ملاحظات على هامش برنامج عطل الأطفال، تينيريفي.

بقلم : سلامة محمد لمين عبد الله.

خلال تجربة الأسبوعين الماضيين مع بعض أفواج أطفالنا الذين يقضون عطلتهم الصيفية عند العائلات الإسبانية في جزيرة تينيريفي [الجزر الخالدات]، يمكن تسجيل بعض الملاحظات و المواقف و الاقتراحات و النصائح التي نأمل أن تفيد العائلات و السلطات الصحراوية على حد سواء.
أولا: يجب على العائلات الصحراوية بذل جهود كثيرة و جادة من أجل تغيير الطريقة المتبعة في تربية أبنائها و بناتها. ليس فقط تلك المتعلقة بسلوك الأطفال و تعاملهم مع العائلات الاسبانية المضيفة، بل كذلك من أجل بناء و ترسيخ الأسس التربوية التي يحتاجون إليها في مستقبلهم. رغم الكثير من أطفالنا يتحلون بأخلاق حسنة و سلوك جيد، لكن يلاحظ وجود نقص واضح لدى بعض الأطفال ينبغي تداركه في الوقت المناسب..
ثانيا: العائلات الإسبانية هي عائلات حنونة و طيبة، و تحاول توفير لأطفالنا الجو الطبيعي الملائم الذي يفتقدونه في مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف. فهي، مثلا، تميل إلى تدليل الأطفال و تفادي القساوة مع أولئك الذين لديهم صعوبات سلوكية. قد يعتقد البعض منا، بدافع العاطفة المفرطة أو الرغبة في أن يتمتع أطفالنا، و لو لفترة محدود، بالعيش في ظروف تختلف عن ظروف الحياة في المخيمات التي تتميز بالمناخ الحار المتطرف و سوء التغذية و تضاءل فرص العلاج؛ أن ما تفعله العائلات الإسبانية، هو في الأساس شيء جيد لأطفالنا. نعم، إن العائلات الإسبانية المضيفة جادة و صادقة في معاملتها، لكنها عندما تفعل ذلك، فهي تتصرف بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع أطفالها الحقيقيين. لكي نفهم طريقة العائلات الإسبانية و ميلها إلى تدليل الأطفال الصحراويين، يجب علينا أن نشاهد و نقارن الطريقة التي يتصرف بها الأطفال الإسبانيين أنفسهم في المواقف المماثلة. إن العائلات الإسبانية التي تبدي حنانا زائدا تجاه أطفالنا و تعارض العقوبات القاسية، مهما كانت صعوبة الموقف، هي نفسها العائلات التي استثمرت وقتا طويلا و جهدا مضنيا خلال السنوات السابقة في حث أبنائها و تدريبهم على الإنضباط و إحترام القواعد السلوكية الأساسية، مثل: إحترام الكبير، العطف على الصغير، مساعدة الضعيف، الصبر، التواضع الخ،؛ إضافة إلى تعويدهم على السلوك السليم و فهم القواعد و القوانين التي تتطلبها حياة المدينة الحديثة.
ثالثا: أن نفعل ما نشاء، متى نشاء و كيفما نشاء، هو حلم يُراود الإنسان أينما كان منذ الأزل. لكنه حلم غير ممكن التحقيق في الحياة الواقعية. لذلك تأتي أهمية الإشراف المسؤول و الحازم للتدارك و التخفيف من التخلف المسجل لدى بعض الأطفال، حسبما يسمح به الجهد و الوقت و الصلاحيات المخولة، و يتطلبه التوفيق بين المعاملة الحنونة المتساهلة التي تفضلها العائلات الإسبانية أثناء فترة تواجد الأطفال المحدودة، و بين ضرورة أن يفتح أطفالنا أعينهم على واقع الحياة الصارمة بطريقة سليمة تضمن تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى من البرنامج، و في نفس الوقت تنبههم إلى ما تتطلبه الحياة المستقبلية الجادة، سواء تعلق الأمر بالمدرسة أو العمل. إن واحدة من الطرق التربوية الناجحة اليوم، تتمثل في أن نواجه الإنسان، و الأطفال خاصة، بأساليب و أفكار و مواقف لم يعتاد عليها في السابق لكنها تكتسي أهمية حاسمة في حياته المستقبلية و نجاحه في مسيرته العلمية و المهنية في عالم متسارع شديد التعقيد.
رابعا: ربما يكون مفيدا هنا أيضا ذكر مثالين من الواقع من أجل فهم أكثر لهذه الإشكالية:
المثال الأول: إن العائلات الإسبانية و أعضاء الجمعيات الصديقة سوف لن يستطيعوا فهم و قبول أن أن يتم توزيع قنينات الماء المعبأة على أطفال قادمين من مخيم للاجئين يقع في منطقة صحراوية تمتاز بظروفها المناخية المذكورة و ندرة مياهها، و في نفس الوقت يقوم هؤلاء الأطفال باللعب بها مثلما لو كانت كرات قدم. الحصول على هذا الماء يكلف أصدقاءنا الكثير من المال و الجهد، و هو تبرعات من المحسنين. الماء و الطعام تعتبر في اعتقادنا الاسلامي نعما من الله سبحانه و تعالى، و فسادها أو تبذيرها قد يؤدي إلى غضبه و هو من المسائل المحرمة التي بسببها قد تحدث الكوارث الطبيعية، أو تخسف الشمس أو تنتشر الأوبئة الفتاكة.
المثال الثاني: هو سلوك الطفل الإسباني “مارتين” الذي لم يصل بعد سن التمدرس، و استطاع تحمل رحلة استمرت أكثر من ست ساعات رفقة أطفالنا لزيارة المرصد الفلكي بالجزيرة، دون أن يبدي أي سلوك سلبي يلفت الإنتباه. في الوقت الذي أظهر فيه أطفالنا الذين أنهى بعضهم المرحلة الابتدائية، سلوكا شاذا وجد الطاقم المشرف صعوبات جمة في إحتوائه. و بينما لم يتمكن الكثير من تلاميذنا من تحديد موقع مدينة تندوف على المجسم المطاطي للكرة الأرضية، قال لي “مارتين” الصغير في ساعة متأخرة من الليل البارد على سفح جبل “التيد” الشاهق، أين يقع المرصد الفلكي، أنه استطاع مشاهدة النجوم في المنظارين الفلكيين الذين كان الأطفال يصطفون أمامها. لكن هذا ليس هو الشيء الوحيد الذي يجعلني أحب و أقدر “مارتين”. قال لي قبل ذلك أثناء إستراحة بالمطعم، أنه لا يعرف سبب وضع شوكة زائدة بجانب طعامه لايوجد داع لإستعمالها.

3 تعليقات

  1. إنا لله وإنا إليه راجعون هل هذا كلام صحراوي مسلم لا حول ولا قوة إلا بالله

  2. سلامة محمد لمين عبد الله

    المقصود هو ان هناك اطفال سلوكهم شاذ وليس جميع الاطفال

%d مدونون معجبون بهذه: