الخالدون المنسيون.

بين إجحاف التاريخ و مزاج المؤرخ.
“النسيان يلتهم أعظم عملية عسكرية صحراوية ضد المستدمر الإسباني”.
في سلسلة ” الخالدون المنسيون” أرتئي عليكم التطرق الي عملية فدائية عسكرية جريئة ربما قد تكون الأولى في تاريخ الجيوش، نفذتها وحدات تابعة للجناح العسكري في الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب (في بدايات النشأة كانت الجبهة الشعبية تقف على ركيزتين الجناح السياسي” التنظيم السياسي” و الجناح العسكري ” التنظيم العسكري”.
وهنا لايفوتني إلا أن أنبه أن تلك العملية التي أصبحت في طي النسيان، مثلها كمثل العديد من بطولات هذا الشعب الأبي، و التي قد لا يصدقها بل لا يتصورها إبن العشرين و لا حتى إبن الثلاثين لأنهم ببساطة لم يسمعوا عنها شيئاََ و إن سمعوه فهو ضئيل و يسيير.
عملية فريد من نوعها لم تكن في حساب المستدمر جعلته يركع مرغما مهرولاََ يتوسل التفاوض مع الجبهة بعد أن تأكد من عجزه و إنهزامه متيقناََ أن أيامه أصبحت معدودة.
لكن المدهش في الأمر حقاََ هو أن القوة المقاتلة التي نفذت العملية هي في الواقع مجندة ضمن قوات المستدمر الإسباني من تشكيلة ما يعرف شعبياََ ب:(طربانوماظا) القوات البدويةtropas nómadas
هذه الوحدات كانت مشكلة من مجندين وضباط صف صحراويين كان معظمهم إما مناضلا سابقا أو متعاطفا مع الحركة الطليعية لتحرير الصحراء بقيادة فقيد الشعب و القضية :محمد/سيد ابراهيم/بصيري التي بطش بها المستدمر في أحداث الزملة الدموية يوم 17يونيو1970م من القرن الماضي، فوجد هؤلاء الصحراويون المجندون ضالتهم في الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب التي تتبنى الكفاح المسلح وسيلة للتحرير، و قد تنادوا للإنتماء إليها لكن بسرية تامة بإعتبار أنهم جنود في جيش المستدمر ما يجعلهم جنود خونة في عين الجيش الإسباني و إعدامهم بعد محاكمة عسكرية صورية، أو حتى من دون محاكمة، بتهمة الخيانة العظمى أمر وارد بقوة لو تم إكتشاف أمرهم.
لذا لم يكن ممكناََ أن يمر هذا الشهر، شهر ماي، الذي يصادف هذه الملحمة التاريخية دون الإشارة إلى هذا العمل الملحمي و إيفاء هؤلاء الرجال الصناديد بعضا من حقهم بنفض الغبار عن بعض من تفاصيل تلك العملية الفدائية الفريدة التي نفذها أولئك الرجال الشجعان و كانت الفارق الذي صنع النصر النهائي على المستدمر الإسباني.
المؤسف أن أولئك الرجال نادراََ ما يتم الإشارة إليهم وإلى صنيعهم، وقد ارتقى معظمهم شهداء في ميادين الوغى والشرف في تواضع ونكران للذات وزهد في الشهرة، فكان أن طوى النسيان ذكراهم وعظيم صنيعهم.
فما أقسانا على المخلصين من أبناء هذا الشعب، هم زهدوا في الشهرة و المنصب واستشهدوا في صمت، ونحن زهدنا في الإشارة، مجرد الإشارة، إليهم وإلى ملحمة صنعوها وحققت، فكان أن دفنا الملحمة ودفنا ذكرها معهم.
والمحزن حقاََ أ وأشد مرارة أن من أوكل إليه كتابة تاريخ الثورة” تواطأ” مع النسيان لتنسل هذه العملية العسكرية المدهشة و التي صنعت الفارق من تاريخ ثورتنا، ربما لأن العملية و رجالها لم يوافقوا هوى و مزاج ” المؤرخ” و شاهد العصر الذي يحرص، بمزاجية وبكثير من الذاتية، على إبراز أحداث في سياق شهاداته مجرد مقارنتها بهذه العملية البطولية أمر يثير السخرية.
# الفكرة:
العملية البطولية كانت من بنات أفكار الزعيم والقائد الفذ الزعيم الشهيد الولي/مصطفى /السّيد الذي مرر الإقتراح إلى المناضلين الصحراويين المجندين في القوات الإسبانية، وترك لهم تصور إعداد العملية و طريقة تنفيذها طبق ظروفهم الميدانية على أن تتم العملية بنجاح.
أستمر التحضير والتنسيق للعملية ما يقارب السنة، وحرص المنفذون على تأمين عامل المفاجأة حرصا على أن تحقق العملية أهدافها.
# من أهداف العملية:
– تحطيم أسطورة “الجيش الإسباني الذي ربح 99 حرباََ” بتنفيذ عمل بطولي يضرب معنوياته في الصميم.
– ضرب المشاريع الإستعماوية المشبوهة: التي يحاول من خلالها تمديد فترة إستعماره لأرضنا و الإستمرار في إستنزاف ثرواتنا.
– إرغام الإدارة الإستعمارية على التفاوض الذي يراد منه إنهاء الإستعمار وتحقيق مطالب الشعب الصحراوي في الإستقلال.
– امتلاك أوراق رابحة في التفاوض. فالتفاوض حتى يحقق أهدافه يجب أن يكون من منطلق قوة و القوة تتطلب إمتلاك أوراق قوية. و الورقة الرابحة هي امتلاك ما يمكن الضغط به على العدو، فكان لابد من أسر ضباط و جنود إسبان في العملية .
إذا كانت الآمال المعلقة على هذه العملية تتجاوز الهدف العسكري إلى أهداف تفاوضية سياسية. يمكننا القول دون مبالغة أنها لو تحقق لها النجاح ستكون العملية التي تصنع الفارق على المستويين السياسي و العسكري لمصلحة حركتنا التحريرية.
فهل إستطاع رجال الدوريات. “البطرويات” رفع التحدي؟ هل كانوا في مستوى الآمال المعلقة عليهم؟ هل نجحوا في المهمة العسكرية الفدائية الخطيرة و التي ينتظر منها إذلال مجد الجيش الإسباني وتمريغ أنفه “وهو الذي لايهزم” في الوحل؟
هل يتمكن هؤلاء الرجال الأشاوس ضرب أسطورة ربح جيش 99 گیرا من خلال عملية عسكرية واحدة؟
هذا ما سنجيب عنه في بعض من تفاصيل تلك الملحمة و نتائجها المهلة.
عيب الدار على من بقى في الدار.
بقلم : النخ بدة
يتبع