شُكوكٌ مُتَبَادَلة.

يستطيعُ أن يكون لطيفًا، خاصة أثناء حديثه في المواضيع “الرِّجالية”، بطريقة تكشف عن إلمامٍ بثقافة المجتمع. فهو يفترضُ أنّنِي أعرفُ تلك الأشياء التي يتحدث عنها الناس عادة أو يلمِّحون إليها في سياق حديثهم؛ التي تعطيك فكرة عن محيطهم الإجتماعي. كأن يكون، مثلا، محيطا منفتحا و متسامحا. هذه مسألة جوهرية تجعلني أطمئن إليه. فأقدم له شرابا أو طعاما، أو أزوره زيارة خاصة مفاجئة. أحيانا أكاد أقترح عليه القيام بنشاط مشترك من أجل الإحتكاك به أكثر و كسبه لمصلحتي. يقال أن السياسة مهنة خبيثة، لذلك يجب أن تكون “خبيثا” بعض الشيء. عندما أفعلُ ذلك، فأنا اعتقد أنه سيساهم في تغليب الخصال الطيبة في شخصيته؛ كما أني أحب المغامرات و أبحث عن أصدقاء مغامرين مثلي. لكنّي أتراجع فجأة و أحاول أن أطردَ تلك الأفكار من رأسي و ألومُ نفسي على سذاجتى و تهوُّري. فصديقي لديه علاقات كثيرة و متشعبة لا أعرفها. له صداقات عائلية و مهنية، بعضُها مع أشخاص يكرهونني، كما تشمل علاقاته أيضا سياسيين نافذين في النظام، و تمتد إلى جهاز الأمن، و تتجاوز الحدود الجغرافية. مبدئيا، هذه العلاقات ليست هي مصدر خوفي وشكوكي، لولا تلك العلاقة الوطيدة التي تربطه بالخصوم من زملاء العمل. فعلاقاته الأخرى قد تكون مفيدة، فنحن جميعا نفضل الأصدقاء الذين تكون لهم علاقات كثيرة، خاصة بأشخاص من ذوي النفوذ. لكن يوجد خصوم آخرون. أحدهم حذرني منه ذات مرة و قال لي أن صاحبي سارق كبير و أن قريبه المحسوب على المؤسسة سارق أيضا. و أنه ربما يملك مفتاح “باسبارتو” يستطيع به فتح كل الأبواب، الخ. صحيح أن صديقي يحاول استغلال بعض الفرص التي تتاح له، و يحصل على مساعدات متواضعة مقابل الخدمات التي يؤديها للمؤسسة، أو من خلال علاقاته الأخرى. و قد يعمل كوسيط لبعض الزملاء النافذين الذين لا يريدون توريط انفسهم بشكل مباشر في أمور صغيرة. كل هذه الإعتبارات ليست سببا للنفور منه و محاولة صرفه في كل مرة يأتي إليَّ. فاتهامه بالقدرة على فتح الأبواب و وجود نية السرقة لديه ، هي معلومة غير مؤكدة، خاصة أنّ الشخص الذي يتهمه بذلك هو شخص سيءٌ جدا، و يعتبره منافسا له، لأنه يزيد من قوة خصومه، بمهاراته و علاقاته و وقته الفارغ الكثير الذي يسمح له بمعرفة كل شاردة و واردة. ثم أن الأشياء المهمة التي يمكن سرقتها توجد عادة في حاويات حديدية يتم وضعُها في مكان مكشوف أين تتوفر إنارة ليلية و فتحها يحتاج لمجهود عضلي معتبر، و أبوابُها تُصدرُ صريرًا قويًّا يكفي لتنبيه الحراسة!
شخصيا، لا أكترثُ كثيرا لما يقوله الآخرون عنه، فأخلاقهم و سلوكهم لا يعتد بهما للحكم على الناس. و من جانبه هو، فمحاولاتُه المتكررة للتقرب منّي و تظاهرُه بالصداقة، فهي تفتقدُ إلى المصداقية. فقد تمر فترات قصيرة من التواصل و الصفاء، نتبادل فيها التحية، نتناول الشاي معا، و أحاول من جهتي التخلص من تحفظاتي نحوه و السّمو بنظرتي و التغاضي عن مواقفه القديمة، لكنه لا يلبث أن يتصرف بشكل غير مدروس، يهز ما تم بناؤه من ثقة و إحترام بيننا و ينسف علاقتنا من جديد؛ فتعود مشاعر الشك و الريبة و سؤ الظن، و تطول فترات الجفاء و التنافر، و يزداد عمق الهوة التي تفصلنا عن بعض إلى حد نكاد ننسى فيه وجود بعضنا. فتعاملاتُه المالية، مثلاً، مهما كانت بسيطة، لم تكن قط مستقيمة تماما، فهو كثير النسيان و له قدرة كبيرة على إيجاد المبررات؛ و يكذبُ. لكن هذا العامل كذلك لم يكن معيارا ذا قيمة بالنسبة لي، فكل تعاملاتنا شبه اليومية تجري في إطار محدود. 
من جهة أخرى، نحن نضطر أحيانا للتعامل مع أشخاص نعرف أنهم يكذبون، و الكثير من زملائنا و معارفنا و أصدقائنا يفعلون ذلك. فأنا لديّ صديق قديم يكذب عليَّ بإستمرار، افتقده احيانا ، له قدرةٌ كبيرة على إبتكار القصص الخيالية الشيقة التي يقصها دون توقف أو تفكير طويل. فهو طيب جدا و لبق؛ لكنه يكذب. مثل الطريقة التي ادعى أنه كان يتعامل بها مع الناس عندما كان يتولى منصبا في الإدارة المحلية. أو الكيفية التي حصل بها على مساعدة مادية من مسؤول كبير بطريقة عجيبة. أو قصته الغرامية مع إحدى الممرضات عندما كان يخضع للعلاج في بلد أوروبي.
إنه يتجنب الحديث بصراحة معي و يتعمد تفادى الحقيقة. ربما يخاف مني و تنتابه شكوك نحوي مثل الشكوك الموجودة لديّ نحوه، ربما لنفس الأسباب، و بنفس القدر الذي يدفعني للشك فيه. إنه غير قادر على معرفة سلوكي من خلال الطريقة التي أتصرف بها في المواقف الأخرى. الإنسان الجاهل يجد صعوبة بالغة في التعامل مع الأمور التي نحكم عليها من خلال القياس و التجريد؛ و لا يستطيع ترتيب الأمور في خانات مختلفة و وضعها في سياقها الصحيح.
ربما يظن أنني سأبلغ الإدارة إذا رأيته يقوم بنقل أشياء من المؤسسة. أو أنني سأستغل تلك المعرفة من أجل ممارسة ضغوط عليه. لا أعرف كيف وصل إلى هذا الإستنتاج الخاطيء. ربما أنه يصدق الكلام الذي يقوله بعض الزملاء. أنا لا أنتمي إلى جماعة منافسة، و بشكل عام، علاقتي بالإدارة ليست جيدة. في إحدى المرات، يبدو أنه كان يتأهب، رفقة شريكه، لنقل أشياء معينة. لم أكن أراقبهم، بل أنني في واقع الأمر كنت مشغولا تماما بأمور أخرى لا تكاد تترك لي فسحة من الوقت للتفكير في أشياء كهذه. ثم أن ذلك ليس هو طبيعتي و أخلاقي. الجو العام غير محفز و الظروف المهنية سئة جدا و لو لا الضرورة، لأغلقت الباب تماما لتفادى الإزعاج المستمر الآتي من الخارج. جاء إلىَّ بدون سبب معقول، ربما لأني تركت الباب مفتوحا لدخول الهواء. عندما أفعل ذلك، استطيع بالفعل، إذا أردت، مراقبة شيئا مما يحدث في فناء المبنى. كأن أسمع أصوات الزوار الوافدين إلى المؤسسة. كان وقت العصر تقريبا و أغلب العمال غادروا مكان عملهم. و يوجد هدوء في الخارج، قد يكون ذلك هو ما جعلني أترك الباب مفتوحا، خاصة في الأيام التي يكون فيها الطقس مناسبا. قال لي أنه رأى في مؤسسة غير بعيدة عنا بعض المحتجين أو الأشخاص المختلين عقليا الذين كانوا يتهجمون على العمال هناك، و أنه، حسبه، من الأفضل لي أن أغلق الباب حتى تهدأ الأمور. صدقته في البداية، لكنني أكتشفت بعد قليل أن هذا الخبر غير صحيح و أن الذي دفعه إلى المجيء هو رغبته في أن أغلق الباب حتى يستطيع هو و صاحبه نقل الحاجات التي يريدون إلى الخارج. لقد كان موقفا مزعجا بالنسبة لي و شعرت بغضب شديد هذه المرة بسبب نوايا صاحبي الخبيثة و سؤ ظنه بشخصي. و فورا فتحت الباب على مصراعية، ثم خطر على بالي القيام ببعض الأشغال في الخارج، مثل رمي الأوساخ و جلب الماء، الخ. و تظاهرت بإجراء مكالمات هاتفية، و تعمدت الحديث بصوت عال لكي يشعر هو وصاحبه بوجودي و أنني اقوم، على غير عادتي، بمراقبة ما يجري في المؤسسة و محيطها. في تلك الأثناء شاهدت سيارة تقف في مكان غير بعيد عنا، كان سائقها يراقبنا على ما يبدو، ربما كانت تنتظر ‘صديقي’ وصاحبه لتنقلهم.
نحن عادة لا نستغرب عندما نشاهد شخصا ينقل مواد غذائية أو ملابس أو قطع غيار، أو أغراض أخرى، أو يرغب في شرائها أو يعرضها للبيع؟ نحن نفعل هذا الشيء كل يوم. و في حالة إعتقادنا أن ذلك العمل يتم بطريقة غير شرعية، فنحن لا نهتم للأمر إطلاقا. فهذه الأشياء تباع في كل مكان، و يمكن للإنسان شراءها و هو لا يتحمل مسؤولية أن تكون أشياءا مسروقة. يقال أنه يوجد سوق في عمان، عاصمة الأردن، يسمونه ‘سوق الحرامية’ يستطيع فيه اللصوص بيع الأشياء المسروقة دون رقيب أو حسيب.
إن سبب سلوكِنا الغير طبيعي، سوءِ ظننا بالآخرين و شكّنا بهم، هو جهلُنا، و محدودية أفقنا، و سوءُ تقديرنا و فهمنا لتصرفاتهم و نقص معرفتِنا بهم؛ و الأحكامُ المسبقة التي نكوّنُها من خلال سماعنا لقصص أو معلومات غير صحيحة صادرة عن اشخاص آخرين من ذوي الأخلاق السيئة الذين يريدون تشويه سمعة الناس، لذاتِ الشيءِ؛ أو بسبب آرائهم و مواقفهم، أو بسبب آراء و مواقف مَن لهم بهم علاقة ما. نقول أنّ “ما في نفسكَ يَدُلُّك على النّاس”.

سلامة محمد لمين عبد الله، 1 يونيو 2019

%d مدونون معجبون بهذه: