استقالة لدواعي المرض والاستمرار في دوامة العبث.

في اول زيارة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة الى الصحراء الغربية، هورست كوهلر الى مخيمات اللاجئين الصحراويين يوم 17 اكتوبر2017 بعد تعيينه في مهمة الوساطة الاممية جمعنا معه لقاء ضمن مجموعة من الشباب الصحراويين، بمقر الضيافة بالشهيد الحافظ، والجميع ينتظر بفارق الصبر صوت الماكينة الالمانية علها تخترق جدار الصمت والتجاهل الدولي والاممي لقضية عمرت اكثر مما تستحقه تضحيات الشعب الصحراوي بصموده الاسطوري في مخيمات اللاجئين والشتات وبالسجن الكبير في الاراضي المحتلة.
وفي ذلك اللقاء استهل كوهلر كلمته بانه “جاء للإستماع للآراء المختلفة وأنه يولى اهتماما خاصا لفئة الشباب ولطموحاتها وأمالها المستقبلية ولنظرتها لطبيعة النزاع الذي طال أمده دون ان يخفي ما يعتري المهمة من عقبات وصعوبات حيث قال ” لست بساحر لكن سأعمل ما بوسعي وسأكون مستمعا جيدا كي احصل على رؤية تساعد على فهم القضية الصحراوية”
مضيفا انه لا يمكن ان ياتي بحلول دون دعم جميع الاطراف وقد اسهب في التركيز على الجانب الانساني وضرورة التكامل الاقتصادي لبلدان المنطقة، مستعرضا تجربته الشخصية في اللجوء اثناء الحرب في المانيا وقضائه لخمس سنوات في مخيم للجوء….
ومن خلال هذه المقدمة والاسترسال في الحديث عن الجوانب الانسانية وتجاهل اسبابها، انتابني شعور بأنه الرسول الخطأ ولا يمكن ان يتقدم في المهمة الجديدة قيد انملة، مالم يبدأ من حيث انتهى سلفه الامريكي كريستوفر روس، ووضع القضية في سياقها القانوني والتاريخي كقضية تصفية استعمار والعمل على تطبيق قرارات مجلس الامن الدولي والامم المتحدة بخصوص استفتاء تقرير المصير ومن هنا تحل تبعات النزاع الانسانية والاجتماعية والاقتصادية، فالمهمة تحتام من يتحمل المسؤولية الاخلاقية والانطلاق من جوهر النزاع الذي تحاول فرنسا ان يظل بعيدا عن معالجات الامم المتحدة ومبعوثيها الامميين الى الصحراء الغربية وخلال مداخلتي التي كنت سجلت احرفها اثناء حديثه عن الوضع الانساني وتجاهله للاحتلال الذي ادى الى هذه الوضعية الانسانية للشعب الصحراوي.
بادرته اثناء مداخلتي باستغرابنا لعجز الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي عن فرض قراراتهم المتعلقة بالصحراء الغربية منذ تواجد بعثة الامم المتحدة في المنطقة وما طبع عملية السلام من تعثر وتسويف وتمديد اصبح كالاسطورة وحكايات الف ليلة وليلة، انحرف من خلالها عن الجوهر الذي تقتضيه مهمة البعثة الاممية لتنظيم استفتاء تقرير المصير، أمام محاولات تحريف المسار الاممي والسير به نحو المجهول، مع الدور القذر لفرنسا في عرقلة وإفشال اي تسوية سياسية من شأنها انهاء النزاع بشكل يتماشى ولوائح الامم المتحدة والاتحاد الافريقي.
فإذا كانت الامم المتحدة جدية بالفعل في ايجاد الحل، كيف تعجز عن دعم بعثتها في الصحراء الغربية، بكل الوسائل بما فيها الرادعة لاداء مهمتها بنجاح، امام عرقلة بلد مثل المغرب؟ إن لم يحظى بحماية ودعم من احد او بعض اعضاء مجلس الامن وهو ما يجعل الحل مستحيلا ويقدم مثالا واضحا لازدواجية المعايير في التعاطي مع قضايا الشعوب والميل مع مصالح الكبار.
وعليه يجب ان يكون صريحا في تحديد من يعرقل الوصول للحل السياسي الدائم ويوفر الحماية للطرف المعرقل في مجلس الامن ومن يضع العقبات في طريق من سبقوه، كلما اقترب احدهم من وضع القضية في سياقها القانوني وحاول إعادتها الى طبيعة المعالجة التي تأسست عليها بعثة الامم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية حتى يكون مصيره الاستقالة او الاقالة وهو ما جعل المغرب يعلق التعامل مع سلفه الامريكي كريستوفر روس، فالاستمرار في نفس النهج السالف سيعمق معاناة الصحراويين ويعقد وضعهم الانساني وبالتالي فقد التمست منه تقديم الاستقالة ان كان عاجزا عن اختراق الجمود الذي يغذيه التعنت المغربي على الميدان والمظلة الفرنسية في مجلس الامن وان لا يستهلك المزيد من الوقت في استمرار معاناة الشعب الصحراوي التي تدخل عقدها الرابع بسبب عالم تغيب فيه قيم العدالة واحترام الاسس التي تأسست عليها منظمة الامم المتحدة.
كانت هذه مجرد ملاحظات كان ولا بد من قولها حتى وان ذهبت ادراج الرياح مع عقود من الوعود الكاذبة والجهود الفارغة غير انها تزيد من اليقين بان الحل السياسي عقيم في ظل غياب اوراق ضغط لقيادة بعمر النزاع دون ان تستفيد من تجارب الماضي او تعد العدة للمستقبل، واحتلال يناور ويشتري صمت العالم بخيرات وثروات الوطن المحتل.
ونحن نودع المبعوث الاممي المستقيل وننتظر اخر لم تتحدد ملامح شخصيته بعد، تبقى تساؤلات كثيرة حول الاسباب الحقيقية للاستقالة المبكرة خصوصا مع ما تشهده المنطقة من تحولات والضغط الامريكي في اتجاه الحل بتقليص مأمورية بعثة المينورسو والتهديد بسحب مساهمة الولايات المتحدة الامريكية من ميزانية بعثات السلام التي لا تتقدم في مهامها، وحديث الطرشان في جولات جنيف السابقة.
ومع ذلك نسجل لكوهلر نجاحه في جمع طرفي النزاع من جديد وإن على شكل غير مألوف في لقاء الطاولة المستديرة التي شملت بلدان الجوار وما يشكله ذلك من مخاطر على تحديد طبيعة النزاع القائم بين طرفين لا أكثر، كما انه حافظ طوال فترة مأموريته على التمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وبحث السبل الكفيلة بتمكينه من ذلك الحق بإشراك الاتحاد الافريقي في المشاورات كسابقة تحسب له، فضلا عن تعميق المباحثات مع الاتحاد الاوروبي والدول الدائمة في مجلس الامن الدولي رغم اخفاقه في التقدم في مشروع التسوية الاممي الموقع منذ اكثر من 28 سنة.
في الاخير نتمنى ان تنتبه القيادة السياسية للجبهة الشعبية بان الاستمرار في دوامة العبث بدون رؤية استشرافية للمستقبل، ستكون حتما على حساب الشعب الصحراوي الذي يعيش بين سندان الاحتلال ومطرقة اللجوء والشتات، ما يستدعي التحضير لكل الاحتمالات بما في ذلك اعادة المراجعة للخيار السلمي والعودة للاساس الذي تأسست عليه الجبهة الشعبية كحركة تحرير تتبنى الكفاح المسلح خيارا وحيدا للنضال ضد الاستعمار والقطيعة مع الاساليب البالية التي تجاوزها الزمن.
بقلم: حمة المهدي

%d مدونون معجبون بهذه: