بعض من فيض الخليل.

بقلم : ابالحبيب باهيه بوزيد.
ما احلى ان تكتب صادقا عما يختلج في الوجدان، و ما اصعب ان تُحَمِّل اسطرا معدودات معانٍ كبيرة تحاول جاهدا من خلالها ان تفي رجالا عظماء و لو نزراً يسيراً من حقهم علينا من التذكر و العرفان و التبجيل . اولئك الذين قضوا على العهد فما استكانوا و ما هانوا و ما وهنوا حتى اتاهم الاجل المحتوم.
تتيه الكلمات و تتلعثم العبارات فلا تملك مزن العبرات الا ان تنهمر لفقدانهم، فكم من ذي جاه و سلطان شغل الناس قد طواه الثرى فنُسِّي و طُوي ذكراه، و كم من بسيط قد رحل فملأت الدنيا مآثره فبقي خالدا بطيب ذكراه.
مرت سنوات على رحيل الخليل سيد امحمد ـ رحمه الله ، تاركا وراءه فراغا لم يقوَ اي كان على سده، رحل خليل الشعب البسيط المتواضع المتفاني بعد رحلة عمر ملئية بالعطاء للقضية.
لم يكن الخليل انسانا عاديا و لا شخصا منعما ميسورا بل كان و منذ نعومة اظافره مختلفا عن اقرانه متفوقا متسامحا جلدا صبورا، ذاق مرارة شظف العيش و صعوبات و تقلبات ظروف الحياة و مع ذلك ظل الاجدر و الاقوى، ادار ظهره للدنيا فأَتت و جثت عند قدميه اذ عُرضت عليه المناصب الرفيعة و الاغراءات الجزيلة في ريعان شبابه فرفضها و ابى الا ان يختار المبدأ و ان ينحاز للشعب و للقضية التي آمن بها و سخر لها فكره المتقد و عبقريته الفذة و جهده الذي حمَّله فوق ما يطيق دون مراء او تكلف او كبر..
اخلص الخليل للشعب الذي كان يراه شعبا فريدا كريما سمحا لا عيب فيه، فظل لصيقا به قريبا منه متفقدا لاحواله يحس بالامه و يقض مضجعه و تسهده اوضاعه، يستمع و يحاور الكبير و الشاب و المرأة و المقاتل و المعلم …. فاحبه الشعب و قدره و انقاد له الاطار كما المواطن فكان يكفي ان يقال ذكر الخليل او اقترح الخليل او دافع الخليل عن اي موضوع او طرح حتى يلقى الرواج و القبول.
اعطى الخليل قيمة فريدة لنفسه بالترفع عن الصغائر و الانزلاق او السقوط تحت اي مؤثر في اوحال الواقع و ضغوطاته واكراهاته محاولا غرس ذلك فينا فعزز قيم و معنى ان يكون احدهم ابن شهيد او مقاتل صنديد او جريح او ان يكون ممن تعرض للسجون و التعذيب في الارض المحتلة او مناضلا هناك او صحراوي بالمهجراو بالجاليات يقوم بواجبه الوطني او امينا سياسيا رافق بناء التجربة او معلما ربى الاجيال او ممرضا او عاملا او عريفة عانت الامرين و خدمت الثورة او منميا بالريف جاد بالمال ، لم يترك الخليل اي من ابناء هذا الشعب الا و ثمّن عطاءه و طالبه بالمزيد و بالاستمرار وعَرَّف به و طالب ابناءه او احفاده بذلك.
سبق الخليل زمانه فاستشرف القادم و دفع باتجاه بناء تنظيم قوي كفيل بتحقيق المشروع الوطني الصحراوي تاركا بصماته في بناء المؤسسات و في العمل الخلاق المبدع الذي لا يعرف العجز و لا الاستسلام اليه سبيلا، مد جسور التلاقي النضالي الخالص بين اطراف الجسد المشتت عبر مختلف مناطق تواجداته فبعث الامل و استنهض الهمم و شدّ الاعناق الى الاعلى.. الى تحقيق الغايات الوطنية الكبرى .
بنى الخليل مدرسة قل لها نظير منهاجها القدوة و الصبر و القدرة على التحليل و الاستشراف و القوة و الايمان بتذليل الصعاب و قهر المستحيل و بناء الذات المطلعة المثقفة و ارسى نهجا قوامه الصدق و مؤامة القول للفعل و معينه حفظ العهد و رعاية الامانة و زاده الاخلاص .
بصوته الاجش و بابتسامته العريضة و رحابة صدره المفتوح ، بصفاء سريرته، بنقاء يده و نُبل نواياه، بقدرته العجيبة على الاقناع و بتواضعه و بساطته نال الخليل مجد العلا و استحق لقب اطار المشروع الوطني ـ كما قال غاضبا ذات يوم لاحدهم عاتبه بان ينزل للواقع ” لن اكون الا اطارا للمشروع الوطني لن اكون من اطارات لحمادة”ـ فاحبه الشعب و بكاه و لا يزال يبكيه، و يبقى المؤلم الامًّر اننا افتقدناه في زمن نحن احوج ما نكون اليه و لامثاله من ابناء و بنات هذا الشعب الولود ، و ما اصدق قول الشاعر حين يقول :
سيذكرني قومي ان جدّ جدُّهم و في الليلة الظلماء يفتقد البدر
كان الخليل و غيره من الاخيار بدورا تُزِّين سماء دارنا هذه الفانية فرحلوا و بقينا نحن و الدهماء في الدار .. فهل من بدور … رجاءا فتشوا فما احوجنا اليهم الآن و في قادم الايام.
رحم الله الخليل و جميع الشهداء و اسكنهم فسيح الجنان .

%d مدونون معجبون بهذه: