جبهة البوليساريـو 1973 – 2020 الملحمة الصحراوية الكبرى.

يبدو كما لو كان الأمر يتعلق بمعجزة لكنها الحقيقة الناصعة، البوليساريو شكلت نموذجا فريدًا من نوعه، بالنظر إلى الظروف غير المواتية، التي أحاطت بملادها.
فقد تم تأسيسها، في المقام الأول، كرد ضروري على العمى السياسي وسوء الفهم والقصور الذي طبع تعاطي إسبانيا، القوة الاستعمارية في الإقليم، ورفضها العروض السلمية والمقترحات الرامية إلى الوصول إلى تفاهم، وتسوية توافقية، والتي تقدم بها يونيو 1970 زعيم أول حركة تحرير صحراوية، الفقيد محمد سيدي ابراهيم بصيري.
لقد شكل اعتقاله واختفاؤه فيما بعد، وكذا مذبحة انتفاضة الزملة 1970، ونفي وسجن قادة الحركة، أحداثا مهدت في مجملها، الطريق لظهور حركة تحرير وطنية جديدة في مايو 1973. لقد كان ميلاد جبهة البوليساريو بمثابة محاولة ثانية لتحرير شعب يتعرض للإهانة وسوء الفهم، ويتعزز بداخله تدريجيا الرغبة في الخلاص من سطوة قوة استعمارية، ما فتئت تعبر عن احتقاره.
لم يتم تأسيس جبهة البوليساريو لأن الشروط كانت متوفرة لبروزها كحركة على الإطلاق. لقد كانت وثبة وقناعة راسخة، دون أدلة مادية حينها، على أن الشروع في الفعل سيتولى خلق الظروف المناسبة، لنجاح الكفاح التحريري، بدون أسلحة وبإمكانيات مادية شبه معدومة، وبدون أدنى اتصال خارجي بالعالم.
كانت القناعة الراسخة بأن السير هو الفعل الذي يمهد الطريق، هي الحافز وقوة الدفع الكبيرة، للقيام بعمل استثنائي من هذا الحجم. البوليساريو أكبر من مجرد حركة، أو حزب سياسي أو حتى جبهة واسعة، إنها الحلم الذي يتطلع إليه ويتقاسمه كافة أفراد الشعب الصحراوي، وهي تجسد أمله وتشكل حميميته الأكثر قربا وعمقا. إنها الشعب الصحراوي نفسه، وقد تحول إلى ملحمة يومية، إنها الألياذة والأوديسا في المخيال الغربي، والذي يتفاخر الجميع بها، من مختلف المشارب الإيديولوجية، من أجل تعزيز مكانتهم في أصل الهوية الغربية.
البوليساريو، بمثابة ملحمة “رامايانا” و “ماهابهاراتا” الأسطورية بالنسبة للعقلية “الهندوسية”، والتي تتعدى كونها أسطورة بطولية حول الصراع بين الخير والشر، لتصبح الهوية الثقافية للهند. أو هي “كالشاهنامه” للشاعر أبو القاسم الفردوسي بالنسبة للثقافة الفارسية، والتي تتجاوز كونها أهازيج للأباطرة، للثقافة واللغة الفارسية، لتغدوا ميراثا محل اعتزاز الجميع على مر التاريخ باعتباره تخليدا للحضارة والفخر الوطني. على نفس المنوال، تحولت جبهة البوليساريو مع مرور التاريخ، إلى موضوع يتجاوز أي تجسيد أو تجلي مادي، إنها استعادة الأنفة التي مرغها الاحتلال الاستعماري، في أوحاله لمدة طويلة، إنها ظاهرة مركبة؛ سياسية، عسكرية، اجتماعية وثقافية تمكنت من إحداث تحولات عميقة في المجتمع الصحراوي، إنها الإرادة الجماعية والفردية للشعب الصحراوي. هي كذلك المميزات القتالية الخارقة، التي أظهرها المقاتل الصحراوي خلال سنوات الحرب، والتي لم تكن نتيجة تلقين عقائدي، ولا بسبب انضباط عسكري كلاسيكي، ولا استجابة لخطب تلهب الحماس، ولا رغبة جشعة في غنائم الحرب، أو أي مقابل مادي آخر….؛ ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية؟ إنها ببساطة انفجار غضب متراكم، بسبب الشعور بمرارة الخيانة، انفجار غضب دفع بكل الصحراويين، وهو يرى مدى الاستعداد للتضحية لدى الرفاق، إلى التنافس في البذل والعطاء من أجل القضية.
البوليساريو هي كذلك، أنين السجناء السياسيين في المعتقلات المغربية، إنها روح “گديم إيزيك” وسجنائه، إنها الصمود الأسطوري للاجئين الصحراويين، لدرجة تشابه نهج المدرسة الفلسفية الرواقية في الفكر اليوناني، والذين رودوا صحراء “لحمادة” القاحلة، والتي لم تكن مهيئة للسكن، بل وكانت تعتبر تقليديا “مسكنا مخيفا للأرواح الشريرة”.
البوليساريو هي ابتهالات عجوز صحراوية في وسط الصحراء، وأدعيتها بعد صلواتها الخمسة كل يوم، والتي لطالما أنهتها بالتوسل إلى الخالق بأن ينتقم ممن تاجروا بشعبها واجتاحوا وطنها. إنه العطاء والبذل ألا متناهي، الذي يتسم به المعلم والممرض والطبيب، وهو يعلم ويعالج في أصعب الظروف؛ إنها ناقل المياه للاجئين خلال فصل الصيف الشديد الحرارة، إنها المقاتلون “المرابطون” العصريون المنتشرون على طول الجدار العسكري الذي يقسم وطننا، إنها المقاومة وروح التحدي اليومي الذي يبديه شعبنا في المناطق المحتلة، إنها المرأة الصحراوية التي تعد بالفعل العمود الفقري لهذا الإعصار الثوري.
كل أولائك جميعهم، هم “أجاممنون” و “هيكتور” و “أخيل” و “أوليسيس” الذين يعيشون ويقاومون ويكتبون الملحمة اليومية، للمقاومة الصحراوية بأحرف خالدة، مهما تجاهلتهم وسائل الإعلام، بين “هوميروس” زماننا.
إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/37 ليس فقط هو الذي يعطي الشرعية، وصفة تمثيل الشعب الصحراوي لجبهة البوليساريو، ولا كمحاور فيما يتعلق بالقضية الصحراوية أمام الحكومات والمؤسسات الدولية، بل العلاقة الحيوية والحميمية بين البوليساريو والشعب الصحراوي، هي ما يغذي الجبهة ويبث الحياة في الشعب الصحراوي، ويطعم وعيه وألا وعيه بِمُثل الحرية، وهي في النهاية ما يوفر للجبهة كحركة تحرير عباءة الشرعية وتمثيل الشعب.
في هذا الإطار، قد لا يكون ثمة من هو أكثر براعة وحصافة من الشهيد أحمد بابا مسكة، حين اختار عنوان “البوليساريو روح شعب” لأحد كتبه، الذي أراد من خلاله تقديم صورة ومعنى للجبهة.
الدبلوماسي عليين حبيب الكنتاوي. ٢٠ مــــــــاي ٢٠٢٠ ولاية آوسرد مخيمات اللاجئين الصحراويين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: