مسخ التاريخ وتبديل الحقائق.

بقلم : محمد لبات مصطفى.
بكثير من التبسيط، فإن أي محاولة لاصطناع تاريخ ينطوي على المخاتلة و الحجب و التلاعب و التوظيف و التزوير وقلب الحقائق وهز الثوابت الوطنية التي التف حولها الصحراويون على مر تاريخهم القريب منه و البعيد هو بالتأكيد ما يفتح الثغرات ويستدعي الأطماع الأجنبية والمؤامرات على المجتمع و الوطن والشعب و القضية.
يتساءل كثير من المواطنين الصحراويين اليوم وأسئلتهم هذه مشروعة : لماذا يتعرض تاريخهم بشكل غير مسبوق لحملة شعواء من المسخ والسلخ؟ لماذا يحاول أحدهم، وبترصد و نرجسية، تبديل وتحريف الوقائع التاريخية ؟ لماذا لا يتوانى في خرجاته المطولة، عبر مؤسسة التلفزيون الوطني الصحراوي الرسمي، في إثارة الجدل والصخب من خلال رواياته ومغالطاته التي تستهدف طمس معالم ووقائع وحقائق تاريخ المجتمع الصحراوي ماضيه و حاضره ؟
لسنا هنا في وارد أن نعدد خرجات المعني المثيرة للجدل لأن الكثير منها سيفوتنا، لكنها حالياً في أوضح تجلياتها ، وقد بدأت وتيرتها تتصاعد بشكل لافت للنظر في الآونة الأخيرة..
واللافت أنه يستهدف بقرصنته السياسية الفترة الممتدة من ما بين 1972 إلى يونيو 1976 أكثر من غيرها، و حول هذه الفترة بالذات نرجو أن يتسع صدره ويجيبنا على السؤال التالي:
بين الفينة و الأخرى يتناهى الى علمنا أن المعني كان قد شغل منصب الأمانة العامة للجبهة ؟ هل يمكن له ان يخبرنا، و يوضح “من وجهة نظره” للأجيال، حيثيات هذا الأمر المسكوت عنه وظروفه التي ينتابها الكثير من الغموض؟
ما يبعث على الحزن والأسى حقاً أن يقودك حظك العاثر إلى مشاهدة أحدهم وهو يستمرئ المغالطات ويمارس البهلوانيات لتسويغ ما لا يسوغ من زيف و ترويج لأحاديث الإفك بعيدا عن معايير الدقّة والموضوعية، ناهيك عن الأمانة والضمير وبقية أخلاق في حفظ عهود الرفاق ودم المؤسس الذي أعطى للحرية ثمنها ولتقدم الصفوف معناه وللشعب كل المعاني، لأن هذا التنظيم الحاضن وهذه الدولة الجامعة أصبحا ممكنين فقط بفضل احتضانهما من طرف الجماهير الثائرة والتفاف خيرة أبناء و آباء الصحراويين حولها في بير أم أگرین و الزويرات و أطار و تندوف ونواذيبو وبشار و نواكشوط والطنطان وكليميم ووادنون والعمال في هولندا و فرنسا اضافة الى كل مدن وقرى ومداشر الصحراء الغربية ابان حقبة الاستعمار الاسباني
فوارق التكوين الشخصي و القيادة االباهرة للشهيد الولي ظاهرة لا تخفى على أحد، و إستثنائيته الفذة في التاريخ الصحراوي المعاصر لا جدال فيها. لقد استطاع، رحمه الله، بارادته الصادقة وعزيمته القوية التي تلهب حماسة الجماهير وتفيض عليها من سحرها وإلهامها العاطفي، صهر جميع قطاعات و شرائح المجتمع من تجار وطلبة و عمال و توحيد صفوفهم في خلايا و فروع كان لقاء عين بنتيلي للوحدة الوطنية ثمرته..
كما كان الشهيد الولي دائم البحث عن السند و الدعم والتحالفات من خلال الرحلات المكوكية التي زار فيها الجزائر وليبيا و موريتانيا و مالي و بيروت والتقى بزعماء من فيتنام و قادة فصائل وحركات التحرير العربية و الافريقية و العالمية
وحين يعود من رحلاته الخارجية يلتحق بجبهات القتال يتقدم الصفوف مانحا المثل وطالبا الشهادة، فكان الشهيد الولي، في جبهات القتال، دائم التنقل وكثير الحركة بين وحداته المقاتلة، يرسم الخطط وينسق بين جبهات القتال و يشحذ معنويات رفاق السلاح. ظل هكذا ديدنه حتى أسلم الروح مقبلا غير مدبر مطبقا بالفعل لا القول مقولته الخالدة في الثأر للصحراويات والصحراويين “اذا أردت حقك يجب ان تسخى بدمائك”
إن حقائق التاريخ المجردة تكشف أن مقارنة جهود الولي ودوره مع غيره في ثورة 20 ماي التي نخلد اليوم ذكراها ال 47 هي سذاجة كبيرة واستهانة بالعقول، وإلا كان جائزا أن تقارن سرعة صاروخ عابر للقارات ببطء سلحفاة عجوز .
بالتأكيد ان التاريخ، الذي تعددت شهوده وصانعوه لا يزال أثرهم حيا في النفوس، سيفرض حقائقه في النهاية، وبالتأكيد أيضا أن التاريخ لم يضيع حقا ولن يضيع حقيقة لأحد..
لقد وضع “صاحبنا” نفسه أكثر من مرة في مواقف تشينه و تحسب عليه ، ولم يكن آخرها خروجه في كلمته المكتوبة يوم تأبين الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز، بنبرات التائه المتحامل الفاقد للذاكرة وحتى لأبجدية الصدق مع الذات…
السلطات العامة في المجتمع تمثل الدولة والتنظيم، لكن متى ما تخلت تلك السلطات عن حيادها، تبدأ شرعيتها في الاهتزاز. فهل ما يتقول به “صاحبنا” هو بداية لاعادة النظر في صياغة جديدة لتاريخ البوليساريو؟ علما أنه يرئس لجنة تدوين التاريخ، وكم هي جسيمة،لعمري، وخطيرة مسؤولية تدوين تاريخ الشعب الصحراوي النازف دما على امتداد الحقب التاريخية ماضيها وحاضرها. وهنا قد يتبادر إلى ذهننا التساؤل الأكبر: إذا كان الواقعُ يُحرَّفُ أمام أعيننا فما بالُ تاريخ مجتمعنا الذي وصل إلينا من العصور السابقة؟
هناك قاعدة تقول ان السياسي لا ” يؤتمن” على كتابة التاريخ لانه لا يستطيع أن يتعامل مع الأحداث بتجرد و موضوعية خصوصا اذا كان أحد صناعها أو الفاعلين فيها كما هو واقع الحال… ولكن يمكن أن ينشر مذكراته التي يضمنها “وجهة نظره” لتلكم الأحداث والوقائع ليس الا .. كما ان زمن حملة القلم لكتابة وتفقيه مجتمع بدوي امي … قد ولى، مع عهد الجبهة وتثقيف وتسييس الشعب وولوج المئات بل الآلاف من أبنائه المثقفين والمتعلمين للمدارس و الجامعات و المعاهد.
لتدوين تاريخ نفتخر بتوريثه للأجيال الصحراوية القادمة لابد أن يكتبه ثقات لا يعرفُ الزيغ أو الميل أو الهوى إلى أقلامهم أو نفوسهم سبيلا.. والحقيقة أن هناك بيننا من هم غير مبرئين من التزوير بإجماع الآراء، وانتهازيين باتفاق الأدلة، يتسللون ويقدمون أنفسهم فى ثياب المؤرخين.
بعد فاجعة الزملة و اختفاء الفقيد محمد سيد ابراهيم بصيري، وحين بات في حكم المؤكد أن النضال السياسي السلمي كان قد استنفد غرضه ، بعد قمع الإنتفاضة. أمام هذه الوضغية ، وحين أصبح الفعل مطلبا ملحا، وحين جد الجد؛ تقاعس الى يومنا هذا بعض الطلبة الجامعيين [ أعرفهم ] الذين لازموا البدايات في جنوب المغرب، و بحجج وادعاءات مختلفة، تقاعسوا في المضي قدما في مشروع التحرير مع مطلع سنة 1973
في هذه الفترة بالذات طلب الشهيد الولي من “صاحبنا” اللحاق به في المحبس وكلف من يرافقه الى هناك .. قبل أعوام بمقر سفارة الج الص بالجزائر ، أخبرني صاحبنا بنفسه كيف أنه لم يستسغ إلحاح الولي عليه في الإسراع بالانطلاقة. لكني كنت أعلم أنه تماطل في الالتحاق بمن كان لهم فضل السابقين…
لا أريد أن أتطفل على التاريخ لكني أتذكر قدر استطاعتي بعضا من الوقائع التي عايشتها، وأنا طفل، في بلدة الطنطان؛ أتذكر أسماء تتقدم المشهد اليوم، وقد تقاعست عن تلبية نداء الثورة متحججة بحجج وادعاءات واهية، منها أن الظروف غير ملائمة وبالتالي فان الثورة ستكون أشبه بالمقامرة، وبعض تلك الأسماء “الكبيرة اليوم” تذرع بمواصلة الدراسة، وقد قالوها صراحة نحن طلبة “أصباعنا إدوحسوهم استيلوات ولا عندنا شي للكفاح المسلح” . لا زلت أتذكر الإجتماعات التي كانت تعقد في بيتنا و منازل العديد من الصحراويين حول الوضعية في الساقية الحمراء ووادي الذهب، مناشير التوعية التي كانت توزع بين الفينة والأخرى على الأعيان و الشيوخ الصحراويين ، قمع المظاهرات السلمية ، اللافتات والشعارات المحمولة آنذاك ،المراسلات القادمة من “مكار تندوف” ، والواردة بعد ذلك من قمم الجبال الى الفرع ، أذكر قبل ذلك السجن في الادارة ، أذكر، رغم حداثة سني، السجن بمقر الدرك الملكي المغربي حيث كسر ساعد يدي الأيمن وتلقيت الاسعافات الاولية على يد أحد طلبة الطب الصحراويين الموقوف مع رفاقه في السجن بسبب المظاهرات .. أذكر مواقف متخاذلة لقادة حاليون لم يلتحقوا بالثورة والميدان فعلا إلا بعد ان فتحت سفارة الج الع الص الد في الجزائر وكانت “دار النصر” مقرها
لا زلت أذكر تفاصيل ومشاهد ومواقف لن تسر بالتأكيد بعض “رفاق” الولي ممن يحرص اليوم بعد رحيله عن دنيانا الفانية -ويا للمفارقة- على احتلال “صدارة” المشهد حتى وإن تطلب الأمر لي عنق التاريخ.
20 ماي 2020