أسرانا لدى النظام الموريتاني الداداهي: تكريم بطعم المرارة و الخذلان.

بقلم : النخ بدة.

اعتذار:
قبل كل شيء أود أن أعتذر لقراء و متابعي سلسلة “الخالدون المنسيون” لإنقطاعي عن مواصلة الكتابة عن رفاقي الذين شاطروني مرارة السجن و عذاباته قبل أن يغيبهم نسيان و جحود نظامنا و “أولياء أمرنا”، وقد قيل أن ظلم ذوي القربى أشد مرارة !. أسباب الإنقطاع تعود لظروف خارجة عن إرادتي، تتعلق بشح المعلومات و صعوبة جمعها، يضاف إليها ظروف عائلية طارئة مرت بي حالت بيني و بين الإنشغال بغيرها، لذا وجب الإعتذار لكم و لرفاقي الذين ينتظرون حلقات هذه السلسلة فيما يشبه نفض الغبار عن جزء من حياتهم التي قدموها قربانا للأرض و للقضية.

كنت أنوي الإستمرار في مواصلة الكتابة عن تلك السلسة التي تعرف بأسرانا و تلقي الضوء على جوانب من حياتهم قبل الأسر و في الأسر. لكن خبرا وصلني وتأكدت من صحته أصابني بالذهول و بالصدمة الشديدين؛ الخبر متعلق ب “حفل تكريم” أسرانا في سجون النظام الداداهي. ذلك (التكريم) الذي كتبت بشأنه مقالا تحت عنوان : “الأسير الصحراوي لدى النظام الموريتاني صام عام و افطر اعل اجرادة”. المقال تحدث عن فلكلورية التكريم الذي لم يتعدى شهادة ورقية و وسام بسيط لا أكثر. فلا الأسير سوي ملفه و لا هو نال ما يستحق من عون مادي يكفل به عائلته و عياله، عون مادي شهري
يكفيه مذلة السؤال و مشقة الحياة. و هكذا يتم التكريم بهذا الشكل الهزيل، و للسخرية فقد اختار منظمو الحفل يوم الثورة؛ 20 ماي، الذي يصادف شهر رمضان لتصدق المقولة؛ أسير الحرب لدى النظام الداداهي بعد صيام أربعة عقود مديدة ها هو يفطر على “أجرادة”!!!
لكن ما لم يخطر على بالي أن الجحود و النكران بلغا حدا أبعد من أضحوكة حفل التكريم الهزيل، فقد علمت جرأة و استهتار من أوكل إليهم هذا الملف بلغا حد اتخاذ قرار ب “شطب” و إقصاء 21 أسير حرب من لائحة التكريم المذلة تلك!
21 شابا أعطو زهرة العمر دفاعا عن الأرض و العرض و القضية و احترقت سنوات حياتهم في زنازن ذاقوا فيها أشد صنوف العذاب، و تمتد الأيادي الآثمة التي أأتمنت على المصير و القضية إلى تاريخ هؤلاء المقاتلين الأسرى لتشطبه بجرة قلم دون أن ترف لها عين وهم يشعرون أنهم فوق كل مساءلة.
فهل ثمة جحود أكبر و نكران و ظلم من هذا العبث بتاريخ و بعطاءات وتضحيات رجال من خيرة رجالنا منحوا حياتهم قربانا للوطن ليعبث بحياتهم، في مفارقة مبكية، كتبة و إداريون يجلسون في غرف مكيفة و ينفذون أوامر قيادات مستهترة؟!!!
هذا العبث يفرض علينا الوقوف الجاد لمساءلة، ليس الأشخاص فقط الذين اشتركوا في هذا القرار الرخيص الذي ينم عن دناءة و خسة و استهتار، بل ومساءلة المسار الذي نسير فيه، لأن ما حدث ليس حادثا عرضيا معزولا بل هو انعكاس لاختلال و انحراف و فساد عم و زكم الأنوف يجب تصويبه و إعادة قطار الثورة إلى سكته.
إذا كنا حركة تحرر وطنية تخوض كفاحا مشروعا من أجل التحرير و البناء فمن أولوية الأولويات العناية بالعنصر البشري الضامن لأهداف الثورة، و في مقدمتها العناية و الإهتمام بالمقاتل المرابط على الجبهة الأمامية و بالجريح و بالأسير و رد الإعتبار لهم و عدم التنكر لتضحياتهم و العناية بأسرهم .
و إلى حد الساعة لم نلمس مؤشرات لتلك العناية، ولم تترجم على أرض الواقع ما يزيد على عقود أربعة، فمازالت مشاكل ضحايا مقاتلي الثورة و شهدائها مسنودة لشبه مديرية تكاد تكون مجهرية بينما شهدنا في الجمهورية ما يضاعف دولة الصين الشعبية من وزارات!
السؤال الذي يطرح نفسه بحدة الآن هو، ألم يحن الوقت في أن تكون هناك وزارة مكلفة بشؤون الشهداء والأسرى و معطوبي الحرب، في وقت تتكاثر فيه، تكاثر الفطريات، وزارات و مؤسسات إدارية تستهلك ميزانيات ضخمة تفصل على مقاييس و أمزجة أصحابها؟
لم يعد يفصلنا عن مؤتمر الحركة غير أشهر وسيكون من السذاجة السياسية تعليق آمالنا العراض عليه في إيجاد حلول جذرية تقطع مع الممارسات العبثية التي طالت الحياة اليومية للمواطن الصحراوي ليزاحم في لقمة عيشه، و الطامة أن العبث بلغ مداه حين يصل الأمر التصرف في تاريخ و رصيد المقاتلين الذين وضعوا ارواحهم على أكفهم دفاعا عن الوطن، فيتم إلغاء تضحياتهم و كأنها لم تكن. نعم قد نكون سجذا حين نعقد الأمل على مؤتمر نعرف آليات تسييره و طريقة انتخاب المشتركين فيه، لكننا نظل نعول على المناضلين المشاركين في المؤتمر الذين قد يحدثون المفاجأة و يقفون في وجه موجة الفساد التي أتت على الأخضر واليابس، أتت على حاضرنا و هاهي تتطاول على ماضينا، ماضي ثورتنا المشرق.
المجد و الخلود للشهداء.
عيب الدار على من بقى في الدار.

%d مدونون معجبون بهذه: