هل نعيش إرهاصات أزمة هوية على وقع استفحال اختلالات الواقع؟؟

بقلم : إبراهيم داهي

أنطلقٌ في هذه المقاربة القصيرة من منظور وظيفي يعتبر البنيات الاجتماعية تتمتع دوما بأدواروظيفية ترفع نسبة التناغم والتكامل في حالات التوازن وتضعه في حالة الاختلالات ، ولأن الأزمات تشكل جزءا لا يتجزأ من مسيرات الشعوب المريرة، فهي بالتأكيد ظاهرة صحية حين تٌدرك القوى الحية الفاعلة في المجتمع ضرورات التغيير والمراجعة ، لكنها تصبح بنيوية مزمنة تهدد الثوابت عند التمادي في إعادة انتاج شروطها واسبابها.
منذ فترة طويلة نعيش ما يمكن أن نسميه تجاوزا مرحلة انتقالية تلقي بظلالها وتداعياتها على مسار لم يتسن بعد أن يتولد مخاضه العسير عن عبور تاريخي مأمول الى مرحلة التأسيس والبناء الفعلي خاصة في حالتنا كمجتمع فتي يخوض معركة حرب التحرير الى جانب بناء الدولة الوطنية حيث اتسمت هذه المرحلة المتراكمة في الزمان والمكان بتشعبات وتعقيدات رفعت حدة الجدل الدوغمائي المسجل على كل الصعد والمستويات وزادت منسوب التشكيك الذي يٌترجمه بشكل صارخ تعارض القيم وتناقضها الامر الذي صار معه التعايش المجتمعي الواعي جد معقد لاختلاف المنطلقات وأحيانا المرجعيات فضلا عن اليات الادراك ومن ثم التصورات. لقد افرزت قيم الانفتاح القسري بعد أحداث 88 روابط وعلاقات مركبة هجينة تأسست فيها أطراف ألقت بثقلها الاجتماعي مٌحاولةَ بأنانيتها النزقة اكتساح مساحات كافية عساها تمكنها من فرض تصوراتها وقيمها ما أسفرعن حالات متجددة من الصراع الأيديولوجي الذي تؤطره حاجات سياسية ظرفية مخاتلة هنا ومهادنة هناك.
عملت الالة الأيديولوجية إبان مرحلة الانفتاح جاهدة على نسج توليفة غامضة تحت ضغط وابتزاز عناصر مستجدة شديدة التأثير في الواقع الجديد أملا من النظام في تحقيق توافق مفقود بين تصورات وقيم افرزتها معطيات الانتقالة الجديدة وأخرى موروثة ظلت تطبع الى يومنا هذا الواقع باختلالاته الكبرى التي تعبر عن تجذر أزمة بنيوية ، فكرية ، وسياسية اجتماعية بعد الفشل والعجز البين في التأسيس لميكانيزمات ما بعد المرحلة الانتقالية والارتهان لتصورات تلفيقيه لا تقدر على المبادرة.
في ظل هذه الشروط بتنا نعيش على وقع أزمة أخلاقية متعددة الأوجه والتداعيات تٌحرف القيم ومازالت كذلك تمتد وتتفاقم بالرغم من الدعوات المتتالية من هنا وهناك للمراجعة والبحث الجدي في افاقَ تٌمكن من الإقلاع عن إعادة انتاج صيغ متآكلة مترهلة تجاوزها إيقاع التطور السريع للواقع الذي اصبح يلفظ من يوم لأخر كل الأساليب البالية في تنميط طغيان الحاجة السياسية المزمنة للأدلجة وتزييف الوعي نظير حالات الافلاس الكلي والتقاعس البائس والكسول عن استشراف اليات إجرائية تحرك الخطو المتثاقل الذي دأب استمراء تصورات مستهلكة اضحت هلامية المعنى يٌراد لها أن تظل خارج حسابات الزمان ومقتضياته.

مازال الخطاب السياسي متماديا مٌنبريا في إعادة انتاج مفرداته المتقوقعة تحكمه ازدواجية سلبية وصيغ تركيبية كثفت حالات التعارض والصراع العقيم الناتج عن الغموض وعدم القدرة على استيعاب المتغيرات والبحث في مواكبتها. لقد كان الاجدر والحالة هذه أن يتأتى خلال هذا الزمن الانتقالي التأمين لتحولات تحت شروط قمينة بالتأسيس لتصورات وخيارات تمضي قدما نحو حسم معركة المصير بجبهة داخلية موحدة الجهود والتوجهات ، لكن شيئا من هذا لم يحدث أمام بروز نزعات جديدة كبلت الممارسة السياسية واستدرجتها الى غياهب مد لا ينتهي من التحريف والردة ، فضاعت بذلك الثوابت التي أصبحت سجينة حسابات أخرى أدت الى منزلقات خطيرة ندفع ثمنها الباهض اليوم. إننا نعاني اليوم سيادة لغة المتناقضات في خطاب سياسي رسمي لاهم له غير حماية التموقع والمواقع وتأمين المصالح والتحالفات ، ففي ظل افاق لا توحي مؤشراتها القريبة على الأقل بإمكانية استشعار خطورة سلسلة الإخفاقات المتواترة والمتراكمة والاحساس بالحاجة الماسة الى ضرورة تقدير هذه المرحلة الحرجة ، يتضح أن المشهد السياسي في راهنيته الذي تنظمه وتحكمه يد الانقسام ومعادلات التوازن التقليدية بقيمها المتخلفة ،أصبح تتوزعه نزعات متطرفة بمرجعيات تدميرية خطيرة تطل برأسها في دلالة على تراجع تاريخي واضح للمد الدينامي الثوري الذي ترك مساحات كبرى للمد الرجعي بكل اشكاله وفي مختلف الاتجاهات. يحدث هذا كله في ظل إرهاصات أزمة انتماء تجذرت في الممارسة السياسية افقيا وعموديا باتت تؤشر الى أخرى في الهوية زاحفة أخذت مبلغا من الوعي الجمعي والذاكرة الحابلة بمتناقضات الهوية الضائعة بين تجني أهل القربى في الوطن وحرب الغزاة الاستعمارية بعد الفشل الذريع في الاحتكام الى قيم المواطنة العصرية والارتهان في المقابل الى لعبة التوازنات وعبث العابثين المتنطعين من محترفي الشطحات الانقسامية التضليلية التي ما فتئت تٌعمق الهوة المٌقوضة للمشترك فينا ولأحلامنا في بناء مجتمع الدولة والمواطنة الكريمة.
أخيرا مهما ضاقت الفرص فـإن فسحة الأمل توفر لنا جميعا برحابتها المتوهجة إمكانية استنهاض القوة الثورية الكامنة واستجماع شروط واقع جديد وثاب بخيارات تاريخية تواجه بجرأةِ الفعلِ المسؤول أسئلة الحاضر المحرجة وتحتوي مطباته حتى تَتَكشفَ هواجس المستقبل بتحقيق الإنتقالة المرجوة على طريق إجلاء ليل الاحتلال البغيض وضرب مخططاته ومؤامراته بقطع دابر أذنابه.

%d مدونون معجبون بهذه: