نحنُ الشّعبُ الوحيدُ فوقَ الأرضِ و تحتَ الشّمسِ!!

1ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، الذي تخضع فيه الكثير من العلاقات و الصداقات، أو هكذا يتصرف الكثير منا على الأقل، وفق مقولة: “لاَصَحْبَ إلاَّ بَعْدْ معركة”. لذلك (لا) نتفاجأ، في أحيان كثيرة أن الناس الجدد الذين نتعرف إليهم، يميلون إلى الخلاف و مواطن سوء الفهم و الشجار. هذه المقولة هي مقولة سيئة  متوارثة مصدرها الجهل و الشك و سوء الظن بالآخر، و هي باختصار تمثل سلوكا عدوانيا استفزازيا و شاذا لا يمكن بأي حال أن تتأسس عليه علاقات سليمة تقوم على  الثقة  و الإحترام و المعاملة الحسنة و الأخلاق الفاضلة و القيم الإنسانية.

2ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، الذي يميل فيه الناس الذين تجمعنا بهم الظروف أو تربطنا بهم علاقات عمل أو غيرها، إلى البحث عن نقاط القوة و الضعف الموجودة فينا و التركيز عليها و الإهتمام بها، قبل أي شيء آخر، مثل: القوة العضلية، الحالة الإقتصادية، القبيلة، الأمراض، الحالة الإجتماعية، مكان السكن و من هم الجيران و ما إذا كنا نعرف فلان أو فلانة، الخ.  الكثير من الناس، في بداية معرفتنا بهم، بمطروننا بوابل من الأسئلة الشخصية المباشرة التي لا مبرر لها أو لم يحن الوقت بعد لطرحها لأن العلاقات لا تزال في بدايتها و يجب أن يكون هناك قدر من الراحة و الإطمئنان و الثقة المتبادلة.  هذا الفضول و الإلحاح في الحصول على المعلومات من الآخر لا يثمر عادة علاقة جيدة. لذلك من الأفضل تغيير الحديث أو الخروج من الوضعية الغير مريحة حتى و كان ذلك على حساب اللباقة. استدعاني أحدهم في إحدى المرات للشاي و الغداء، و كانت معرفتي به حديثة. أثناء الشاي، بدء يوجه لي أسئلة كثيرة دقيقة و كنت أحاول في كل مرة تحويل إجابتي إلى حديث مطول من أجل تمضية الموقت و الإفلات من “الإستنطاق” الذي ليس في محله خاصة أني كنت متعبا و الجو لم يكن مناسبا أبدا. كما أني لم أطرح أسئلة مماثلة أملا في أن يفهم الطرف الآخر الموقف و يكف عن طرح اسئلة جديدة. لما يئست محاولاتي، قلت له بدون تفكير كبير أنني أنتمي إلى القبيلة الفلانية. أنقطعت أسئلته و عم الصمت لبعض الوقت ثم عدنا عدنا تدريجيا إلى الحديث العادي الذي يناسب الوضعية.  في الماضي كان الناس يسألون الضيف عن إسمه و عن قبيلته، لأن حياة البادية و الترحال تتطلب ذلك، و هذا كان يحدث بتلقائية و عفوية. في زمننا هذا لم يعد هذا السؤال مناسبا. إن أفضل طريقة نكسب بها ود الإنسان الآخر الذي نتعرف عليه، و نمنحه الشعور بالأمن والطمأنينة، ، هي أن نتحدث عن الأمور العامة التي لا تُلزمه بإبداء موقف معين؛ أو أن نتحدث عن أنفسنا أولا، عن أفكارنا و تجاربنا، بدون تكلف أو مبالغة. و أن نترك للآخر الفرصة ليقرر ما إذا كان يريد مشاركتنا الحديث في هذه المواضيع أو لا و أن نكتفي و نقبل بما يصدر عنه.

3 ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، الذي لم يستطع بعد تطوير آداب و ثقافة للتحدث مع بعضنا البعض. كثيرا ما يصيبني الذهول عندما أتحدث، بعد فترة صمت،  حول موضوع معين، و قبل أن أكمل حديثي، إذا  بشخص آخر في المجلس يقول شيئا مختلفا تماما، أو ربما له علاقة شكلية فقط بالموضوع، لكنه يخرج عن السياق بشكل كامل. أو ربما يقوم الشخص ذاته بالحديث عن “بطولات و أمجاد” لكي يتصدر المشهد و يسرق الإهتمام و الوقت لصالحه. يجب أن نتعلم الإصغاء للغير و أن نعطيه الفرصة للحديث و الإستطراد، و أن نتعلم الصبر و الكتمان و إرجاء قصصنا الخاصة إلى الوقت المناسب. الشيء الذي نريد قوله، يجب أن نعطيه قيمة، لذلك يجب أن نقوله في المكان المناسب و الوقت المناسب و الجو المناسب. يقول أحد الكتاب المعاصرين: أن مشكلتنا الأعظم هي أننا نصغي لكي نجيب، و لا نصغي لكي نفهم. في كثير من الحالات أجد نفسي مضطرا للحديث من جديد عن الشيء نفسه الذي كنت أنوي قوله، مرتين أو ثلاث، لأن من أتحدث إليه أساء الفهم، أو تحدث عن شيء ليس له علاقة مطلقا بما كنت أريد قوله، أو أنه لم يترك لي الفرصة لإتمام حديثي.

4 ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، الذي يأتيك فيه إنسان و يطلب منك القيام بخدمة ما لصالحه، كأن يترك عندك “أمانة” لشخص آخر، لأن ذلك يوفر عليهما عناء الإنتظار أو السفر، أو فوات أجل معين، الخ. و عندما توافق على مساعدتهما، تجد نفسك في موضع حرج، فالأول الذي طلب منك الأمر، سيتصل بك بإستمرار لمعرفة ما إذا كنت قد أنجزت ما طلبه منك، و الثاني، إما أنه سيكثر من الإلحاح و الإزعاج هو الآخر، أو أنه، بمجرد شعوره بالإطمئنان أن حاجته أصبحت في “أمان و مضمونة و أنه وجد حلا لمشكلته”، ينصرف لشؤونه الخاصة حتى يتفرغ منها، و عندما ينتهي منها، فإن كل ما يفكره فيه هو حاجته، و ليس فيك أنت الذي قمت “بعمل المعروف”، لذلك سيأتيك في أي وقت يناسبه “هو”، و ليس الوقت المناسب لكما جميعا. بل أنك ربما تدخل في مشكلة مع أحدهما أو مع الإثنين  كنت في غنى عنها، لو لم تأمرك نفسك الطيبة بفعل الخير وتلتزم بمساعدة الآخرين. و حتى في حالة “لم يمسك سوء”، فلن يخطر على بال أحد أن يوجه لك كلمة شكر واحدة.  نقول “لا ادِّير حَسْنَة، ما تْرَ بَاسْ”. صحيح أنه عندما يتعلق الأمر ببعض النّاس الذين نتعامل معهم كل يوم، الأفضل لنا هو عدم البحث عن “الحسنات” لأننا بذلك نتفادى حدوث “البأس”. من جهة أخرى لا يجب أن ندع هذا السلوك الفظ القاسي الأناني يسيطر علينا و يوجه حياتنا، فهو يخالف الفطرة السليمة و يتعارض مع الثقافة. فنحن نميل بشكل عفوي إلى تقديم المساعدة للآخرين. نحن نقوم بإستمرار بحمل حاجات يرسلها أشخاص ليست لنا معرفة جيدة بهم و إيصالها إلى عائلاتهم و أصدقائهم، كما نقوم بنقل الأخبار و الأسرار و “الأمانات” و “لَمْراسيل” من كل صنف و نوع إلى أصحابها و نحن لا ننوي سوى فعل الخير و مساعدة الناس بتوفير عليهم عناء و مشقة الترحال أو الإنتظار، أو ربما للتخفيف من ألمهم إذا كانوا مرضى. عندما نفعل ذلك، فنحن “نستلمُ ودائع”، و “نؤدي أمانات”. هذه العادات هي شيء يكاد يكون مقدسا، راسخ في ثقافتنا فرضته الظروف الطبيعية و مشقة العيش و بعد المسافات و صعوبة التواصل بين الناس. لذلك لا يجب أن ننسى هذه الأشياء، و نسيء التقدير، لكوننا أصبحنا نملك سيارة أو هاتفا ذكيا و نستطيع إرسال “واتساب” متى نشاء.

5 ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، الذي يسافر أفراده إلى بلدان أجنبية متطورة يسكنها ملايين البشر، ثم يكتشف أن أول إنسان يختلف معه في بلاد الغربة، هو إنسان صحراوي. و الأغرب من ذلك أن هذا الإنسان قد يكون، في كثير من الحالات، هو سفير أو ممثل البلاد، أو شخص مكلف بمهمة ذات طابع عام. هؤلاء بالذات، يجب أن يكونوا مؤدبين و مهذبين و متواضعين، و أن يفهموا أنهم أرسلوا لخدمة أبناء وطنهم و الترويج لقضيتنا الوطنية و ثقافتنا و قيمنا و شرحها للأجانب بطريقة صحيحة. هذا لن يتحقق إلا من خلال السلوك الحسن و التحلي بالهدوء و الصبر و الحكمة .

6 ـ نحن هم الشعب الوحيد، فوق الأرض و تحت الشمس، المقبل على مناسبة سياسية هامة، مثل مؤتمر الشعب العام، يفترض أن تتمخض عنها قرارات جديدة و تنتخب القيادات التي ستقود المسيرة في المرحلة المقبلة، و مع ذلك يسود شبه صمت مطبق، يشبه ذلك الذي يقولون أنه يسبق العاصفة. لم أسمع بأي أفكار جديدة مطروحة للنقاش. هناك خبر  متداول يقول أن بعض التجار الصحراويين و الموريتانيين  تبرعوا بمبالغ مالية و رؤوس من الإبل لتحسين ظروف استقبال المؤتمرين. هذا ذكرني بحادثة مماثلة من التسعينيات، حيث كان بعض المشاركين في المؤتمر يتحدثون بعد عودتهم في مهرجان عام عن أجواء المؤتمر و نتائجه. إحدى المتدخلات، لما لا حظت أن الوقت قد طال وأن الملل بدأ يتسلل إلى نفوس الحاضرين و بدأ بعضهم يغادر المكان، أرادت جذب إنتباه الجمهور من جديد لكي تقول، ما يبدو أنه كان مهما بالنسبة لها قبل فوات الأوان. نظرت إلى النساء من حولها و صرخت بأعلى صوتها  في وجوههن قائلة “وَاوْ يَلَعْلَيَاتْ”، و هي تتحرك و تدور فيما يشبه الرقص وتُلوِّحُ بيديها و أطراف ثيابها في الهواء، و تكرر “واو يلعليات!: الْحَمْ!  الْحَمْ!  الْحَمْ!”.

بقلم : سلامة محمد لمين عبد الله