مقال رأي : البشير مصطفى السيد ينتحر سياسياً.

بقلم : محمد بنو.

ببالغ الحزن و الأسى بلغنا نبأ انتحار عضو الأمانة الوطنية للجبهة و وزير الواتساب و الأرض المحتلة و الجاليات الأخ البشير مصطفى السيد، الذي وضع حدا لحياته السياسية عبر تصريحات خطيرة تمس من قدسية شهداء الشعب الصحراوي، و تضرب في العمق وحدته الوطنية التي هي أم مكاسبه و صمام أمان تماسكه و تلاحمه ضد كل الأطماع التوسعية و القوى الرجعية التي تستهدف مشروعه الوطني. و بهذه المناسبة الأليمة نتقدم بأحر التعازي و أطيب المواساة إلى كافة مناضلي و مناضلات الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و واد الذهب، و إلى كل المواطنين الصحراويين أينما تواجدوا، راجين من العلي القدير أن يلهمنا جميعا الصبر و السلوان، و إنا لله و إنا إليه راجعون.
بعد استشهاد الولي مصطفى السيد، حاول البشير جاهدا، بكل ما أوتي من قوة، و بكل الوسائل المشروعة و غير المشروعة أن يتخذ من إرث أخيه الفكري و السياسي، كمنظر و قائد لثورة 20 ماي الخالدة، ملكا شخصيا لا يحق لأي كان منازعته فيه، معتبرا نفسه الوارث الشرعي و الوحيد لجزء من تاريخ شعب بأكمله. بل سولت له نفسه الذهاب أبعد من ذلك محاولا فرض وصايته على المشروع الوطني الصحراوي برمته.
لقد شكل البشير عبأ ثقيلا على الشهيد الولي و رفاقه من بعده مما أجبر الراحل محمد عبد العزيز على التعاطي مع هذا الحمل الثقيل، حيث استطاع، رحمه الله، بحكمته و فطنته و ذكائه أن يمزج بين اللين و الغلظة، بين الإهتمام و اللامبالاة و بين التكليف و التهميش في تعامله مع شخص أوهمته علاقاته الأسرية مع الشهيد الولي بأنه وطني أكثر من كل الصحراويين، و مثقف فوق العادة، و سياسي لا مثيل له، بل و ثوري أكثر من كل ثوار العالم. بكل أوهامه تلك، خص البشير نفسه بحق توزيع الوطنية كما يشاء، بالقدر الذي يشاء، و على من يشاء، ليوكل لها، مؤخرا، حق تحديد هوية الشهداء من غيرهم. و بهذا يكون قد انتحر سياسيا بعد العديد من المحاولات الفاشلة.
خلال حياته السياسية، كثرت محاولات البشير الإنتحارية، لكنه كان في كل مرة ينجو بأعجوبة من موت سياسي محقق بفضل عظمة الشعب الصحراوي و صبره و تسامحه. لقد نسي الرجل أو تناسى أن التاريخ لا يرحم، و أن ذاكرة الشعب الصحراوي عصية على النسيان. ففي أوج انتصارات جيش التحرير الشعبي الصحراوي وقع أسوأ اتفاق سلام عبر التاريخ مع موريتانيا، حيث انسحبت بموجبه هذه الأخيرة من منطقة واد الذهب فاحتلها المغرب بينما بقيت موريتانيا تحتل منطقة لكويرة، و لم تسمح، لحد كتابة هذه السطور، بفتح سفارة للجمهورية الصحراوية في انواكشوط.
كان البشير، و هو مدير للأمن، العقل المدبر لمسرحية شبكات التجسس التي راح ضحيتها العشرات من الصحراويين الأبرياء، مع ما صاحب ذلك من تعذيب و تصفيات جسدية. أشعل البشير نار الفتنة بين أعضاء المكتب السياسي للجبهة و أعضاء الأمانة الوطنية فيما بعد، بحجة ضرورة الإصلاح أحيانا و تحقيق الديمقراطية و التداول على السلطة أحيانا أخرى. لكنه كان سرعان ما يتخلى عن حلفائه السياسيين و اتباعه مقابل ضمان تحقيق مصالحه الشخصية الضيقة. حاول، و هو رئيس الوفد الصحراوي المفاوض، أن ينفرد بالقرار و ينزاح عن إجماع القيادة الصحراوية فيما يتعلق بمحددات التفاوض مع المغرب و يتخطى الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها تحت أية ذريعة أو مبرر. و هو ما أكده البشير، بنفسه بعد قرار استبداله كرئيس للوفد الصحراوي المفاوض بالراحل المحفوظ علي بيبا، حيث صرح لنشرة « سبعة أيام » الصادرة بتاريخ 19 يوليوز 1997، و التي كانت تصدرها وزارة الخارجية في عهده قائلا: « أما معنى تغيير تشكلة الوفد الصحراوي، فتعني في القاموس العالمي و العرف الدبلوماسي و جود خلاف حاد على مستوى القيادة الصحراوية في ما يتعلق بالتقييم و التعاطي، تفسير قد يدنو فيكون تقصيرا في قيادة الوفد، و قد يبتعد حتى يصل حدود التسفيه و التخوين. ».
ما أن أحس البشير بفشل كل مخططاته، غير الواضحة الأهداف، و نفور العديد من حلفائه و مناصريه، و تبرئهم منه، حتى سارع إلى طرق أبواب قصر ملك المغرب التي لم تفتح له لحد الساعة.
إن المتتبع للمسار السياسي للرجل يدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه قد أساء للجبهة و الدولة أكثر مما أحسن إليهما، بل إن أذاه كاد أن يطال كل الصحراويين لولا لطف القدير الحكيم. فقد صب جام غضبه في مناسبات عديدة على الصحافة الوطنية المستقلة متهما بعضها بالعمالة و التخابر مع العدو المغربي لكونها قد تجرأت على تناول بعض فضائحه السياسية الكثيرة. أما أعضاء المبادرة الصحراوية للتغيير فقد نالوا حقهم من التهكم و الإستخفاف، حيث نزع من أحدهم جنسيته الصحراوية و ألبسه بدلها الجنسية الموريتانية، فيما نعت آخر بأنه مريض و أن حالته الصحية لا تسمح له بالمطالبة بالإصلاح و التغيير. الجمعيات غير الحكومية الصحراوية بأوربا كانت هي الأخرى هدفا مستباحا له بعد توليه منصب وزير الأرض المحتلة و الجاليات، فبعد أن فشل، كسابقه، في تحويلها إلى فروع سياسية وهمية للتنظيم، تطاير طيشه في اتجاه كل الجمعيات الرافضة لوصايته، و قد كان لجمعية بنات الساقية حظها الأوفر منه، و لم تشفع لها أنشطتها العديدة و المتنوعة التي تطالب من خلالها باحترام حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير و الاستقلال و إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين الصحراويين المتواجدين في السجون المغربية.
وما أن تولى حقيبة الأرض المحتلة حتى ظن البشير أنه سيكون الآمر الناهي هناك، يوزع عطاياه (من أموال الشعب) على من يشاء و يقطعها عمن يشاء، فاستغل بعض الخلافات الداخلية لبعض النشطاء لزرع الفتنة بينهم بغية تسهيل وصايته الحصرية على كل أنشطتهم الحقوقية داخل المناطق المحتلة و خارجها.
لقد ختم البشير مصطفى السيد سلسلة انزلاقاته الخطيرة و المروعة بالنيل من قدسية الشهداء الصحراويين، بعدما نصب نفسه محددا لهويتهم عبر تسجيل صوتي بثه بإحدى المجموعات الصحراوية على الواتساب، ينعت فيه بعضهم بالشهداء بينما يصف البعض الآخر بالموتى. و بهذا يكون قد تجاوز كل حدود التسامح المتعارف عليها، و انتهك كل الأعراف و القيم الصحراوية النبيلة، و تطاول على تاريخ شعب ضحى بالغالي و النفيس من أجل مشروع وطني حضاري متكامل يتسع لكل الصحراويين بمختلف انتماءاتهم الإجتماعية و مرجعياتهم الفكرية و توجهاتهم السياسية.

#البشير مصطفى السيد لا يمثلني

تعليق واحد

  1. ما عرضته عن تابط شرا قليل جدا.
    لقد خرب الثورة بلعكته وطغيانه بحجة ان فكرة الثورة اتى بها اخوه حيث همش الرئيس السابق بل جعله اخيال لا غير ولولا ان وراثة الحكم من الاخ لا ينظر لها بعين الرضا ولانها تتنافى مع الايديولوجية الثورية لاعلن نفسه رئيسا ولا ننسى ابدا مقولته التي وصف فيها اطارات مميزة بخشوش اللامبة,كما لا ننسى تصرفاته والعصابة التابعة له في احداث 88 التي حول اجوائها الى رعب وضنك.