الرياض و الرباط…خلفيات أخرى لإصطدام الحلفاء.

بقلم: الشيخ لكبير مصطفى سيدالبشير
إختلفت قراءات الراي العام الوطني و نظيره الدولي و تعددت، حول الأزمة السعودية ـ المغربية، كل له من رؤيته أهداف يريد بلوغها أو تراكمية تطورات يرى أنها عجلت الإصطدام، و بتتبع سلسلة الأحداث و تطوراتها ستتضح رؤية عمق الخلاف و أسباب التباعد بين المملكتين.
تعدد الأزمات الصامتة:
1 ـ الذمة المغربية، لمن يدفع أكثر: تعتمد بنية المملكة المغربية المالية في موازنتها السنوية كثيرا على عائدات المملكة من تجارة المخدرات علاوة عن الدعم المالي الخارجي الذي تتلقاه سنويا و أساسا من فرنسا و دول الخليج، التي يفسر سخاءها على أنه حماية لحليفها المغربي من حراك داخلي قد يعصف بالقصر و سياستها المؤيدة عادتا و الداعمة لتوجه الخليحي، بينما هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك و ربط الدعم المالي الخليجي بشراء مواقف المغرب من أي توجه مستقبلي قد تقدم عليه دول الخليج العربي.
و مع بداية موجة ما يصطلح عليه الربيع العربي، قررت دول الخليج توفير مساعدة مالية للمغرب، تصل الـ5 مليارات دولار بهدف تغطية عجز الموازنة السنوية المغربية، و تم الاتفاق على إنفاقها بين 2012 و 2016 حسب رؤية المغرب الاقتصادية، ولكن وفقا لحسابات الخزينة المغربية بنهاية عام 2018، فإن قطر والكويت هما الدولتان التي إلتزمتا بمنح الدعم المخصص للمغرب من خلال دفع مبلغ 1.25 مليار دولار لكل منهما، في حين تخلفت السعودية عن الوفاء بوعودها المالية و لم تدفع غير 868 مليون دولار، و هو الأمر الذي جعل التقارب المغربي القطري يتضح على حساب العلاقة السعودية المغربية.
2 ـ الملف المغربي لمونديال 2026: كشفت لحظة التصويت على مستضيف نسخة 2026 من كأس العالم، إختلاف مغربي سعودي كبير بعد أن أختارت الرياض دعم الملف الثلاثي أمريكا، المكسيك و كندا، و بررت موقفها بأن دعوة الدعم تلقتها من الثلاثي قبل الرباط، علاوة عن تطابق الرؤية الاستراتيجة السعودية 2030 في شقها الرياضي مع تصور من دعمتهم، و هو الموقف الذي أشعل حفيظت المغرب إلى حد إعتباره خيانة سعودية لحليفها، فجاء الرد المغربي بلا تحفظ من خلال إتصال هاتفي أعلن عنه القصر الملكي المغربي ربط محمد السادس بأمير دولة قطر تميم بن حمد، عبر له الأول عن خالص شكر لقطر على الدعم.
و يبقى الملفت للإنتباه في الرد المغربي، هو أن القصر لم يكشف عن إتصال الملك المغربي إلا بأمير قطر تميم بن حمد عقب التصويت، في وقت أن المغرب حصل على دعم 65 عضو و هو الأمر الذي يفهم بوضوح على أنها رسالة موجهة للنظام السعودي، الذي كشف فيما بعد عن موقفه من الخطوة على للسان تركي ال شيخ رئيس إدارة الهيئة العامة للرياضة السعودية أنذاك عبر منصة التويتر على أن موقف السعودية في التصويت هو ثمن للإنحياز المغربي في الاوانة الأخير إلى “الدويلة” على حد وصفه.
3 ـ التخلي المغربي عن السعودية في قضية خاشقجي: لم يشفع الخناق الذي شددته تركيا و الدول الغربية على المملكة العربية السعودية في قضية إغتيال جمال خاشقجي عند المغرب الذي كان إلى زمن قريب أحد أذرعها الدائمة و المضمونة، و موقفها ثابتة من كل السياسات السعودية “دعم…تأييد”، و لكن بعد برودة العلاقة في الأوينة الأخيرة، إختارت الرباط أن تجعل صمتها “موقفا” خوفا من غضب باريس و إرضاءا لرياض، و تجنبا للإصطدام مع تركيا و حليفتها قطر.
مبررات المغرب في إلتزامه الصمت من قضية خاشقجي ليست مرتبطة فقط بالحفاظ على مصالحه الخارجية و حسب بل هناك مبررات داخلية ألزمته “حياد الصمت” حسب ما كشفت عنه جريدة The New York Times الأمريكية ، التي ذكرت أن الصمت المغربي جاءا خوفا من النبش في ماضي النظام المغربي في تصفية معارضيه، على شاكلت خاشقجي و إستدلت في تحليلها بإغتيال المهدي بن بركة الذي تم تصفيته في فونتني لو فيكونت شمال فرنسا أواخر أكتوبر1965 من طرف نظام الحسن الثاني.
و كخطوة لإنتزاع موقف من الرباط يدعم الرياض، حل وزير الداخلية السعودي نايف بن عبدالعزيز في المغرب في الـ10 أكتوبر2018 بحثا عن جديد يخفف الضغط على بلاده، فجمعته اللقاءات في القصر بمحمد السادس و في الرباط بمسؤولين حكوميين وازنين، إلا أن الوزير عاد إلى بلاده بدون موقف معلن ولا رسمي من قضية خاشقجي، نتيجة جعلت النظام السعودي يعيد النظر في ترتيب قائمة حلفائه في منطقة شمال إفريقيا، و هو ما دعمه إستثناء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للمغرب في زيارته الأخيرة التي شملت الجزائر، موريتانيا و تونس و مصر.
ماذا عن زيارة نتنياهو إلى المغرب؟
قد يقول قائل، السعودية لم تعد تكترث إلى العلاقات الإسرائيلية بالعالم العربي و الإسلامي، و اصبح توجهها منصب أساسا على الحد من المد الإيراني الشيعي و مواجهته، لا أختلف أبدا مع أصحاب هذا الرأي، لكني لست متفق مع من يجعل الرأي كله محصور في الرؤية السالفة.
حصر التوجه السعودي أمر صعب نظر لتعقد السياسة التي تحكم المملكة، من جهة و من أخرى تسارع الأحداث و تعددها في الأوينة الأخيرة، إلا أن السعودية تحاول أن تجعل من نفسها قاطرة للعالمين العربي و الإسلامي، مكانة تفرض عليها أن تكون حاسمة في علاقاتها المعلنة “لا أقول السرية” مع كل من يحاول ربط جسر علاقة أو تعاون مع أيران و إسرائيل…و لعل بكشف بعد الوسائط الإعلامية الإسرائيلية عن زيارة مرتقبة سيقوم بها نتنياهو في مارس المقبل إلى المغرب، ستحاول السعودية إستباق الأحداث و التهرب من العلاقة مع المغرب و لو مؤقتا حتى تتخطى عاصفة الزيارة و بهذا تبرئ ذمتها من علاقتها مع الرباط في وجود علاقة علانية للأخيرة مع تل أبيب.
مصير الأمير السعودي تركي بن بندر.
أثارت جريدة لوموند الفرنسية، موضوع الاختفاءات التي مرست على أمراء و شخصيات سعودية تعارض النظام، تزامنا و إغتيال الإعلامي جمال خاشقجي، و أوردت إسم بن بندر ضمن المعارضين المختفيين، و ذكرت أنه تم إلقاء القبض عليه في المغرب و ترحيله سرا إلى السعودية، أمر جعل الرباط محرجة أمام إنتشار الخبر و الكشف عنه، موقف كانت تنتظر المغرب فيه عون من السعودية، فإلتزمت الأخيرة الصمت و لم تنفي صحة الخبر، أمر فرض على الدولة المغربية مواجهة الضغط المتزايد و الكشف عن صحة الخبر أو تفنيده، فأصدرت وزارة العدل المغربية بيان حول الحادثة جاء فيه: أن المسؤول السعودي “المطلوب من الإنتربول” تم ترحيله إلى السعودية في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وشددت الوزارة على أن جميع عمليات الترحيل “ترتكز دائما على قرار قضائي، طبقا للقواعد الدولية وفي إطار الاحترام التام للتشريع الوطني الضامن للحقوق والحريات الأساسية لجميع المتقاضين”
ولعل القراءة التي نستخلصها من هذا الموقف أن المغرب حاول من خلال خطوة الخروج للعلن، تبرئية نفسه من الشراكة في إختفاء الأمير و المسؤول السابق في جهاز الشرطة السعودية تركي بن بندر، و لكن ما جهله المغرب أن أمر تسليم الأمير السعودي لسلطات بلاده لم تراسل به الجهة التي إعتمدتها الرباط كمرجعية قانونية تستند عليها خطوة إلغاء القبض ثم التسليم و هي الإنتربول، أمر قد يعصف بمحاولة تملص المغرب من المسؤولية التي يريد التهرب منها رغم وجود أثر في خيوط القضية لأيداه الملوثة .
الخلاف أكبر من “مقابلة الجزيرة” و “تقرير العربية”
تصدع أرضية العلاقات بين المملكتين، ليس وليد “مقابلة الجزيرة” ولا “تقرير العربية” بل كان حبيس فواتير و مواقف لا تخرج عن قصور المماليك و لا عن مكاتب كبار المسؤولين، و لكن تراكمية المتغيرات التي مزجت بين الشعبي و الرسمي من ناحية و من أخرى جمعت بين الأمني المخابراتي و المالي السياسي، فكان ثقل المستجدات أعمق من قوة العلاقات، واقع عجل بتهاوي الأخيرة متأثرة بالأولى.
المقابلة و التقرير جاءا كنتاج معلن و مكشوف عن الخبايا التي تم التستر عليها و طال التستر دون وجود تطور. بوريطة و في ضيافة الجزيرة كشف عن التموقع المغربي الرسمي “الحديث”، و هي الخطوة التي لم يكن ينقصها سواء “الإعلان”، لانها ببساطة استكملت شروط التوجه:الانسحاب العسكري من الحرب في اليمن، و الغياب عن إجتماعات التحالف، إضافة إلى التغير المستجد على الموقف المغربي في الأزمة الخليجية، من وسيط فيها إلى منحازأكثر لقطر.
التموقف الرسمي الجديد و المعلن لرباط، كان محل بحث من قبل الرياض، حتى يكون الصاع صاعين، و الظاهر أن ملف الرد كان جاهز و مدروس، و يعطى إعتبار وازن لظرفية الرد و وسيلته، كيف لا يكون كذلك و السعودية تعد من كبار الدول التي واكبت علاقاتها تحول الحكم في المغرب و إنتقاله بين الأب و إبنه، فأكسبها ذلك معرفة جيدة بكواليس القصر و السياسة في المغرب، مما جعلها تستحوذ على كم معتبر من المعطيات حول نقاط الضعف المغربي و أوراق الضغط عليه، فإختارت أن تكون”الرسالة الأولى” التي تبعث بها إلى المغرب هي “التموقف الإعلامي” من قضية الصحراء الغربية، و تغييب الموقف الرسمي من النزاع الصحراوي المغربي في ظل التقارب المغربي القطري “المستجد”، و لعل النظام السعودي في رسالته الأولى قد دس للمغرب السم في العسل و أمهله فترة زمنية لمراجعة الإصطفاف و التموقف من “الأزمة الخليجية” قبل أن ينتقل الموقف السعودي من ورقة الإعلام و الصحافة إلى تأييد حق الشعب الصحراوي و نصرته، و هو بالضبط ما بدأ المغرب يترجمه واقعيا خوفا من الخطوة الثانية، فاستدعى سفيره في الرياض مصطفى المنصوري الذي حاول التخفيف من حدة الخلاف معتبره “سحابة عابرة” إضافة إلى إستدعاء السفير المنصوري تم توبيخ الوزير بوريطة و هو في قمة أديس بابا حسب موقع 60Min المغربي الذي ذكر أن جهات عليا و وازنة صبت غضبها على الوزير بسبب تصريحاته حول الأزمة المغربية السعودية مما تسبب له في إنهيار نفسي و عصبي، في إشارة من الرباط إلى الشروع في سحب البساط في من وزير خارجيتها ناصر بوريطة، ليكون بذلك بمثابة الوزير “كبش الفداء” ثمنا لإعادة العلاقة مع الحليف التقليدي.
و على الرغم من المعطيات السالفة و ما وصلت له علاقات الثنائي من تنافر، يظل الذي يجمع السعودية بالمغرب و المغرب بالسعودية، أكبر و أكثر من ذاك الذي قد يفرقهما نظيرة حاجة كل منهما للاخر، مؤشر قد يدلنا على أن القطيعة إن صحت ستؤجل إلى ظروف ليست هذه التي نعيش على وقعها.

 

2 تعليقان

  1. تحليل يحتاج إلى الحيادية المفقودة في بعض مضامينه،يجانب المنطق والواقع و يلامس أكثر المتمنيات و الخواطر .
    تحليل لم يخرج عن ترهات التحريرات السطحية المنتشرة هنا و هناك.
    ما هكذا تساق الإبل لطمأنة الهاموش وفق تعبير الكاتب و الصحفي سمير كرم .

  2. عباس عبد الله

    كل المعلومات التي ذكرت هنا سليمة ، ويمكن أن تُؤخذ كمؤشر على تدهور العلاقة
    بين النظامين ، وما يُلاحظ هو خوف المملكة المغربية من اتساع الخرق بينها وبين
    السعودية فبادرت بتلطيف الجو ، وخفض نبرة الملاسنة ، ونشر ما يُفهم منه ان العلاقة
    طبيعية ، وأن السفير المغربي لم يُستدع للتشاور ، كل ذلك يُدرج في خانة رضوخ المغرب
    وقبوله بسياسة الأمر الواقع إزاء السعودية ، لكن مجرد إذاعة مقال العربية فيه تهديد صارم
    وإشهار مفيد للقضية الصحراوية ، بمعنى أننا نعرف أنك معتدٍ وسكتنا عنك مجاملة ، فلا تتعدى
    الحدود المرسومة لك ، وما عليك الا أن تخنس ، وتلزم حجمك ، هذا هو مضمون رسالة السعودية
    كما فهمتها .
    تحيتي الى الشيخ لكبير مصطفى سيدالبشير، عاش شعبنا النبيل في الصحراء الغرية