حجم التنافس ليشمل حتى أي النواحي أكثر فعالية أثناء القتال.
خلال سنة 1985 وفي عز حرب الاستنزاف قررت قيادة الناحية العسكرية الثانية التي كان يقودها محمد الامين ولد البوهالي في تلك الأيام تشكيل وحدات خفيفة محمولة على سيارات لاندروفير,ستتولى مهمة عرقلة بناء الجدار المغربي الذي كان قيد الانجاز.
و مرة أخرى يقع الإختيار على عناصر المشاة الميكانيكية التابعين للفيلق الرابع رغم انه لم يسبق لهم القتال باستخدام السيارات الخفيفة, وعلى كل حال تم تجهيز تلك الدورية التي أمضت شهورا غرب الحزام وكان ذلك طبعا قبل بناء الجدار السادس.
وخلال هذه الدورية تمكن الفيلق من إكتساب تجربة فريدة جاب خلالها مناطق شاسعة ووصل حتى ضفاف المحيط الأطلسي ومن حين لآخر كانت هذه الدورية تغير على القوات المغربية المكلفة بحراسة آلات الحفر, يقتحمونها فجرا باتجاه الشرق مطلقين كل قوتهم النارية ومستهدفين آلات الحفر العملاقة وبعد أيام قليلة يعيدون الكرة باتجاه الغرب.
كان صراعا مريرا ذلك الذي تهاجم فيه سيارات معدودة وعشرات الرجال المسلحين بأسلحة فردية وقواذف RBG7 جيشا عرمرما تجاوز في بعض الحالات عشرة آلاف رجل ومع ذلك كان تأثير تلك الهجمات المباغتة كبير جدا على العدو.
ومع دخول سنة 1987 كان الفيلق الرابع قد أصبح أكثر نضجا وأكتسب خبرة قتالية تؤهله لزيارة الجدار المغربي ووطئه بجنازر ناقلات BMP1 مرة أخرى.
وفي مساء بارد من أواخر شهر فبراير تحلقت مجموعة من الكتيبة الأولى من الفيلق الرابع حول أواني الشاي وكان القنديل الزيتي الصغير يبدد بعضا من عتمة تلك الليلة المظلمة, وخلال هذه الجلسة تحدث بعض الرفاق عن إمكانية مشاركة الفيلق الرابع في الاستعراضات المخلدة لذكرى إعلان الجمهورية التي ستنظم بعد أيام قليلة وبطبيعة الحال راقت هذه الفكرة للجميع.
كانت ولاية آوسرد في تلك الأيام تستعد لإحتضان الذكرى الحادية عشر لإعلان الجمهورية وخلال تلك الأيام كان الرأي الوطني منشغل بالحديث عن المسابقة الوطنية التي ستعلن نتائجها على هامش هذه الذكرى.
ووسط مظاهر الاحتفالات كانت هذه الولاية تصارع من أجل إنجاح هذا الحدث الكبير وهي التي إجتاحها السيل في منطقة واد الماء منذ زمن قريب ولازالت حتى ذلك اليوم حديثة العهد بالاستقرار, ورغم مظاهر الضعف المادي وبساطة المباني وتواضع الإمكانيات بذل الجميع جهودهم من أجل إنجاح هذه الذكرى دون أن يعلموا أن القدر يخبئ لها أسبابا أخرى للنجاح.
كانت رؤية تلك الخيم البدائية ومشاهد النساء يعملن في بناء بيوتهن الطينية كثيرة في ولاية آوسرد رغم مظاهر الاحتفالات التي كانت أكثر جمالا وبساطة من إحتفالات اليوم.
في صباح يوم 23 فبراير 1987 أبلغنا قائد الجماعة بضرورة الحضور لإجتماع طارئ
وخلافا لكل التوقعات بدأت مظاهر الاستعداد للمعركة تتلاحق حيث أصدرت قيادة الفيلق أمرا عاجلا يقضي بإخضاع كل الآليات للصيانة ومراجعة القوة النارية و في مساء نفس اليوم وصل الخبر اليقين….(لقد ذهبت الدراسة).
كانت هذه الكلمة تعني بين المقاتلين في تلك الأيام تعيين المجموعة التي ستتولى دراسة الحزام وإختيار المكان المناسب للهجوم وعندما تنطلق تلك المجموعة يبدأ العد العكسي لساعة الصفر,ومن المؤكد أن فكرة المشاركة في الإستعراضات وزيارة ولاية آوسرد قد تلاشت تماما.
صباح يوم 24 فبراير بدأ المسير نحو المعركة حيث توجه الفيلق الرابع نحو وديان توطرات ثم فجأة إنعطفنا باتجاه واد لعوج التلي ومن هناك بدأ التقدم بهدوء كبير نحو منطقة لكويو, وطيلة ذلك اليوم واصل الفيلق الرابع الزحف بإتجاه الغرب ,ومع حلول المساء إكتمل وصول النواحي التي ستشارك في المعركة.
وفي سفح ذلك المرتفع الذي يدعوه المقاتلون بإسم لكويو توقف المهاجمون للمرة الأخيرة لتنظيم تشكيلاتهم قبل ساعة الاقتحام.
كانت الناحية الثانية قد وصلت بكل ثقلها الى تلك المنطقة التي ترابط فيها الناحيتان الرابعة والخامسة منذ أيام وأخيرا إكتمل عقد المهاجمين بوصول وحدات المدفعية والدفاع الجوي.
وفي مساء ذلك اليوم إجتمعت قيادة المعركة لإستعراض كل التفاصيل التي قدمتها مجموعة الدراسة والاستطلاع وتقرر تنفيذ الخطة التالية:
– تم تحديد الانطلاق نحو المعركة من مسافة 16 كلمتر وتم إختيار جبهة عريضة جدا ناهزت 30 كلمترا.
– تتولى الناحية الرابعة مدعمة بالكتيبتين الاولى والثانية من الفيلق الرابع الدخول من الميسرة(الخالفة العسرية).
– تتولى الناحية الثانية بما فيها الكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع الدخول من القلب (المحرد).
– وتتكفل الناحية الخامسة مدعومة بكتيبة BMP1 مختلطة تشكلت من الفصيلة الثالثة من الكتيبة الاولى وفصيلة من الكتيبة الثانية من الفيلق الرابع وفصيلة تابعة لقاعدة الشهيد هداد كانت تشارك معنا لأول مرة, تتولى هذه التشكيلة أمر الميمنة (الخالفة العربية).
وطبعا ستتولى الدبابات والمدفعية مهمة قصف وتدمير القاعدتين اللتين تقعان على أطراف الجبهة المهاجمة ومنعهما من مساعدة القواعد المستهدفة.
فيما تتكفل وحدات الدفاع الجوي بمهمة تامين أجواء تلك المنطقة.
وفي نهاية ذلك الاجتماع صدرت الأوامر بشكل صارم بضرورة إحتلال كل تلك المنطقة المستهدفة ومطاردة القوات الغازية والتوغل في أعماق العدو.
وطبعا كان واضحا منذ البداية أن حجم هذه المعركة سيكون كبير جدا, وقياسا الى عدد النواحي المشاركة ومستوى الآليات والسلاح الذي حشده الصحراويون في ذلك اليوم لم تكن هناك أية فرصة للعدو.
بعد صلاة المغرب بقليل تم إنزال المشاة قرب زملة أم لگطة في الحد الأقصى غربا من جبهة المعركة وكان على مجموعة المشاة المكلفين باحتلال النقطة الشرقية المسير بمحاذاة الحزام طيلة الليل لمسافة تناهز30كلم,وشاءت الأقدار أن أكون ضمن هذه المجموعة التي عانت كثيرا خلال تلك الليلة الساخنة رغم برودة الطقس, كنا حوالي 30 مقاتلا وعلى الفور بدأ المسير في ذلك الليل المظلم نحو الشرق.
كان الرادار الذي يحرس تلك المنطقة قد إكتشف على الفور تلك المجموعة حال نزولها من السيارات ودون سابق إنذار أطلقت القاعدة المغربية قنبلتين ضوئيتين حولتا ذلك السهل الطويل الى ما يشبه ضوء الصباح وبشكل عفوي تبعثرت المجموعة لتفادي الكشف ثم مباشرة بعد تلاشي أضواء القنابل بدأ المسير.
بدأت تلك الرحلة تحت النيران نحو ذلك الهدف البعيد وطيلة تلك الليلة باتت القواعد ونقاط الإسناد الموجودة على طول جبهة المعركة تمطر تلك المجموعة بكل ما لديها من نيران, كنا طيلة الليل تحت المراقبة المستمرة ويبدو أن العدو ظن أن الأمر مجرد مجموعة منعزلة تحاول الإغارة على الحزام ,بسبب تعودهم على الإغارات الليلية في تلك المنطقة التي لم تشهد أي هجوم كبير خلال حرب الاستنزاف طيلة سنة 1986, ومع مرور الوقت وحسب شهادات الأسرى الذين تم إلقاء القبض عليهم لاحقا تبين أنهم كانوا يعملون على إستدراج هذه المجموعة الصغيرة ثم محاصرتها حتي الصباح ليتمكنوا من إلقاء القبض عليها.
ورغم الضغط الهائل وكثافة النيران المعادية لم يكن ممكنا أن ترد تلك المجموعة بإطلاق النار فذلك سيعني أنهم سيبدؤون المعركة وسيكون عليهم أن يقاوموا حتى يحين الوقت المحدد للاقتحام وبطبيعة الحال لاتكفي ذخيرتهم لمثل هذه المواجهة .
الحل الوحيد في تلك اللحظات العسيرة كان هو الصبر والتحمل ومواصلة التقدم شرقا فعلى كل حال ومهما حدث علينا أن نصل إلى تلك النقطة البعيدة قبل الخامسة فجرا.
بعد سبع ساعات من التنقل تحت النيران وصلت أخيرا تلك المجموعة المنهكة إلى نقطة الإسناد الشرقية قبل الرابعة بقليل, وكانت تلك النقطة المستهدفة تقع على مرتفعين متقاربين ومع دخول المجموعة بينهما بدأ فصل آخر من الجحيم , كان الجنود المغاربة في نقطة الإسناد يطلقون النار مباشرة صوب المجموعة فيما تكفل رشاش 23 ملم يقع في القاعدة الغربية بالرماية فوق مستوى الهضبتين وبعد وقت وجيز أصبحت الهاونات تصب حممها عند سفح الهضبتين لمنع تلك المجموعة من الانسحاب , لقد كانوا فيما يبدو يحاولون تشكيل كماشة نارية لاحتجاز تلك المجموعة حتى الصباح الذي لم يكن بعيدا.
أخيرا حانت ساعة الصفر, نظر قائد الفصيلة إلى ساعته وعند السادسة فجرا زمجر ذلك الصوت الرائع الذي يشبه دوي الرعد معلنا عن بداية المعركة, وإرتفعت أصوات تلك المحركات الصاخبة التي يحب أصحابها سماع دويها المميز ويكره الغزاة ضجيجها الصاخب ,وفي تلك اللحظة تغير الوضع تماما لقد إكتشف الغزاة متأخرين أن تلك المجموعة هي فقط جزء صغير من هجوم شامل يستهدفهم ثم تبين بشكل سريع أن الوضع أكبر مما يتصورون .
لقد كان المشهد في ذلك الفجر الرائع وكأن تلك الصحراء القاحلة ترمي بكل رفضها و ثقلها في اتجاه الحزام المغربي وعندما همت آخر فلول الظلام بالتلاشي ظهرت من بعيد طلائع المهاجمين تملأ ذلك السفح المترامي وتسد البصر,آلاف المقاتلين الصحراويين يتسابقون نحو العدو ومئات الآليات الخفيفة والمدرعة تجتاز تلك الأرض بأقصى سرعتها,لقد حان وقت سداد الدين وسيدفع هؤلاء الملاعين الثمن.
في هذه اللحظات المشحونة وقبل وصول المهاجمين بوقت وجيز حاول بعض عناصر تلك المجموعة المحاصرة إسكات ذلك الرشاش المزعج الذي كان يمنع إقتحام نقطة الإسناد, حيث تسلق ثلاثة منهم من بينهم الشهيد هدو ولد حيمودة قائد فصيلتنا الهضبة الغربية لمعاينة رماية الرشاش المغربي وتقدير مسافته , كان قائد الفصيلة ورفيقه يطلقان النار باتجاه الرشاش بينما استعد رامي القاذف الصاروخي لتسديد قذيفته وبسرعة إختلطت الأحداث, أطلقت المجموعة صاروخين في وقت متقارب وفي هذه الأثناء وصلت أولى موجات المهاجمين وكان في مقدمتهم سيارة تويوتا FG45 تحمل رشاش 23 ملم تابعة للفيلق الثاني وعلى الفور بدؤوا يطلقون النار ثم توقف الرشاش المعادي تماما عن الرماية.
أخيرا تم إسكات ذلك الرشاش المشؤوم الذي كان يطلق النيران منذ ساعات وتمكنت المجموعة مباشرة من إحتلال نقطة الإسناد, وخلال هذه اللحظات تبين أن هدو ولد حيمودة قائد فصيلتنا قد أصيب وإلتحق بركب الشهداء وبعد وقت وجيز أصيب أيضا الشهيد الشاب الولي ولد مولاي ولد الدن.
كان الفيلق الثاني يقاتل باستمرار الى جانب الفيلق الرابع طيلة الفترة التي جمعتهما في الناحية الثانية وكنا معجبين جدا بذلك الفيلق الرائع والمتمرس و نشعر بالارتياح عندما يقاتل معنا,كانوا في الحقيقة رجالا أشداء يعول عليهم وربما يكون ذلك الفيلق من أفضل التشكيلات القتالية الصحراوية خلال تلك الأيام وهم بطبيعة الحال جديرون بأن يكتب عنهم.
بعد وصول المهاجمين وبشكل مباشر دخلت الناحية الرابعة المدعمة بالكتيبتين الأولى والثانية من الفيلق الرابع من الثغرة الغربية و الناحية الثانية بما فيها الكتيبة الثالثة من الفيلق الرابع من الثغرة الوسطى والناحية الخامسة والكتيبة المختلطة من الثغرة الشرقية وتولت الدبابات والمدفعية أمر القواعد المحاذية للمعركة على الجانبين.
ومباشرة بدأ الاجتياح وإشتعلت تلك المنطقة بشكل كامل وتعالت أعمدة الدخان حتى حجبت السماء وعلى الأرض كانت مشاهد الجنود المغاربة القتلى تسد النظر, وبعد ساعة من القتال الضاري سقطت كل تلك القواعد ونقاط الإسناد واحدة تلو الأخرى وتم احتلالها بالكامل.
وعلى الفور نفذ الجنود المغاربة تلك الإستراتيجية التي يتقنونها جيدا عندما يتأكدون من الهزيمة, لقد بدؤوا بالفرار نحو أعماق الحزام حتى قبل أن يصل المهاجمون وتناسوا تماما أمر تلك المجموعة الصغيرة التي كانوا يحاولون أسرها.
بدأت عملية المطاردة والتوغل في أعماق العدو وهناك كان عشرات الجنود المغاربة يهيمون على وجوههم وأغلبهم بدون أسلحة , كان الذعر قد أنساهم أسلحتهم وتم إصطيادهم في ذلك الصباح البارد.
وبعد أن تمت السيطرة بشكل كامل على جبهة المعركة حاولت الطائرات المغربية التدخل ولكنها وبشكل مفاجئ إنخفضت الى أدني مستويات التحليق وفرت بإتجاه الشمال دون أن تصنع شيئا وعرفنا حينها أن صواريخ سام 6 التي ترعب الطيارين المغاربة قد تدخلت أيضا وهذا يعني أن تحليق الطائرات فوق تلك المنطقة غير وارد إطلاقا.
قبل مغيب شمس ذلك اليوم وأثناء جمع الغنائم لفت إنتباهنا صندوق حديدي صغير يستخدم في العادة كمخزن لذخيرة رشاش 12,7 ملم, ويستعمله الجنود المغاربة لحفظ أغراضهم الثمينة,كان قد وضع عليه قفل صغير أصفر وبعد فتحه وجدنا فيه بعض الوثائق الشخصية ورتبة عسكرية ورزمة كبيرة من الدرهم المغربي, ويبدو أن رفيقي لم يجد ما كان يبحث عنه فقد إرتسمت علامات خيبة الأمل على وجهه ثم أغلق الصندوق ورماه في شاحنة جمع الغنائم بكل بساطة, كان رفيقي يتوقع أن يجد بعض علب سجائر وينستون أو على الأقل ولاعة نستخدمها في إشعال النار,فلم تكن رزم المال المغربي تعني لنا أكثر من مجرد أوراق تحمل صور ملوك المغرب وطبعا كانت علبة من سجائر وينستون أكثر أهمية في نظر الشباب من بعض الأوراق المالية التي لم تكن تعني لنا شيئا.
في مساء ذلك اليوم كنا متعبين جدا وكالعادة جلست المجموعة حول أواني الشاي وجاء أحدهم بجهاز الراديو الوحيد في الفصيلة, والذي لا يحتاج إلى وقت للبحث عن المحطات فهو في أغلب الحالات مثبت على تردد الإذاعة الوطنية, وبعد قليل صدحت الموسيقى العسكرية معلنة تباشير النصر الجديد, ووسط الصمت والترقب قرأ المذيع البلاغ العسكري التالي:
خاض مقاتلوا جيش التحرير الشعبي الصحراوي فجر يوم الاربعاء 25 فبراير 1987 في منطقة أم لگطة قطاع الفرسية معركة ضارية من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة الحادية عشرة,وتم احتلال جبهة طولها 30 كلم وبعد ذلك تم التوغل في أعماق العدو ومطاردة فلوله الهاربة الى مسافة 15 كلم خلف دفاعاته,حيث تم احتلال عدة مراكز قيادية كما تم تدمير البطارية الخامسة من الفرقة الثالثة للمدفعية الملكية المسلحة بمدافع 155 ملم ذاتية الحركة,وقد تمت تصفية كل المراكز واحدا بعد الآخر واحتلالها لمدة ثلاث ساعات.
وقد حاول العدو إنقاذ الموقف بالزج بأربعة نجدات متفاوتة لكن تمت مطاردتها كلها في جو من الفوضى والهلع كما حاول الاستنجاد بقواته الجوية بمختلف أنواعها دون تحقيق أي هدف,وكانت نتائج هذه المعركة كما يلي:
– تدميرالمواقع والنقاط على طول الجبهة.
– قتل 213 جنديا وضابطا غازيا.
– جرح العديد من الجنود والضباط.
– حرق وسائل العدو التالية:
– 02 مدفع ميدان عيار 155 ملم ذاتي الحركة من صنع فرنسي.
-07 دبابات SK 105 ملم.
– 09 مصفحات AML 90.
-05 ناقلات جنود مصفحة 113 M.
-06 هاونات 120 ملم .
-07 هاونات 81 ملم.
-11 هاون 60 ملم.
06 قواعد لاطلاق صواريخ من نوع DRAGON
-12 قاعدة اطلاق صواريخ MILAN.
-09 مدافع 75 ملم عديم الارتداد.
-04 SBG9.
-05 رشاشات 23 ملم.
-10 رشاشات 14,5 ملم.
-17 رشاش متوسط عيار 12,7 ملم.
– أكثر من 30 رشاشا خفيفا.
-11 مخزن للذخيرة.
-04 محطات للوقود.
-03 مخازن للمياه.
-05 شاحنات من نوع GMC
-03شاحنات OLIMONG.
-07 سيارات من نوع TOYOTA.
-08 سيارات LANDROVER.
-03 شاحنات صهريج MAGERES.
-02 رافعة MAGERES.
– أعداد ضخمة من الاسلحة الفردية والمؤن والملابس.
– بطارية 105 ملم.
-01 عربة من نوع PRASON 122 ملم.
– تحطيم رادار.
– تحطيم مركز للاشارة.
وغنم المقاتلون الصحراويون وسائل العدو ومعداته التالية:
-01 مدفع ميدان عيار 155 ملم F3 ,ذاتي الحركة.وتوابعه.
– مصفحة AML 90.
– 03 رشاشات عيار 14,5 ملم.
– رشاش عيار 23 ملم.
– هاون 120 ملم.
– مدفع 75 ملم.
– مدفع SBG 9.
– هاون 81 ملم.
-05 هاونات 60 ملم.
-09 رشاشات 12.7 ملم.
-08 رشاشات من نوع ماك.
-05 قاذفات للصواريخ RBG 7.
-06 رشاشات BKMS.
-81 بندقية من نوع فال.
-41 بندقية من نوع اكلاشينكوف.
-15 جهاز ارسال واستقبال.
-05 هواتف ميدان.
-02 بندقية مات 49.
-07 صواريخ من نوع MILAN .
-05 صواريخ م,د DRAGON.
-01 شاحنة صهريج.
-02 سيارة TOYOTA.
– شاحنة من نوع OLIMONG.
-04 سيارات LANDROVER.
– أعداد ضخمة من مواسير الاسلحة وقواعد حملها.
– أعداد ضخمة من الالغام واطنان من الذخيرة والقنابل.
– كما تم غنم ادارات كاملة تحتوي على أعداد ضخمة من الوثائق الهامة,وأطنان من المؤن والأثاث.
وأسر المقاتلون خلال هذه الملحمة البطولية 83 جنديا وضابط صف من بينهم ملازم أول يدعى: عبد الجبار محمد, قائد البطارية الخامسة من الفرقة الثالثة للمدفعية الملكية,ومن بينهم كذلك 27 ضابط صف.
وبعد نهاية البلاغ مباشرة تنفست تلك المجموعة الصعداء, لقد كانت النتائج في مستوى التضحيات التي قدمت ,وعلى ضوء القنديل الزيتي الصغير إرتسم شبح إبتسامة على وجه قائد الجماعة وهو يردد (ما يغبا دين أوراه أرجال).
وفي صباح اليوم الموالي 26 فبراير 1987 كان الصحراويون يطلقون العنان لأفراحهم في ولاية آوسرد بعد وصول أنباء هذا النصر الساحق.
ومباشرة من ميدان المعركة تم نقل الأسرى والغنائم إلى تلك الولاية التي تستعد لإحتضان الذكرى الحادية عشر لإعلان الجمهورية وتمكنت الوفود الأجنبية والصحافة الدولية المشاركة في الحدث مساء يوم 27فبراير 1987 من معاينة عشرات الأسرى وأطنان الأسلحة والذخائر التي تم الاستيلاء عليها في معركة أم لݣطة التاريخية.
وبعد أيام كان أحد الشعراء الوطنيين ينشد عبر أمواج الإذاعة الوطنية قصيدة مطلعها:
خمس وعشرين ألا أمنين…………………………أكلاش أحم زنادها
جات أثلاث واثمانين ……………………………….أسير أمع عتادها.
يتبع….الجزء الرابع..معركة تشلة.

تعليق واحد

  1. احييك مجددا ايها المقاتل الزميل الصحفي حمدي ميارة على هذا اللفتة على التاريخ الحربي البطولي لثورة ٢٠ ماي المجيدة بقيادة الجبهة الشعبية
    لا زلت اتذكر في طفولتى عندما سمعت اخبار هذه المعركة التاريخية وقتها بثت الاذاعة الوطنية تسجيلا صوتيا لمعركة ام لقطة او عملية ٢٥ الضارية والتى دارة رحاها بين جيش التحرير الشعبي الصحراوي و جحافل قوات نظام التوسع المغربي يوم ٢٥ فبراير من عام ٧٨ في ام لطقة داخل قطاع الفرسية و قتها كانت روحي تكاد تطيير منى شعاعا نشوتا من صوت لعلعة الرصاص و دوي القذائف وهتاف المقاتلون الصناديد الله اكبر اخلاو اخلاو
    لا زلت اذكر ذلك العمل الغنائي الخالد الذي اداه المرحوم الفنان الشيخ ولد احميادة بعد المعركة بيومين اثناء الاحتفلات بالذكري الحادية عشر لإعلان الجمهورية بالعيون ,:
    خمسة وعشرين من اثنين ظلت لحرايق مقدية
    من طرفنا في المعتدي داخل قطاع الفرسية
    يا الحسن عن فكرة لرباط في الصحراء ماهي مجدية
    ايا ايا ايا ايا
    كانت الجماهير تردد اياياا مع الفنان والهتاف يملي الفضاء
    يا الله على تلك السنوات مضت كشئ كان