أم أدريگة… مجزرة تأبى النسيان… شهادة الأم المناضلة سكينة منت خنيبيلة.

أنا سكينة منت خنيبيلة، أقطن حاليا في دائرة تينيگير (بوجدور) ولاية الداخلة، مع قرب الإجتياح العسكرس المغربي من مناطق سكنانا نزحنا (الإنطلاقة كما تعرف شعبيا) من منطقة “العرگوب” كغيرنا من الصحراويون الذين فروا حفاة وعلى عجل مشيا على الأقدام أو على ظهور الأنعام وقلة في شاحنات صغيرة أو سيارات لاندروفر من مختلف مناطق الصحراء الغربية، بفعل الإجتياح الهمجي المغربي الغادر بحثا عن سكينة أنتزعت في ليل دامس وأمن أختطفه الغزاة وجيشهم الهمجي، وذلك عقب سماعنا لما أرتكبه الجيش المغربي من جرائم وإنتهاكات في المدن والمناطق التي أجتاحها في شمال بلادنا، كمدينة أجديرية والسمارة والعيون…، توجهنا إلى منطقة “أگطيان”، ومنها نزحنا الى منطقة “العطف”، وهي منطقة بها مرتفع “رجم” يسمى شعبيا ب “العطف” ويقال أن ذلك “الرجم” سمي على رجل صحراوي معروف عند سكان منطقة تيرس، ألتحق بنا عدد كبير من النازحين الصحرايين من مختلف المناطق من الجنوب وخاصة من مدينة الداخلة ومناطقة تشلة والعرقوب وغيرها… أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ…وقلة من الرجال الذين يتولون تأمين تنقلاتنا ويسهرون على توفير المأكل والمشرب للنازحين.
مكثنا ب”العطف” يوما كاملا بليلتة ونهاره، ثم بعدها توجها إلى وادي “تبليت” ومكثنا ليلة هناك، وهو مكان قرب منطقة “بير أنزران”، ومع ساعات الليل الأولى من تلك الليلة الباردة سمعنا أصوات الطيران الحربي المغربي تحوم في الأجواء، ومن أخر ساعات تلك الليلة المرعبة إلى صباح اليوم الموالي تواصل فرار النازحين من منطقة “واد تبليت” صوب منطقة “أم أدريگة”، وفيها أستقر بنا الحال لمدة.
أكملنا شهرا كاملا في منطقة “أم أدريگة”، وفي زوال اليوم الأول من الشهر الثاني لوجودنا في “أم ادريكة” أي يوم 18 فبراير 1976، وفي حوالي الساعة الحادي عشر صباحا من ذلك اليوم المخيف المفزع، وفي وقت كان فيه النازحون متفرقون بين الأودية والشعاب وبعضهم عند مكان توزيع المياه الذي يضم حاويات تخزين المياه (البريگ)، وبعض الأطفال يلعبون ويلهون بالتخطيط في التراب ويمرحون بألعاب تقليدية عند أشجار “الطلح” والتي تقع شمال مخيمنا(مخيم أم أدريگة)، وفي تلك الأجوار المريبة، كسرت ذلك الهدو الخداع أصوات الطائرات الحربية المغربية، فأنتشر الرعب والهلع وفر الجميع إلى مختلف الإتجاهات بحثا عن مخبأ يقيه حمم البغض الأسود والكراهية العمياء وقنابل الإبادة الجماعية، وكالبرق قصفت الطائرات المركز الرئيسي لتجمعات الخيم ضمن مخيمنا (بلد گلب لفريگ أقبال قرب السدرات لكبرات)، وأشتعلت النيرن في كل الإتجاهات وشبت الحرائق في الخيم المتهالكة وأشجار الطلح وفي الحاجيات التي كان اللاجيئون يستعينون بها لمواجهة ظروفهم القاسية.
أفترق النازحون بنسائهم وأطفالهم الأبرياء العزل في كل الإتجاهات، وبعضهم فر إلى المرتفع “الكدية” للنجاة بجلودهم، وأثناء هروبنا نحن إلى المرتفع (الكدية) أسترحنا قليلا نظرا لوجود والدنا معنا وهو شيخ كبير وضغيف، ونحن نأخذ إستراحة مصحوبة بالفزع والإرتباك قرب المرتفع (الكدية) جاءنا رجل يحمل زوينانة منت أبوه ولد محمد وهي تنزف وقد قطع ذراعها، ثم ذهب بها ذلك الرجل إلى مجموعة من الجرحى متواجدة قرب “سدرة” كبيرة، وفي المجموعة أم زوينانة، وقد أستشهدت أمها فيما بعد بفعل القصف الوحشي، وفي تلك الأوقات العصيبة تصاعدت أعمدت الدخان من كل جانب وأنتشر الصياح والدماء وروائح الحرائق، وهام اللاجيئون الأبرياء على أوجوههم في كل مكان.
وبعد هدؤ لوقت وجيز أغارات الطائرات المغربية من جديد، وهذه المرة أستهدفت المستوصف الطبي بقصف مباشر، وكانت فيه الشائعة منت أحمد زين وأمباركة منت احمد زين، وقد أصيبتا إصابات بليغة، فالشائعة وهي حامل أصابها القصف في بطنها وسقط الجنين وهو لم يكتمل، أما أختها فقد قطع ذراعها.
في تلك اللحظات زاد الهلع والخوف وتفرق النازخون العزل بين الشعاب وفي كل واد يهيمون، حتى إن بعض النسوة من شدة الخوف والإرتباك تركن أبنائهن خلفهن.
أما عائلتنا نحن فقد فقدنا إبنتا زوليخة لثلاثة أيام، وقد ظننا أنها قد ماتت أو ضاعت في غفار الأودية إلى الأبد، إلا أنها وبفضل الله ولطفه قد ألتقت وهي هاربة من القصف نحو المجهول ألتقت بنازحين صحراويين قرب منطقة “أم أدريگة” وأحتضونها.
ومن مشاهد الهلع التي شاهدتها بعيني وظلت محفورة في ذاكرتي، مشهد بقاء إمرأة وقد جاءها المخاض وحيدة تحت “سدرة”، بعد أن هرب عنها الجميع.
وبعد هدؤ القصف تم جمع كل الجرحى ومحاولة إسعافهم بما توفر من إمكانيات قليلة جدا.
بعدها بقليل تم قصف تجمع أخر للاجئين، وفر النازحون الأبرياء في كل الاتجاهات، ومنهم من وجد بعدها قرب منطقة “أگليبات الفولة”.
وفي مخيم ثالث، وفي وقت كان في النازحون يعيشون في سكينة مريبة تسبق العاصفة، والفارين من جحيم الإحتلال يشاركون في عرس أحد أبناء مخيمهم المؤقت، حلقت طائرات الجيش المغربي الهمجي وأغارت قرب تجمع اللاجئين، ضمن مخيم أطلق عليه ” لفريگ الگبلي”، وهو الواقع إلى الجنوب من المخيم الرئيسي ب”أم ادريگة”، ويضمن النازحين الذين فروا (الانطلاقة) من منطقة أوسرد ، لحظات قليلة ثم عاودت الطائرات المغربية القصف، وفي هذه المرة ضربت مركز المخيم أي مكان تواجد كثافة الخيم، فأستشهد وجرحى كثيرون بينهم أحمد حاتم ومعه أمه وهم تحت “سدرة” واحدة.
نقل منظمو المخيم النازحون بحثا عن أماكن أكثر أمنا، وأثناء هربنا بحثا عن ملجأ، ألتقينا بنازخين كثر هم بين إصابات بليغة ووفايات وخوف وهلع، وكان منهم فاطمتو وإبنتها ابنة سيدي محمد ولد حمادي وهن جريحات في القصف، فاطمتو توفيت في السنوات الأخيرة، بينما توفيت إبنتها مدة قليلة بعد ذلك القصف الهمجي بسبب النزيف الذي خلفته إصابتها المباشرة أثناء غارات الطائرات المغربية على “أم ادريگة”.
تحرير : عالي محمد لمين
%d مدونون معجبون بهذه: