لحقائق التاريخ أوجه متعددة : الحاج احمد باركالله و المرحوم أحمد باب ولد احمد مسكة.

بقلم رئيس التحرير : أحمد بادي محمد سالم.

منذ ما يناهز السنة تقريبا أضحى إسم الدبلوماسي الصحراوي والوزير الاسبق الحاج أحمد باركالله الأكثر تداولا في “التراند” الشعبي الصحراوي إذا جاز الوصف، وهو مقياس “الدف” بلغة الشارع ، قبل أن يصبح إسم الرجل متداولاً بكثرة وتطاله ألسن الجميع من النخبة إلى الغوغاء حتى في عِرضه وهو ما يتنافى و أخلاق مجتمعنا وقيم ديننا.
شكل مقال الحاج احمد الذي نشرته “المستقبل الصحراوي” في ثاني أيام المؤتمر الرابع عشر للجبهة الذي إحتضنته ولاية الداخلة، شكل ذلك المقال مادة دسمة خلال جلسات المؤتمر بما حمل من سقف عالي من الوصف والتحليل والمتابعة حتى أن القاعة المخصصة لوسائل الاعلام لنقل حدث المؤتمر شهدت إزدحاما كثيفا يومها للعديد من المشاركين الذين ارادوا تصفح الانترنيت لقراءة المقال حينها، ومع ان مانُشر يومها مجرد مقتطفات من تحليل طويل خطه الرجل بيده قبل خمسة أشهر من المؤتمر وسلمه لرئاسة الجمهورية كتقرير فيما حدثني بعد ذلك ، غير أن تلك المقتطفات لاقت رواجا كبيرا كنا شهود عليه،سيما وان خطوة الرجل جاءت تعزيزا لخطوة أخرى أكثر جرأة ووضوح وهي إعلانه الاستقالة رسميا من الحكومة الصحراوية التي كان يشغل فيها يومئذ وزير التعاون ، كان سبب الاستقالة رفض الرجل أن تظل وزارته مجرد مديرية مركزية تابعة للوزارة الاولى يبصم وزيرها بالعشرة على مايريده الوزير الاول ليس الا.
سلوك التمرد هذا الذي إنتهجه الحاج أحمد باركالله هو جزء من شخصيته بحسب الذين عاشروا الرجل طويلا، فالرجل لا يرضى دائما بأقل من ترك بصمته وتصوره في أي قطاع يتولى مسؤوليته ، فبقدر ماكان تكنوقراطياً مواظباً في كل عمله فانه يرفض دائما أن يخضع للابتزاز أوينظر له كرجل ثاني في قطاع هو الأول فيه بحكم التعيين أو التعديل، عكس كثيرين رمتهم الأقدار بالمسؤولية عبر الوساطات أو القرب من هذا المسؤول او ذاك او بدافع ضغط لوبي قبلي، إنتزع الحاج احمد مكانته بكفاءته ومؤهلاته العلمية وثقافته التي تمزج بين الاصالة والمعاصرة فهو لم يخرج من جلباب مجتمعه البدوي وبساطة يوميات حياته، مقدرة الرجل على المزج بين الاسلوبين ستجلب له بعد ذلك نقمة الكثير من الرفاق لم يستطيعو مجاراة الكم الهائل من الاستلاب الثقافي الذي واجهوه وهم بعيدين عن المرابض فجرفهم تيار المسخ الثقافي ليخرجوا عن العادة .”الخروج عن العادة بلاء ”
في الطريق الى تشييع جنازة الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز جمعتني الصدفة غير المخطط لها مسبقا بالحاج أحمد لاول مرة سأكتشف رجلا محاورا ومثقفا من طراز عالي كانت مصطلحات مقالاته تشدني دائما لقراءة مايكتب الرجل بلغة سيرفانتس في الاغلب وكشف لي سفري رفقته_ حيث يقال أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال _ عن شخصا بسيطا للغاية إلى حد قد لايصدق ، خرجنا من “الرابوني” مساءا كان رفقتنا مستشار حالي لرئيس الجمهورية هو الآخر كان كفاءة ديبلوماسية فذة بدأت بنفسها في فتح المجال للشباب وتسليمه المشعل بعدما أدركت أنها لم تعد بإمكانها تقديم شيئا للقضية بحكم السن البيولوجي ، أخذنا المبيت عند “شرطة الحدود” هناك وتحت ضوء النجوم وحيث الصمت يلف الصحراء والحزن يعم منكبنا تحدث الحاج أحمد عن لقاءات وسفريات عديدة جمعته بالرئيس الشهيد كان آخرها إجتماعهما بالداخلة أثناء المؤتمر الرابع عشر للجبهة وبعد ضجة المقال الذي نشرته “المستقبل الصحراوي” حصريا، خلال الحديث كان الدمع يملأ مقلتي الرجل بكل إنصاف لرحيل رمز مهما كان حكم كل واحد منا عليه إلا أنه كان إستثناء وسيظل ، كان الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز رحمه الله خارق الجلد والصبر يقول الحاج احمد ، حدثني انه ذات مرة كان الرئيس في زيارة الى دولة بأمريكا اللاتينية وكان البروتكول يقضي باستقبال الرئيس الصحراوي في قصر الضيافة الذي يقع على تلة مرتفعة جدا وخاف سفير بلادنا حينها الحاج أحمد من تأثيرات مضاعفات الربو المزمن التي كان يعانيها الرئيس الشهيد وبحكم إنعدام الهواء على التلة وكثرة الرطوبة ، سعى فيما قال لي لاستبدال مقر الاستقبال من أعالي التلة الى سفحها حيث هناك مقر يمكن استقبال الرئيس الصحراوي فيه ، طرح الرجل الفكرة على الرئيس الشهيد الذي رد عليه “مايغدالك شيء كامل فيه مصلحة أهل الصحراء ندور نلحقو يعملو الفوق ولا التحت” ، صعد الرئيس الشهيد و إستقبله الرئيس المضيف وانتهت الزيارة الرئاسية بنجاح منقطع النظير يقول الحاج احمد وحمدت الله ان الرئيس لم يصبه اذى حينها ، عن محمد رحمة الله عليه تحدث الرجل بكل فخر وتسامي وعن لقاء الوادع الذي اعقب نشر مقال الحاج أحمد المثير للجدل أخبرني الرجل أنه التقى الرئيس الشهيد ليلا وجده في وضع صحي متقدم ولكنه متماسك ونحيل البنية في طريق العودة الى الرابوني من الداخلة ذرف الحاج الدمع طويلا بدا صدق ذلك مما لاحظته في عينيه من دمع ساكن حتى في يوم الدفن.
رحل محمد شهيدا بحول الله، وجد الحاج احمد رفقة بعض رفاقه الآخرين أن الوقت حان لتحقيق تغيير جذري في البوليساريو يسمح بتجسيد التواصل بين الاجيال والقطيعة مع ممارسات أعاقت تقدم الجبهة فاسسوا مايعرف يومها ب “المبادرة الوطنية الصحراوية من أجل التغيير” تيار نقدي من داخل البوليساريو أثار تأسيسه لغطاً كبيراً قبل أن ينفجر من داخله ، لترسوا سفن الحاج احمد اخيرا على تيار راديكالي من حيث القطيعة مع البوليساريو على مايسوق لنفسه ، فرغم انه لايقصي البوليساريو ولا يهضم تاريخها الطويل ولا ينكر تجذرها الشعبي العريق إلا أنه ينزع منها صفة التمثيل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي وهذا حتى منحى تأخذ بها المحاكم الاوربية التي تخوض البوليساريو أمامها حرب مع العدو المغربي، فالمحاكم الاوربية لاتشكك في تمثيل البوليساريو للشعب الصحراوي ولكنها لاتحصر تمثيلة الشعب فيها بشكل قاطع .
بعد تفكير طويل وخرجات عديدة إختار الحاج احمد طريقا آخرا لم يكن في الحسبان قد يؤاخذه عليه كثيرين من حقهم ذلك ، غير أن الأكيد أننا خسرنا رجلا مثقفا من طراز فريد ، خسرناه ليس لأنه كان يريد الخروج عن الصف ويبيت نية القطيعة مع البوليساريو ، ولكن لأن”مافيا” الأوصياء على المشروع الذين سرقوا الجبهة بعد إستشهاد الولي ، ونكلوا بالكفاءات الصحراوية واوصدوا الابواب أمامها لا يزالون يكتمون أنفاس الناس ويرهنون المشروع في المجهول طالما يخدم أنانيتهم وغطرستهم وتلك هي المصيبة الكبرى.
الغطرسة في المشروع و إستغلال النفوذ للنيل من الخصوم الى حد التصفية طالت رجل مثقف آخر خسرته القضية ومحى المتعجرفون وضعاف النفوس، أعداء النجاح والتألق محوا بصمتهم في تاريخ هذا الشعب ما شوش بعد ذلك على الاجيال القادمة في فهم سيرة المثقف البيظاني الصنديد المرحوم احمدباب ولد احمد مسكة ،كثير من أبناء الثورة إلى الآن لا يعرفون من سيرة الرجل وجهده في خدمة القضية الصحراوية إلا النزر اليسير لأن خفافيش الليل ارادوا طمس معالم بصمات الرجل مباشرة بعد إسشتهاد الولي مصطفى السيد ووصل بهم الأمر الى إستصدار مادة قانونية في المؤتمر الثالث للجبهة لمنع احمد باب ولد احمد مسكة من تبؤ أي مقعد في الحركة والدولة ، انه الانتقام المريض لكل ماله علاقة بارث الشهيد المفجر.
بلع احمد باب ولد احمد مسكة طعم الخديعة بصمت وإيثار ونزل من برج الثورة التي تقلد فيها مناصب عليا بالمجلس الانتقالي الصحراوي أو “البرلمان” اذا جاز الوصف وتمثيل الدولة الصحراوية في بعض البلدان. نزل من البرج بعد ما ضاقت به مكائد الغوغاء وعاد إلى حرفته المعهودة الكتابة المتالقة فوصف “البوليساريو بأنها روح شعب” وترك الصبيان يتقاتلون يكيد بعضهم لبعض المكائد حتى إنفجرت البالوعة العام 1988.
التقيت المثقف احمد باب ولد احمد مسكة أثناء حضوره المؤتمر الرابع عشر للجبهة كان الرجل حينها في ضعف جسدي ولكن بذاكرة حية ، صدفة وبعد يوم من نشرنا مقال الحاج احمد كنت رفقة “احمد باب ولد احمد مسكة” نتناقش في موعد للقاء وكان هو بدائرة “تنيغير” او ما يعرف سابقا لدى سكان ولاية الداخلة ب”دائرة بوجدور” ، كان الرجل تعلوه إبتسامة وتملأ محياه لمحة تفاؤل كنت حدثته أن لقاءنا سيكون صاخب معرفياً لأننا نريد نقل الحقيقة، ضحك الرجل بتواضع وقال لي”مايخلق ماهو الخير” بشرط أن لا أنشر اللقاء قبل أن أبعث له نسخته الأخيرة عبر أحد أقاربه كان يرافقه وثمة اسرار طلب مني أن لا أذكرها لأن الوقت حسبه غير مناسب لنبش الماضي.
في اللقاء الذي سجلته كاملا عرجت بالرجل على كل المحطات التي مر بها وكان هاجسي معرفة لماذا ترك الجبهة اذا صح الوصف؟ ، اصر هو أنه لم يترك الجبهة مثلما أصر أن الولي رحمة الله عليه استعجل الاستشهاد وان كانت الموت حق ، كان الرجل حذرا في ردوده ، فهمت منه أنه منذ 1977 لم يعد مطلعا على كل ما يجري في كواليس الرفاق وان اغلب وقته كان خارج المخيمات أو أبعد بطريقة ذكية ماكرة حتى أنه اكد لي عدم علمه بما تعرض له بعض الاشقاء الموريتانيين الذين ساندوا الثورة وانضموا لها ولفقت لهم تهم كثيرة زجت بهم في سجن “الرشيد” وتعرضوا لأبشع انواع الظلم والاذلال ، تزامن ذلك مع ما قرأته في كتاب “الاسراب الجانحىة” للدبلوماسي الليبي الشهير محمد سعيد القشاط الذي يروي فيه كيفية بداية تنكر القيادة الصحراوية الجديدة لمجهوداته وعدم تقديرها لعلاقة الرفقة التي ربطته بالولي مصطفى السيد ومعاملته ببرودة تامة أدرك معها هو نفسه أنه لم يعد محبوبا بيننا.
التنكر والاجحاف الذي عومل بهما كلا الرجلين أحمد باب احمد مسكة والليبي القشاط وربما بشكل أقل اللبنانية ليلى بديع فيما بعد كل هذه الشواهد تؤكد أن الرفاق انقلبوا على إرث الشهيد الولي سريعا لطمس كل مامن شأنه تذكير الرفاق ببصمة الزعيم الذي جمع الكل حوله في لحظة تاريخية غير قابلة للتكرار.
كتم المرحوم احمد باب ولد احمد مسكة غضبه وبلع مكر الذين يصغرونه رؤية وتصور لنموذج مجتمع بيظاني يمتد من المحيط الى الرمل في أعماق إقليم الازواد المالي ، وظل وفيا لروح الشعب رفيقه الولي مصطفى السيد مثلما ظل يذكر بخير الاب “أمهمد ولد زيو ” والمرحوم “اعلاتي ولد ميارة” حكيمي الثورة كما وصفهماها لي في ذلك اللقاء الفريد ، تخلى عن الاضواء وسخر قلمه للكتابة عن الشاب البدوي البيظاني الفريد ظاهرة عصره الولي مصطفى السيد ، واسلم الروح لبارئها رمزا للمناضل الوفي المتسامح والمفكر الالمعي الناضج التفكير والاسترتيجية.
خسرت البوليساريو في أول الطريق حكمة ورؤية أحمد باب ولد احمد مسكة وكفاءة الحاج احمد باركالله بعد خمسة اجيال ، غيرهما كثيرون دفنوا في “الحمادة” بقانون سيف الحجاج الثوري الذي قطف رؤوس كفاءات صحراوية عديدة لمجرد الإختلاف الذي جُبل عليه بني البشر ، هكذا يعيد التاريخ نفسه دائما وفي قصة الصحابي أسامة بني زيد خير العبر لفهم الحقيقة التي له اوجه متعددة دائما .
عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: بعثَنَا رسولُ اللَّه ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا الْقَوْمَ عَلى مِياهِهمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنهُمْ، فَلَمَّا غَشيناهُ قَالَ: لا إِلهَ إلَّا اللَّه، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدينَةَ بلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أُسامةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَومَئذٍ.
فهلا شققتم عن قلوب المناضلين يارجلي” اسمع ارغى وخطف لحوية ” ..
تكاد اغنية فرقة ناس الغيوان المغربية الشهيرة .تختصر حكاية المقال :
ما هموني غير الرجال الى ضاعو
لحيوط الى رابو كلها يبني دار
في الصورتين :
– الحاج احمد باركلا رفقة الرئيس الشهيد مع الروائي الارغواياني الشهير ادواردو غلياني


– المرحوم احمد باب ولد احمد مسكة رفقة الرئيس الشهيد في قاعة المؤتمر 14 للجبهة