المسيرة السوداء، الظروف والأهداف والنتائج…

ـ “كأمير للمؤمنين وقائد لسياستك سأزودك شعبي العزيز ببعض النصائح!… إذا ما لقيت إسبانيا كيفما كان ذلك الاسباني عسكريا أو مدنيا، فصافحه وعانقه، وأقتسم معه مأكلك ومشربك وأدخله مخيمك!!!، فليس بيننا وبين الأسبان غل ولا حقد،…فإن اعتدى عليك المعتدون من غير الإسبان شعبي العزيز في مسيرتك، فأعلم أن جيشك الباسل موجود ومستعد لوقايتك ضد كل من أراد بك السؤ!”، بهذه الكلمات العدائية الحاقدة تجاه الشعب الصحراوي والمتواطئة مع الاحتلال الإسباني وجنوده والتعليمات الداعية لحرب الإلغاء والتدمير والإبادة، أطلق الملك المغربي السابق الحسن الثاني المسيرة العار السوداء، مشرعا العنان لزحوف استدمارية همجية من المستوطنين المغاربة الغزاة لإبادة شعب بأكمله وانتزاعه من أرضه وإحلال محله شعب أخر، وجاءت تلك الوصايا والإرشادات قبل ساعات من انطلاق مسيرة الجياع والحفاة والخارجين عن القانون، التي أجتاح من خلالها الاحتلال المغربي الصحراء الغربية، فارضا واقعا استعماريا جديدا، فما هي الظروف المصاحبة لتلك المسيرة الظالمة؟، وأهم الاهداف المغربية منها؟، وكذا نتائجها المدمرة؟، وكيف واجهها شعبنا المستضعف؟
ـ بعد أن أذاق المقاتلون الصحراويون تحت لواء الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب جيش الاحتلال الإسباني هزائم متتالية وضربوا المصالح الاقتصادية الاستعمارية في بلادنا، ومن بينها عملية تحطيم الحزام الناقل للفوسفات في 17 أكتوبر 1974، أستشعر النظام الإسباني التوسعي قرب الهزيمة النكراء وأقترب من الاعتراف بخسارة الحرب، وموازاة مع مفاوضات “شكلية” مع الجبهة الشعبية للتمويه عن النوايا الحقيقة، وفي جنح الظلام خططت إسبانيا الإستدمارية للخروج من الصحراء الغربية مع ضمان مصالحها السياسية والاقتصادية الإستعمارية على المدى المتوسط والطويل والحصول على تنازل أبدي عن الاراضي المغربية المحتلة من الإسبان كسبتة ومليلة وغيرها…، فبحثت عن الطرف “الإقليمي الأكثر تبعية”، فوجدت ضالتها في المملكة المغربية الموهومة بالسيطرة والحالمة بالتوسع والمسكونة بوسواس الإمبراطورية “العلوية المزعومة”، واصطحبت إسبانيا بالتنسيق مع فرنسا نظام ولد دداه الحاكم آنذاك بالشقيقة موريتانيا، والطامح لإبعاد المطامع التوسعية المغربية عن الأراضي الموريتانية، والذي أحدث بتدخله المشين شرخا عميقا في العلاقة التاريخية والثقافية وأواصر الترابط المجتمعي التي تربط الشعب الصحراوي بنظيره الموريتاني.
– وبينما كان الصحراويون يواجهون بما توفر من أسلحة قليلة جنود الاحتلال الاسباني ويسقونهم حنظل الهزيمة ومرها، طبخت إسبانيا الاستعمارية على عجل طبختها الغادرة في 14نوفمبر 1975 ضمن اتفاقية “مدريد المشئومة”، والتي سلمت بموجبها الصحراء الغربية مناصفة للاحتلال المغربي وأعطته شمال بلادنا (الساقية الحمراء)، فيما سلمت الطرف الموريتاني جنوب الأراضي الصحراوية ( وادي الذهب)، وكأنها كعكة حلوى لا مالك لها ولا شعب فيها، فصدقت في هذه الفعلة الدنيئة مقولة “أعطى من لا يملك، لمن لا يستحق”.
– وقبل حتى التوقيع النهائي على الاتفاقية الغادرة، وللإيحاء ب”مقاومة مزعومة ” للاحتلال الاسباني، زحف جنود الإستدمار المغربي إلى الشمال الشرقي من الصحراء الغربية ودخلوا بلدة “أجديرية” في 31 أكتوبر 1975، ومن ثم اجتاحوا مناطق ومدن أخرى خاصة ضمن المناطق الشمالية، أيام قليلة بعدها وتحديدا في 06 نوفمبر 1975 زحف المستوطنون الغزاة، إلى بلادنا بعد أن أقنعهم المخزن المغربي بأساليبه الخبيثة ودعايته الإعلامية أنهم في “حرب مقدسة” و”جهاد نبيل لتحرير جزء من أرضهم المزعومة”، فتقدمت زحوف المستوطنون تحت حماية جنود الاحتلال المغربي، وضمت المسيرة السوداء في مجملها حوالي 350 الف بينهم ألاف المشردين والجوعى ومتعاطي الخمور ومدمني المخدرات والمنبوذين والمتبوعين قضائيا، تعززوا بعشرات الآلاف بعدها تباعا، فيما تواصلت السياسة الاستيطانية إلي اليوم وجمع هذا التحرك الاستيطاني زحوفا من الراغبين في حيازة “جنة”! موعودة في الصحراء الغربية صورتها لهم الدعاية المغربية، كما أوحاها لهم ملكهم ونظامه التوسعي.
– وفي تنفيذهم لتعليمات ملكهم ونزولا عند خطاب سيدهم وأوامره “الملكية الصارمة”!، فقد تقاسم الجنود المغاربة المحتلين والمستوطنون الغزاة أثناء مسيرتهم الهمجية مأكلهم ومشربهم ومأواهم مع المستعمرين الاسبان المغادرين وقتها من بلادنا، وعاملوهم كأخوة وأحباب لا “غل بينهم”! كان أوصاهم ملكهم “الغير متجبر” والمرهف الحس مع الاحتلال الاسباني وجنوده، كما وصف نفسه في خطابه الشهير.
– وأما “الأعداء”!!! كما أسمائهم الملك السابق للاحتلال المغربي في إشارة جلية وواضحة للشعب الصحراوي، وفي تعبير عنصري مقيت ينم عن حقد متجذر وكراهية دفينة أبت إلا أن تظهر بين ثنايا كلماته، فقد كان التعامل معهم كما أمر الحسن الثاني تماما ملئ بالقمع والبطش والترهيب والبربرية الهمجية، حيث كانت المجازر والقتل والتذبيح والاختطاف والاعتقال والسجن والرمي من الطائرات والمقابر الجماعية هي السمة التي ميزت تعامل جنود ومستوطنو الاحتلال المغربي مع شعبنا المستضعف.
ـ الظروف…
على الصعيد الصحراوي، طبعت الظروف التي سبقت مسيرة الجياع السوداء تزايد العمليات العسكرية التي ينفذها المقاتلون الصحراويين تحت لواء الجبهة الشعبية ضد الاحتلال الاسباني وبداية المباحثات والمفاوضات المباشرة وغير مباشرة بين الطرفين الصحراوي والاسباني، مع بروز عوامل قرب خروج الاحتلال الاسباني، بينما طبعت الظروف على الصعيد المغربي قبيل مسيرة الخراب والدمار تزايد مخاوف الملك المغربي من انقلاب عسكري متوقع من الجيش المغربي على النظام الملكي الإقطاعي إضافة إلى تزايد السخط الشعبي من السياسيات الأمنية المفرطة في القمع والبطش وكذا التدهور الاقتصادي المتزايد.
الأهداف…
كان المخزن المغربي يهدف من خلال مسيرة البؤس والشقاء إلى إحداث أمر واقع ممثلا في احتلال الصحراء الغربية ومعارضا لتوصيات الأمم المتحدة ذات الصدد ومخالفا لإرادة الشعب الصحراوي الذي كافح الاستدمار الإسباني لسنوات عدة وحيدا ودون سند أو دعم البت، وأوشك على طردهم وتحرير بلاده من رجس الاحتلال الإسباني، كما سعى المخزن المغربي من خلال مسيرة الحفاة إلى محاولة قهر الصحراويون بالقوة الغاشمة وضرب إرادتهم في الحرية والاستقلال نهائيا، كما هدفت المملكة التوسعية من خلال تحركها الاستيطاني إلى تغيير الديمغرافية وتحويل الصحراويين إلى أقلية في أرضهم والسيطرة على مواردهم الاقتصادية، وعلى مستوى الداخل المغربي، فقد سعى ملك المغرب آنذاك إلى خلق إجماع وهمي داخل بلاده ليكسب التأييد والمساندة تجاه سياساته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت بوادر رفضها من الشعب المغربي وكذا من مؤسسات رسمية عديدة أبرزها الجيش، إضافة إلى رغبة الملك المغربي في إبعاد الجيش عامة و”الجنرالات النافذين” خصوصا عن إدارة البلاد السياسية، ومنع تشكل أو قيام أي ظروف قد تكون مساعدة للجيش المغربي للقيام بانقلاب عسكري تكررت قبل ذلك محاولات تنفيذه وابرزها محاولة إنقلاب الصخيرات 10يوليو 1971 بقيادة الكولونيل محمد اعبابو والجنرال المذبوح ومحاولة إنقلاب “بوارق” بقيادة الجنرال اوفقير 16 اغسطس 1972 لكنها احبطت جميعها، اضافة الى أهداف وخلفيات أخرى وراء مسيرة العار السوداء يضيق المقام لحصرها…
ـ النتائج…
من النتائج المباشرة لمسيرة الجياع، مسيرة الاحتلال والإبادة والتدمير والتشريد، أن ساهمت في فرض واقع الاحتلال في ربوع ارضنا وبثت الرعب في نفوس المدنيين الصحراويين الأمنيين العزل في المناطق المجتاحة من الصحراء الغربية، ووزعت البؤس والشقاء والخراب والدمار في كل ركن من مناطقنا المغتصبة، كما شردت ألاف الأسر وأطرتهم للنزوح إلى البلدان المجاورة، وخاصة منطقة “تندوف” غرب الشقيقة الجزائر، وتم إحلال محلهم عشرات الآلاف من المستوطنين الغزاة المغاربة من المشردين والمدمنين والمتابعين قضائيا، في سياسة إستطانية مكشوفة لطالما ارتبطت بالقوى التوسعية جميعها ارتباطا وجوديا، في مسعى خبيث من دولة الاحتلال المغربي لتغيير الديمغرافية السكانية للمنطقة المستهدفة وهو ما حدث في بلادنا، إضافة إلى تغيير النمط الثقافي ومحددات التقاليد والقيم والعادات لشعبنا وإحداث محل ذلك ثقافة هجينة ومستحدثة وقيم غريبة عن شعبنا الحساني قادمة من المغرب الاستعماري، كخطوة أولية، استعدادا للخطوة التالية وهي الهضم النهائي لبلادنا إذا أمكنهم ذلك، مع إخضاع ما تبقى من المواطنين الصحراويين في المناطق المحتلة لسياسة واقع الأمر الاستعماري، وهم الذين أدركهم الاجتياح العسكري الهمجي المغربي على حين غرة مصحوب بجحافل من المستوطنين وسياسات القمع والقتل والإخفاء القسري والاختطاف والتعذيب…
الرد، والمواجهة المنقطعة النظير…
ـ لم يستسلم الصحراويون للأمر الواقع المتمثل في الاحتلال الذي فرضته المسيرة السوداء واجتياح بلادنا من الجارتين جنوبا موريتانيا وشمالا المغرب، بل أكمل شعبنا مسيرته النضالية، التي بدأها مع المحتل الإسباني، فكان جيشنا المغوار للغزو المزدوج المغربي الموريتاني والمصحوب بآلاف المستوطنين الهمجيين الحفاة كان لهم بالمرصاد، وأذاق الغزاة هزائم سجلها التاريخ بأحرف من ذهب، في معارك و”لبيرات” و”لمسايل” و”الزاك” و”لوارگزيز” و”نواكشوك” الأولى والثانية و”زمول النيران” و”ام لقطى” و”كلتة زمور”…، كما تكفل الجيش الصحراوي الباسل بالدفاع عن المدنيين العزل وأشرف على نقلهم إلى أماكن أمنة بعيدة عن جحافل الغدر والمستوطنين وجيوش المحتلين وعمل على توفير أسباب العيش لهم وأقام المخيمات لهم ووفر الحماية لها، فيما بدأ شعبنا بقيادة رائدة كفاحه الجبهة الشعبية في خطوات مدروسة وعملية لتأسيس دولته الفتية بمؤسساتها العسكرية والأمنية والصحية والتعليمية والخدماتية والدبلوماسية والإعلامية والثقافية…
– تبقى الأسئلة المحيرة حول ادعاءات “الوحدة”! المزعومة التي صاغتها الجارتين، المملكة المغربية وموريتانيا، فكيف لم يعتبر الصحراء الغربية جزء لا يتجزأ من أرضه أن يقتسمها مع غيره وكأنها قطعة شكولاطة أو كعك حلوى؟!، وكيف لمن يزعمون أن الشعب الصحراوي هو جزء من شعوبهم أن يحاولوا إبادته بالكامل وإلغاء وجوده؟!، وأين كانت هذه الدول وأنظمتها التوسعية وقت مقاومة شعبنا الأعزل لإسبانيا، وسط جيران تركوه وحيدا ليواجه القوة الإستدمارية الاسبانية العاتية بل وتعاونوا معها للنيل من كفاحه وطعنه من الخلف؟.
– تمر هذه الأيام أكثر من 44 أربعون سنة على المسيرة السوداء مسيرة الظلم الهمجية لإبادة شعبنا المستضعف، وعقب فشل كل السياسات المغربية الرامية للإبادة والإلغاء كما رديفاتها من السياسات الاستعمارية من الإحلال والاستيطان وحتى الاحتواء والإغراء، أما أنى للمخزن المغربي أن يدرك ويستفيد من تجارب التاريخ، وأن لكل غروب شمس صبح مشرق وان لكل ظلماء ليل نهار مضي ينجلي ببزوغه الظلام والإستدمار والاحتلال، وستزيل إشراقه الصبح بإذن الله بطش وبؤس وشقاء الدولة التوسعية المغربية ومستوطينيها الغزاة وسياستها الخبيثة ودعايتها المغرضة وأدواتها البغيضة، وهنا يستذكر شعبنا المكافح الذكرى السوداء بمزيد من الوحدة المتينة الراسخة بقيادة رائدة الكفاح التحرري الجبهة الشعبية، كما هي الذكرى مصحوبة بإرادة أعمق وعزم أكثر قوة لتحقيق الهدف الأسمى والمنشود للشعب الصحراوي في الحرية وبناء دولته المستقلة وذات السيادة على أرض الساقية والوادي.
بقلم: عالي محمد لمين

%d مدونون معجبون بهذه: