الحسابات الانقسامية تكرس مجتمع اللادولة.

بقلم : ابراهيم داهي.

أعود في هذا المقال التكميلي إلى استجلاء استنتاجات مقال تحليلي كنت قد نشرته فيما سلف تحت عنوان “شواغل المد الانتهازي الجامح تعمق ازمة التنظيم السياسي” و لا اخفيكم ان ما يحدث من تطورات داخلية غير مسبوقة قد اوحى لي من منطلق الانشغال العميق بطرح ملاحظاتي من مرجعية كنت قد سقت مضامينها في المقال المذكور حيث خلصت فيه الى البعد البنيوي التراكمي للازمة الحالية عبر مقاربة سوسيو سياسية للثوابت والمتغيرات التي ميزت دربا مرير ا من الصراع المتكالب المتعاظم على السلطة بين رفاق الأمس تأسس في نفقه المظلم خطاب الردة الذي تغذيه أحقاد دفينة وتحركه نزعات متعطشة للاستفراد بالسلطة ومقدراتها الميسرة للاستبداد واستبعاد الغالبية إقصاء و تهميشا ونفيا.

تجذر الانفتاح على قيم الردة والفساد منذ اكثر من ثلاث عقود لما تم الانقلاب تدريجيا على ثوابت المشروع الوطني وافتضاح خيوط وخلفيات الصراع على السلطة حين طفى على السطح وخرج الى العلن بتوظيف القيم التقليدية وتموقعات العلاقات الانقسامية بعد الخيبة في تحويل الانتباه ومحاولة إخفاء حجم الكارثة جراء النكوص المفضوح عن الارتقاء بالمشروع الوطني على درب الشهداء والمناضلين ورهن ثوابته لمصالح الزمرات الانانية.

لم ولن تجد نفعا محاولات تنميط التسويق الايجابي للخيارات المعتمدة بالرغم من عمليات الإسقاط والتكييف المتوالية التي منيت بالفشل الذريع لتناقضها مع الوقائع ومسار الواقع فتجلى بطلانها وزيفها لانها أضحت مجرد مصوغات وهمية للتغطية على واقع التجاذبات الانقسامية المتناحرة في سبيل الفوز بأكبر حصة من المغانم .

كان من التداعيات الكبرى لزمن الانفتاح الزائف فضلا عن الإفلاس السياسي لتعارض الخيارات مع التطلعات والثوابت ومظاهر العجز البين في استشراف البدائل لمحدودية الرؤى والتصورات الفكرية. سيادة انماط وعلاقات انتاجية مبنية على مفهوم الغنيمة المركزي الذي اصبح الدينامو الناظم للعلاقات السياسية والاقتصادية لاسيما ان لهذا المفهوم مرجعيته التقليدية المعروفة التي تتناغم وظيفيا و حتميا مع المرحلة واستحقاقاتها المعتمدة نمط العلائق الا نفسامية.

وقد كرست هذه التحولات في سياق مسار الردة الذي يحاصرنا علاقات و مسلكيات غارقة في مصالح التوازنات السياسية والعلاقات الزبونية حيث تزاوج المال السياسي الفاسد والسلطة في سوق المضاربات والابتزازات للسطو على ما تبقى من مؤسسات الدولة والاستيلاء على مقدراتها, نتذكر جيدا التخريب الممنهج للمؤسسات الوطنية ومحاصرة دورها وتسفيه مقوماتها بما ترمز إليه من قيم الوطن والمواطنة في مقابل استفحال دور القبيلة والولاء لقيمها الظلامية التقليدية. لست أدعي هنا الاكتشاف.

لكنها اخوتي اخواتي في الوطن المكاشفة الصريحة في وقت نقر فيه جميعا بانسحاب مظاهر الاختلال والاعتلال على مختلف ركائز البناء التنظيمي ومؤسسات الدولة بإعادة إنتاج خطاب متنطع يقفز على الواقع مجتهدا في تجاهل حالة الازمة المطبقة و مسبباتها الحقيقية.

اخشى الادعاء بأن ما نعيشه اليوم من إحباطات متتالية في واقع المساومات والابتزازات بتداعياتها المخزنية التي حرمت السواد الأعظم من هذا الشعب المناضل من اداء دوره التحرري الريادي بطاقاته وقيمه المتفردة ان تتحول هذه التداعيات السلبية المتراكمة الى مسلكيات وقيم المجتمع المقهور.حينها تشيع ثقافة الاتباع والانقياد ولتجد فيها الطلائع الانتهازية والفئات المستفيدة صيغ التبرير المناسبة لتعميم ونشر سياسات التغييب والتجهيل.