هل تستخلص منظومة الفساد داخل البوليساريو ما يحدث لدى الحليف؟

يحكى أن جحا أعطى خادمه جرة ليملأها من النهر، ثم صفعه على الوجه صفعة شديدة وقال له : إياك أن تكسر الجرة، فقال له الخادم : لماذا ضربتني قبل أن اكسرها؟. قال جحا : وما ينفعي ضربك بعد أن تكسرها.
بدوري كمواطن صحراوي هُجرت من وطني صبياً و ما زلت في حرقة من امري لأعود له محررا، جرتني هذه الحكاية الى ان ابوح بآلامي و حصرتي على بلادي قبل أن تنكسر (جرة الوطن) التي تحملها أيادي غير آمنة.
ففي الجزء المحتل تسحل النساء و تقمع المظاهرات المطالبة بتقرير المصير، و كل يوم يتفاقم التمييز العنصري و التهميش من طرف السلطة المحتلة في حق أبناء الوطن، و في مخيمات العزة والكرامة هناك فساد و استياء، و انحراف عن النهج الذي سقط عليه شهداء ما بدّلوا تبديلا. فالسلاح الذي كان يفترض ان نضرب به العدو اصبح متعطلا مشلولا، و في أمس الحاجة إلى إصلاح سياسي يبدأ من القمة بإقامة العدل و المساواة، و وجود القوة والهيبة للدولة. و هذا لن يكون إلا بالتغيير، لكن الخوف منه بحد ذاته، يفوت الكثير من الوقت ويضيع العديد من الفرص ويهدر الطاقات الموجودة.
فإذا ما نظرنا إلى الحراك الشعبي الجزائري الحضاري… يظهر لنا ان الجزائر على أبواب مرحلة سياسية جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات، تبدأ بسقوط نظامها السياسي.
لا بدّ إلا أن نعتز و نفتخر بالإنجازات والأمجاد التي حققتها الدولة الصحراوية على مستوى مختلف الأصعدة في ربيع الثورة، لكن اليوم من يسمع خطاب المسؤولين و يقارنه بالواقع، خاصة بعد الإنتكاسات المتتالية، ليبدو له و ببساطة شديدة أن هذا النظام، غير معني مطلقاً، بكل هذه الجعجعة السياسية التي تثار حول إمكانية إستمراره وبقائه عقب عاصفة الحليف، و في ظل تصويت الإتحاد الأوروبي على إتفاقية الصيد البحري مع المحتل المغربي، عقب اصدار حكما يستثني مياه الصحراء الغربية من الإتفاق، مما أفقد القيادة الصحراوية آخر أوراقها، و أصبحت دبلوماسيتها تطحن الماء على وقع فضائحها المدوية.
فهل هذا التجاهل هو دليل النظام على الصمود في وجه هذه الأوضاع المتردية، أم أنه عجز يعكس تداركه لمصيره وقراءته الخاطئة لما هو جديد في تحولات المنطقة و في توجهات السياسة الدولية، حسب تصريح نائب وزير الدفاع الجزائري و رئيس الأركان احمد قايد صالح حين قال: “ان قوى كبرى تعمل على إعادة صياغة خريطة العالم”.
و نظراً لطبيعة وخصوصية نظامنا المنطوي على نفسه، المتخندق خلف متاريس مركزية مطلقة يائسة، تجرنا الى الوراء بتسيير العقليات البدوية، و تبني سياسة “حالة الإستثناء” والكذب، والتضليل. فمن البديهي ان نظام بهذا التخلف الفكري بات من الصعب عليه جداً الإجابة على مثل هذه التساؤلات العالقة. لكن ما من شك، بأن النظام قد ضعف في السنوات الأخيرة و لم يعد قادرا على إخماد نيرانه كما كان بارعا في السابق. و مهما حاول تجاهل حجم المخاطر المحدقة بالمشروع الوطني و الاستعراض بمظهر القوي الذي لا ينحني للعاصفة، لكنه لا يستطيع أن يخفي مشاعر القلق والإحباط التي تسيطر على المواطنين هذه الأيام، بفعل الظلم و الخطر الذي يتحسسونه ويهدد مصيرهم و حياتهم ، بدءاً من القوى العظمى الضاغطة، ومن الداخل الضعيف والهش. إذ لا يمكن أن يتواجد نظام سياسي قوي من غير بنية سياسية وفكرية و اجتماعية متكاملة ومتماسكة و هو يعيش على هبات و مساعدات من باعوا الوطن. فلم يعد خافياً على أحد، بأن المجتمع الصحراوي الثائر، لم يعد، كما كان، محصناً متماسكاً، حيث تعمقت فيه الإنقسامات واختلت الحسابات والولاءات الوطنية لصالح الإنتماءات الجهوية والقبلية، التي نمت في ظل تقلبات سياسية واجتماعية واخلاقية غير صحية ولا ديمقراطية عاشها المجتمع طيلة الحقبة الماضية. وقد بدا واضحاً أن حالة الإستقرار والهدوء طيلة العقود الماضية، لم تكن سوى حالة ركود وكساد قسرية، بسبب الخوف من النظام القابض على كل مفاصل الحياة، وقد جاءت الظروف و تسارعت الأحداث الأخيرة، لتحرك المياه الراكدة في الرابوني، الذي شهد عدة اضطرابات، تشير الى حصول تراجع مخيف في مسار الحياة الوطنية، كما هناك خشية حقيقية من حصول اسطفافات واستقطابات إلى درجة إنقسامات مع اقتراب المؤتمر العام.
فلا شك، أن القيادة الصحراوية الرافضة للتغيير والمستفيدة من اللاسلم اللاحرب، تعمل على تغذية مخاوف الصحراويين من التغيير، من خلال الترويج لمقولات: (غياب البديل المناسب، فتح ثغرات لولوج العدو من خلال مواقع التواصل الإجتماعي، هناك مؤامرة تستهدف الوحدة الوطنية و أمن المخيمات…). وهي نفس القيادة التي كانت تفتخر دائما و تعتز بالحليف الاستراتيجي و تقلده في كل شي إلا الإصلاح و التغيير ، لكنها لا تريد أن تفهم، او أن صفيحها ساخن لدرجة أن التبريد لم يعد مجدياً؟. فماذا نحن فاعلون بمستقبل قضيتنا الذي وضع في نفق مظلم؟.
ومتى تستمع القمة إلى القاعدة ولو ليوم واحد قبل فوات الاوان الذي يبدو انه لم يعد ببعيد؟.
إذا، فأين نحن من رياح التغيير التي اجتاحت القطر الحليف؟ و هل تقبل السلطة القادمة في جزائر المستقبل أن تتعامل مع نظام الرابوني المُعمِّر و الغارق في الفساد و المفسدين من بعض الإطارات العليا و المتوسطة إلى أن تم كذلك توريط المسؤولين المباشرين للجماهير من العريفة فما فوق؟….الأيام القادمة كفيلة بالإجابة!!.
بقلم : حمادي محمد بابيت.