أسرى سقطوا “قصدا” من ذاكرة القادة .

بقلم : النخ محمد بدا.
بعد توقيع إتفاقية السلام بين السلطات الصحراوية تحت قيادة جبهة البوليساريو و النظام الموريتاني سبعينيات القرن الماضي، سارع الطرفان إلى تبادل إطلاق الأسرى لدى الطرفين. عملية تبادل الأسرى هذه لم تتم بشكل رسمي أو على يد الصليب الأحمر الدولي لإعتبار أن الحرب كانت بين أشقاء، فقد كان الهدف الظاهر هو طي تلك الصفحة السوداء في أسرع وقت ممكن و إلى الأبد.
هكذا، تمت عملية إطلاق سراح الأسرى الصحراويين على دفعات. و بما أن الحرب ضد المحتل المغربي كانت في أوجها فيما عرف تاريخيا ب “هجمة هواري بومدين”، كانت دفعات الأسرى الذين يتم إطلاق سراحهم لا يمنحون سوى عطلة أسبوع واحد لا غير للقاء عائلاتهم و ذويهم ثم الإلتحاق بجبهات القتال مباشرة.
في تلك الظروف المتميزة بالعمل الهجومي الشامل الذي تطلب توظيف كل طاقتنا البشرية تم طي صفحة الأسرى لدى موريتانيا على عجل و في غفلة من الزمن وكأن شيئاً لم يحدث، بل و كأنه لم يكن هناك رجال قضوا في زنازن السجون الموريتانية و آخرون عانوا أبشع صنوف العذاب و المعاناة. استمر الأمر على هذه الحال حتى شاء القدر أن يطلق سراح الأسرى الذين كانوا في سجون المحتل المغربي، ولأن الظروف تغيرت و وسادت ظروف سلم نسبي (بل ظن البعض أن السراب قد يكون يوماََ ما ماءََ) أقيمت منابر جماهيرية احتفالية ضخمة لإستقبال أسرانا الأبطال ، وهم لعمري لذلك أهل، – نؤكد على ذلك حتى لا يظن بنا ضغينة على رفاق السلاح و الأسر- .
لكن بمجرد إنتهاء تلك الإحتفالات برزت إلى السطح تساؤلات و إستفسارات لدى قطاع واسع من الرأي العام الوطني تستدعي وضع أسرى الحرب في موريتانيا الذين لم يحظوا بما حظي به رفاقهم الذين أطلق سراحهم من السجون المغربية من إستقبالات بهيجة تليق بهم و إمتيازات يستحقونها. عندها تفتق ذهن بعض الذين يعتبرون أنفسهم (مخططين إستراتجيين) عن تبريرات مفادها أن الأسرى الذين كانوا في السجون الموريتانية لم يكونوا كلهم مقاتلون، فقد كان من بينهم مدنيون، و يعتبر أن الحكمة تقتقضي أن نضرب صفحا عن تلك المرحلة و أحداثها و رجالاتها، و هي حكمة يفرضها حرصنا على عدم فتح جراح الماضي! و التبرير هنا لا يعدو كونه عذر سمج أقبح من ذنب التجاهل و التنكر لتضحيات أبنائنا.
متجاهلين أن القوات الداداهية لما ألقت القبض على رجالنا لم تفرق بين مقاتل و مدني، فيكفيها أنهم صحراويين و عاملتهم تلك القوات نفس المعاملة المهينة.
بعد مرور سنين يستمر النظام الصحراوي في تجاهل وضع أسرى الحرب السابقين في موريتانيا -.أو بالأحرى من تبقى منهم – و يستمر في تحاشى الحديث عن الموضوع ما أمكنه ذلك، و أحياناً يرفض حتى الحديث عن هذه الشريحة التي لم يبق منها على قيد الحياة إلا القلة القليلة، لأن من لم يلق حتفه في السجون سقط مضرجاََ بدمه الزكي في ساحة الوغى في مواجهة القوات المغربية لاحقا، و آخرون قضوا متأثرين بجراحهم و بأمراض عضال من تأثيرات الأسر و السجن. قلت، ظل النظام الصحراوي يتفادى الحديث عن هؤلاء الأسرى و كأنهم فضيحة يجب أن توارى الثراء، و كل جريرتهم أنهم فتية آمنوا بقضية شعبهم حتى النخاع و بذلوا أنفسهم في سبيل ما آمنوا به.
و اليوم نكاد نجد هذه الحقبة من تاريخنا نسياََ منسيا بسبب إصرار مقصود و مستمر من لدن من بيدهم الأمر على “وأد” صفحة الأسر و السجن في موريتانيا فلا ذكر لأمجادهم و لا حقوق.
تاريخهم و تضحياتهم كانت إذن مجرد “غلطة محرجة” حدثت على حين غفلة من التاريخ و وجب ، و الحال هذه، إنتزاع الورقة من كتاب تاريخ الثورة و حرقها ثم رمي رمادها في مهب رياح النسيان لحرمان الأجيال القادمة من معرفة هذا الفصل من سفر الثورة الصحراية المجيدية. الصمت عن هذا التجاهل يقتل شهداء هذه المجموعة أكثر من مرة و يقض مضاجعهم في القبور.
ولو تواطأنا على الصمت فإننا سنشارك في “اغتيال” تضحياتهم و تسخيفها، سنشارك في إهمال وضع عائلاتهم و أبنائهم و سنشارك في استغباء من بقي منهم على قيد الحياة لنزيدهم حسرة على حسرة.

أعذروني فلم يعد بالإمكان الصمت على جريمة مكتملة الأركان ترتكب في حق أبناء بررة من هذا الشعب اقتحموا خطوط النار دفاعا عن كرامتنا و حريتنا ولم يدر في خلدهم يوما أن نظامنا سيكون أول من يتنكر لتضحياتهم.
و من نافلة القول التأكيد على أن فتح صفحة الأسرى الصحراويين في سجون موريتانيا، زمن حرب الأشقاء، إنما القصد منه إعادة الإعتبار لهم و لتاريخ ثورتنا الخالد، وليس هدفه أبدا فتح جراح الماضي ولا حتى التذكير بحرب دارت بين أبناء الشعب الواحد في البلدين الشقيقين.
عيب الدار على من بقى في الدار.

3 تعليقات

  1. حبذا لو ان كاتبنا أشار الى سجناء الشباب الموريتاني الذي جاء لنصرة قضيتكم ما هو مصيرهم؟وتأكد ان كل المقاتلين والمدافعين على قضيتهم مصيرهم هو النسيان والموت تحت وطأت الامراض والماسي ويبقى الخونة يحتفلون بعيد استشهادهم او انتقاهم الى رحمة الله .

  2. ابالحبيب

    لا فض فوك و انت احد هؤلاء الأسرى الابطال بل و اصغرهم سنا. هناك من يريد ان يظهر من تاريخنا جزء واحد فقط و يتجاهل انجازات رجال عظماء لم يتكلموا يوما و فضلوا الصمت بل ان بعضهم رحل و لم يكلف اي من القادة نفسه مجرد واجب العزاء. العيب على من بقي فلنخلد مآثر هؤلاء الابطال و اعلن لك اخي ان قلمي رهن اشاراتكم للكتابة عنهم.

  3. الأسير الصحراوي في حرب موريتانيا كالشهيد في حربها لاينبقي ان نتشدق لشهداء الحرب الموريتانية ولا سنتعرف بالاسير الصحراوي في حرب موريتانيا ولا حتى بحقوقه تجاه الدولة و من هذا المنطلق يجب مراعات الموضوع بجدية والا لا شهيد ولا تسير وحتى الحرب.

%d مدونون معجبون بهذه: