رسالة وداع.

قطاع لطالما عبرت عن عدم رضاي عنه منذ الوهلة الأولى، و كيف لا أُعلنها اليوم و هو في عز هزاله.
16 من شهر أبريل من سنة 2013 كان هو تاريخ تعييني على رأس المديرية الجهوية للشباب و الرياضة بولاية بوجدور، من طرف السيدة المحترمة و المقدرة عزة أبراهيم ببيه، عضو الأمانة الوطنية و والي ولاية بوجدور آنذاك، و يا لها من مهمة صعبة، بحيث عينت في منصب من بين أصعب المناصب في الولاية أي برنامج عطل في سلام و في ذلك من الصعوبات و الإكراهات ما فيه، بالإضافة إلى تأثير الجانب النفسي المتعلق بمدى تقبل العديد من كبار السن لي كشاب يافع يبلغ من العمر 19 عاما و كأصغر مدير جهوي على المستوى الوطني.
بعد إستلامي المهمة التي لم تكن بسيطة حيث بدأت مباشرة في تسفير الأطفال و لأول مرة، لأنني لم أكن على دراية بتعقيدات هذا البرنامج، فالمرة الأخيرة التي سافرت وشاركت كمستفيد منه كانت سنة 2004، إستلمت المهمة التي زاد من وعورتها الكثير من الناس و من بينهم مسؤولين بارزين في الوزارة و الولاية و ذلك من أجل ثنيي عن مواصلة هذه المهمة و إقناعي بأنني لازلت طفل صغير و لا يمكنني أن أسيير حقيبة مثل هذه، كانت هذه العبارات بمثابة الدافع الحقيقي من أجل إثبات بأن الشباب الصحراوي مهما صغرت سنه كفيل و قادر على تحمل المسؤوليات مثله مثل الكبار.
بدأت بالعمل مع أول أفواج البرنامج و تسفيرهم الى المطار و في اليوم الثالث من العمل كنت أرافق فوج متوجه الى العاصمة الإسبانية مدريد و لما وصلنا البوابة الداخلية للمطار طلب منا الشرطي التوقف و قال لنا لا يمكنكم الدخول إذهبوا حتى يأتي معكم مشرفكم و إنفجر الأطفال ضحكا لأن المشرف أو المدير يتقدمهم، أخبرته أنني أنا المشرف و لم يصدقني و إضطررت أن أعطيه بطاقتي المهنية و قرأها و قال لي أنت مدير جهوي و إنفجر هو الآخر من الضحك و نادى على زملائه و قال لهم بالدارجة:
– ” أرواح تشوف هذا الطفل مدير “؟؟؟؟؟؟؟؟
كانت عبارات إستفزازية ومحبطة لدرجة كبيرة إلا أنها كانت أيضا تحديا ودافعا معنويا ولم تزدني إلا عزيمة على مواصلة الطريق بكل صعوباتها، كنت مؤمنا وقتها أن هذا ليس سوى قليل من كثير سوف اواجهه في طريق ليست مفروشة بالورود. وأثناء الجزء الثاني من البرنامج وهو عودة الأطفال من الديار الإسبانية بدأت العائلات تتساءل عن المكلف الجديد ببرنامج عطل في سلام و كانوا حين يقال لهم أنه (أنا) يستغربون وخاصة الشباب منهم، ويتبادلون التعبير عن إستغرابهم بالقول بالحسانية (هو اللا هذا الطفيل )….. كانت هذه المواقف وغيرها كثير بمثابة الحافز و الدافع من أجل تقديم الصورة المناسبة واللائقة عن “الطفل” أو الشاب الذي يستغرب الكثير من الناس تواجده على رأس هذا البرنامج، الكثير منهم لا يستغرب بسوء نية و إنما لأنه لم يألف شباب في هذه السن في مناصب من هذا النوع.
إنتهت مرحلة سفر الأطفال الى الخارج و بدأ التحضير للعودة وهي جزء من البرنامج له خصائصه هو الآخر وصعوباته ومشاكله، أولها أن المديرية لاتتوفر على وسيلة نقل، وعند وصولنا إلى مقر الولاية تأتي غالبية العائلات لتسلم أطفالها ويبقى عدد من الأطفال بدون أن يأتي أحد من أفراد عائلته و نضطر الى توصيله الى بيت أهله (وبالطبع الأماكن متفرقة ومتباعدة في كل أرجاء الولاية)، وكان الطقم يتكون من شابين فقط و أحيانا يصادفنا أن يكون طفل في الجهة الشرقية و الآخر في الغربية و يالها من مهمة صعبة، ونضطر الى توصيل الجميع و نبقى نصول و نجول في الولاية مشيا على الأقدام حتى طلوع الشمس، إنتهت العودة بهذه الوضعية بالكثير من المعاناة و التعب لكن بدون أي مشكل يذكر ووصل كل الأطفال الى أهلهم في ظروف عادية بتوفيق من الله عز و جل.
بدأت التعرف على العمل شيئا فشيئا حتى أصبحت المديرية من بين أحسن المديريات تسييرا للبرنامج بل أحسنها، كانت الظروف كلها جد صعبة و غير محفزة البتة بحيث لا نمتلك لا مقر للمديرية و لا مكان يأوينا بعد ليال السهر و التعب و لا مكان للإدارة بحيث كانت الإدارة عبارة عن محفظة نتنقل بها من مكان لآخر أو منازل بعض الأهل و الأصدقاء كانت هي الأخرى مكان تجمع فيه كل الوثائق و ما أكثرها.
إنتهت سنة 2013 بما فيها و بدأت سنة 2014 و التي بدأتها بالكثير من التفاؤل بتحسين أوضاع العمل، لأن العمل لم يكن يقتصر على برنامج عطل في سلام بل كان فيه جانب آخر ذو أهمية بالغة لكنه فوضوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى وغير مبني على أي قاعدة، و كان يتطلب منا الكثير و الكثير جدا من العمل و دراسة السبل التي من شأنها تطويره أو بالأحرى تحسين مستواه و هنا أتحدث عن عالم أسمه الرياضة و كنت مدرك للأهمية الكبيرة للرياضة و تحسينها و العناية بالكثير من المواهب التي تضيع من بين أيدينا بشكل يومي، كان تسيير هذا القطاع ليس بالأمر الهين لأنه مبني على الفوضى و تسييره غير دقيق على عكس برنامج عطل في سلام في تلك الفترة الذي كان منظم تنظيما محكما و يسهر عليه رجال من أجل أن يمضي بالشكل المطلوب.
يكاد يكون الروتين السنوي للعمل جد متشابه و كل ما تقوم به في كل السنوات هو نفسه اللهم إذا كنت إبتكرت برنامج أو أتيت بفكرة جديدة تجعلك تضيف شيئا.
كنا في ذلك الزمن نصف تلك الفترة بالعصيبة بحيث لم نكن راضين بالوضعية التي يسير فيها القطاع رغم أن برنامج العطل كان يعيش أروع أيامه عملا و تنظيما، و لغبائنا و ضعف تقديرنا للكثير من الأمور التي كنا نعيشها في ذلك الزمن لم نكن نظن في يوم من الايام أن تلك اللحظات كانت من بين أروع الأيام و آخرها التي كان برنامج عطل في سلام يعيشها، لأن القطاع ضاع ضياع لا يمكن وصفه.
و في هذا الإطار لا أنسى كل تلك المهام التي كلفت بتسييرها بشكل مؤقت أذكر منها، تكليفي بديوان الوالي لفترة من الزمن، و رئيس دائرة آقطي، و دائرة لمسيد، كما تم إنتخابي أمينا للقطاع الاجتماعي بفرع المؤسسات الجهوية، ناهيك عن سنوات من العمل كمقدم للعديد من الأحداث المحلية و الجهوية و الوطنية التي تم تنظيمها بالولاية، و رئاسة اللجنة الجهوية المشرفة على برنامج الشباب و الطلبة لصائفة 2016، كما كلفت برئاسة الوفد الصحراوي المشارك في دورة الجزائر الكبرى للدراجات الهوائية التي جابت 24 ولاية جزائرية شهر مارس 2015، و التي تعتبر المشاركة الدولية الأولى من نوعها في سباق الدراجات، و الأولى التي نشارك فيها و يشارك معنا فريق العدو المغربي الذي إنسحب بعد تأكد مشاركتنا في البطولة التي سيطر عليها لسنوات، كما كانت لي مشاركة في مؤتمر الإتحادية الإفريقية للرياضة و العمل بالجزائر العاصمة، و جولة تعريفية بالقضية الصحراوية على مستوى مدينة برشلونة جابت مؤسسات تعليمية و أخرى شبانية، وأخرى على مستوى مدينة غاليثيا حيث تم إستقبالنا بالبرلمان الجهوي و العديد من البلديات بالمدينة.
لأن أخوض في العديد من التفاصيل التي تم القيام بها في الفترة التي توليت فيها هذه الحقيبة التي كانت فارغة، و أين وصلت، من مديرية مغمورة لا يعلم بها أحد، بل أن الكثير من الناس لا يعرف حتى إسمها، لأن هذا واجبنا مهما صغرت الإنجازات أو كبرت.
أُغادر اليوم تاركا هذا الحمل الثقيل الذي أتعبنا، شاكرين كل المواطنين الطيبين الذين رافقونا في كل المحطات و الذين لولاهم لما كنا قد نجحنا في أي شيء، و من خلالهم الى السلطات الاساسية، المحلية، الجهوية، و إلى كل الرفاق في وزارة الشباب والرياضة، كما أشكر جزيل الشكر كل شباب ولاية بوجدور الرائعين و أطفالها على كل مجهوداتهم و عطاءاتهم في ميدان الشباب و الرياضة.
وهنا لا بد أن أخصص هذه الفقرة لأشخاص كان لهم الفضل الكبير في تكويننا و بنائنا و أن أشكرهم جزيل الشكر على الثقة التي منحوني إياها و الدعم الكبير الذي لقيته منهم، وهم: الأخت العزة أبراهيم ببيه، والي بوجدور، التي لن أنسى فضلها علي حيث عينتني مدير الشباب و الرياضة بولاية بوجدور و أنا في عمري 19 سنة و هذا لم يحدث من قبل حيث أبانت السيدة الوالي عن ثقتها العمياء في الشباب، و شهدت الولاية في زمنها حراك شباني ليس له مثيل و تم تعيين شباب في مختلف مؤسسات الولاية، و الشخص الآخر هو محمد مولود محمد فاضل الوزير السابق للشباب و الرياضة، الذي أعتبره مثال بالنسبة لي، و الذي تعلمت منه أشياء كثيرة جدا، و الأخ أحمد علين الأمين المساعد السابق بولاية بوجدور، و كذلك الأخ و الرفيق أحمد لحبيب عبدي الوزير السابق للشباب و الرياضة.
أغادر مرغما بسبب العديد من الظروف والصعاب، ولكن المغادرة وإن كانت تعيق مساهمتي في أداء الواجب إلا أنها لا تمنعني من تفصيل وشرح الفكرة التي أروم توصيلها للقارئ وهي أن الحياة والعمل مسيرة مستمرة ومتواصلة، وهذا التواصل والإستمرار لا يكون بالإبقاء على الجمود والركود لأن ذلك يعني العفن في منطق الحياة، وثقافات جميع الشعوب على الأرض تتبنى تسليم الفاس أو أداة العمل للأبناء ليستمر العطاء، وجميع التعاليم والدراسات تشير إلى أن تعليم الأجيال الجديدة لا يتمثل في إبعادها عن تولي المهام بل يكمن في تكليفها بالعمل وهي بعد يافعة لتكبر ويكبر معها الإطلاع والدراية بتعقيدات الأمور ويتعمق الفهم لديها بالتفاصيل المطلوبة للحفاظ على جودة سير الأداء، ولكن أكثر من ذلك لتعزيز ثقة الشباب بنفسه أولا وبمحيطه الإجتماعي ثانيا وصهره في مصيره وفتح عينيه على أنه هو المعني الأول به. وفي حال لم يتم الأمر بهذه الطريقة وأبقت سلطاتنا على الجيل الجديد مفصولا عنها فمع الأيام سيستنتج الشباب أنه ليس معنيا بما يدور حوله وأنه عليه أن يجد لنفسه عالما آخر، وستجد السلطات العاجزة حينها نفسها وحيدة ترتكز على عصا السنين والحمل ثقيل. وبوادر وعلامات هذه الحالة بدأت في الظهور والله المستعان.
بقلم : عبد الرحمان عبد المعنم

%d مدونون معجبون بهذه: