هل تتدارك قيادة البوليساريو فخ المخيمات وتعود إلى الميدان؟

تُعد إدارة المناطق السكنية من أصعب المهام التي تواجه الحركات التحررية كونها مخالفة للعقيدة التي أنشئت من أجلها، وليست من إختصاص هياكلها التنظيمية، و أثبت تاريخ الثورات المسلحة أن أكبر فخ وقعت فيه بعض الحركات كان إنشغال قادتها بالمسؤوليات الداخلية و دوامة المشاكل الاجتماعية التي تختلف عن طابعهم القتالي ، ناهيك عن الاغراءات المالية التي توفرها المناصب الإدارية، ما يجعلهم عرضة للابتزاز و الضغط من الدول المانحة للمساعدات الإنسانية ، و الراغبة في مقايضة قراراتهم بتلك المساعدات او التأثير على توجهاتهم خدمةً لمصالحها مايعود سلباً على الثورة او حتى انحرافها عن أهدافها الحقيقية.
اثبتت التجارب السابقة نجاح هذه السياسة في الكثير من الثورات حول العالم و ليست التجربة الفلسطينية ببعيد، و كيف تحول نهج حركة فتح رائدة الكفاح الفلسطيني من القتال من اجل تحرير فلسطين الى مجرد سلطة مقيدة بالاتفاقات الدولة مع الكيان الصهيوني، و التورط في المشاكل المعيشية للشعب في الضفة الغربية، ما جعلها تفقد بوصلة الثورة و التحرير و تحولت الى عبء على المقاومة بتحولها الى مجرد اداة في يد الا الاحتلال، ما اثبت أن خيار المزج بين إدارة شؤون المواطنين و المقاومة المسلحة امر شبه مستحيل.
بالعودة إلى الثورة الصحراوية…
لا يخفى على احد منا نجاح العدو في توريط البوليساريو في إدارة المخيمات و مشاكلها، و الابتعاد عن دورها الذي أنشئت من أجله-تحرير الوطن- و أنشغالها عن الكفاح المسلح، و انغماس قادتها في وحل الفساد و التربح من الثورة و الصراع على المناصب، و شق الصف الوطني خدمةً لمصالحهم الشخصية، كلها أمور اثرت بالسلب على مسار الثورة الصحراوية و عمقت الشرخ بين القاعدة الشعبية و قيادة الحركة، إذ كان بالإمكان تجنب تلك الأخطاء لو تداركت الجبهة مخاطر المغامرة و احسنت التعامل مع هذه الوضعية التي أصبحت فيها الحركة بين مطرقة المشاكل الداخلية و سندان الالتزامات الدولية و الحسابات السياسية ما أفقدها الكثير من قوتها العسكرية و مكانتها الدولية و أصبحت هي الحلقة الأضعف اليوم من بين أطراف الصراع بعد ان كانت لها الكلمة الأولى في الميدان.
إلا أن الخروج من هذه الوضعية مرهون بإرادة القيادة في التخلي عن امتيازات المناصب و توفر النية الصادقة، في إستكمال مشروع الثورة الصحراوية حتى تحقيق النصر، ما اوجب البحث عن مخارج تعيد الثورة الى سكتها الصحيحة و لعلى أفضل الخطوات الاستفادة من اخطاء الماضي، و الفصل بين هياكل الحركة و ومؤسسات الدولة التي تدير شؤون المخيمات، لتتفرغ الجبهة لإعادة بنا قوتها العسكرية و تواجد قياداتها في الميدان-الاراضي المحررة- ، نتيجةً لتخلصهم من الالتزامات الداخلية و تجنب الصراعات القبلية و مشاكل المواطنات و أزمات العطش….الخ، ما يحفظ مكانتهم و بالضرورة مكانة الجبهة لدى جميع الصحراويين، مع تفعيل هيئات منتخبة مباشرةً من الشعب تدير شؤون المخيمات، وتسهر على حل انشغالات المواطنين و توفير الأمن وحل المشاكل الداخلية، تكون مجردة من الحصانة الثورية و قابلة للمحاسبة في حال الفشل او التقصير من طرف البرلمان، مع إمكانية احتفاظ قيادات الجبهة بالمناصب السيادية ،رئيس الجمهورية ،وزير الدفاع ،الخارجية.
إلا ان تحقيق هذه الخطوات يبدو بعيداً عن الواقع نظراً الى تمسك القيادة الحالية بمكاسبها الشخصية و عدم إستعدادها التخلي عن ماتحققه من وراء البقاء في هذه الوضعية ، حتى ولو كان على حساب ضياع المشروع الوطني، و زيادة معاناة الشعب الصحراوي باتباعه لمبدأ “نشرب انا ويعمل فم الحاسي يطيح”، لكن علينا جميعاً ان ندرك خطورة الاستمرار في هذا الطريق و تكلفته الباهضة، يقول المثل الشعبي “الحار مايبريه كون لي احر منو”، ما يتطلب منا توحيد جهودنا ورفع مستوى التحدي بالمزيد من الضغط على القيادة لإجبارها على تحريك المياه الراكدة، و العمل على تغيرات حقيقية في هذا الاتجاه، و الخروج من نفق لا يبدو معه نور النصر قريباً.

بقلم: محمد عالي مولود

3 تعليقات

  1. مقال في المستوى بكل المعايير. شكرًا

  2. idea exacta y verdadera

  3. نظرة استراتيجية متميزة اخي محمد عالي بعض تجاربها الناجحة
    انشا حكومة تحرير وحكومة تسير لأن العدو فعلن شغلنا بأنفسنا
    طبعا اذا لم يكن يوجد بينه تواطؤ وقيادتنا المهترئة

%d مدونون معجبون بهذه: