حب السلطة..

الحب يبرر كل شيء تقريبًا …. هل يمكن للمرء أن يقع في حب السلطة؟ الجواب يبقى للأطباء النفسيين والفلاسفة. ولكن في الحياة اليومية ، النتائج واضحة.
شخصيات متغطرسة تعبر الحواجز المستعصية على أصحاب القيم الاخلاقية
لا تهمهم القيم الأساسية التي تميز التعايش. حتى الحياة ليست محترمة. كل ذلك من أجل زيادة القوة التي يفرضها البعض على الأغلبية. ولهذا يستبيحون كل الحيل المعقدة بشكل متزايد. وعندما يعتقدون أن الوضع يستحق ذلك ، فإنهم يلجأون إلى قوة الاتهامات الهائلة وكل أشكال الباطل التي يتعاملون معها والتي تنتهي بتحول المتمردين إلى مساجين أو جثث أو ضحايا لهزيمة نفسية ستميزهم إلى الأبد.
لقد شهدنا في البوليساريو مظاهر مختلفة لهذا الحب الجامح، تجرعناها لنصف قرن ومازلنا. .أجيال بأكملها لا تزال لا تستطيع التعافي من الهزيمة السياسية أمام عجرفة قادة مرضى إستعبدهم حب السلطة وكاد يحيلهم مرتزقة يشمخون من معاناة وشقاء شعبهم. ومنهم مجرمين دمويين اغتالوا أبناء جلدتهم لأجل السلطة أو انتقمموا لأحداث من زمن “الغزيان” فقتلوا خيرة المقاتلين ، ولأجل قاموا بتسييس القبلية ، وزوّروا الحقائق والتاريخ ، وشردوا جيوشا من الأبطال ، والمقاتلين ، والمثقفين ، والوجهاء ، والأصدقاء والمتضامنين، ولعقوا ما حصل من انتصارات بجماجم رجالنا واشلاء شعبنا. لقد أوصد حبهم الأعمى للسلطة الأبواب أمام كل محاولات الإصلاح والتغيير منذ 1974 ، وبذلك فتحوا للعدو ثغرات ولج أحشاءنا من خلالها ، فظهرت الأورام الخبيثة لتحول الخيانة إلى وجهة نظر وطريق من طرق الكفاح والتي إن استمر التعصب للسلطة على حاله وصمت الشعب عن هذا الضعف القاتل، فإنه لا محالة، سيصيب مقاومتنا وشكيمتنا بنوازلَ وأضرارٍشتّى قد تسير بنا من ضياء النور إلى ظُلمة العتمة، وسنندم على صمتنا وتعاطينا السلبي مع قيادة استحلت كراسي اللجوء فتاهت بوصلها عن الطريق السويّ. فالمصيبة ليست في ظلم الاشرار، بل في صمت الأخيار.
أما انتم ايها القادة، فإليكم ذكرى الخالدين عسى الله بها يمدكم بالبصيرة:
الزعيم الكوبي الأسطوري فيديل كاسترو الذي قهر أمريكا، فاجأ العالم بإعلانه اعتزال الحكم، واختيار ان يبقى جندي افكار كما قال.
الملك البريطاني إدوارد الثامن، الذي تنازل عن الحكم، في عام 1936، بإرادته الكاملة.
أبو بكر بن عمر اللمتوني: المجاهد الذي
قاد القوة الجديدة التي ظهرت في بلاد البيظان الحالية اثناء أواسط القرن الحادي عشر، وهي الدولة المرابطية الصنهاجية التي استطاعت أن تتمدد بسرعة لتستحوذ على مساحات واسعة من بلاد المغرب والأندلس.
تخلى عن السلطة بشكل سلمي حتى لا يشعل الحرب بين المرابطين بعضهم البعض، ومات شهيداً بالحوض الشرقي في جوف الصحراء .
ولنا في دولة جزائر الثوار مثال ساطع:
الرئيس الجزائري اليمين زروال صاحب الشخصية البسيطة والمنضبطة، والذي أعطت رزانته ثمارها في إدارة أخطر أزمة شهدتها الجزائر”، والذي علل ما من مرة: الجزائر بلادنا وليست لنا بلاد أخرى، فضعوها فوق كل اعتبار.
قرر هذا القامة الفذّة:
_”التخلي نهائيا عن مساري السياسي، اعتقادا مني بأن الوقت قد حان لتجسيد التداول بما يضمن وثبة نوعية لأخلاقياتنا السياسية وممارسة الديمقراطية“.
يبقى أن “العظيم المبجل” نيلسون مانديلا، هو أحد أهم العلامات في سجل هؤلاء الذين تنازلوا طواعية عن السلطة وهم في أوج تمكنهم وتألقهم، استطاع أن يغالب شهوة السلطة، فأعلن تقاعده في عام 1999، بعد فترة رئاسية واحدة.
يمكن أن نعدد عشرات، بل مئات، الأسماء لحكام تخلوا طوعاً عن مناصبهم ليتفادوا ضغوطاً، أو يجنبوا شعوبهم أزمات، أو يمنحوها أملاً جديداً، لكننا لن نجد أبداً حاكماً صحراويا فعل هذا على مدى نصف قرن. فلقد أمنت طيبة الشعب وتسامحه وضعا مريحا لتبسط جماعة سيطرتها وحمكمها ونفوذها؛ واحتواء السخط بالكذب والتلفيق، وبذلك باتت طباع الصحراويين هي أكبر ضمانة لاستقرار أي حكم واستدامته؛ إذ تسود الموالاة والطاعة والمقاومة بالحيلة والتعويل على الصبر وغيرها من أخلاق السياسة ووسائل مقارعة الظلم.
بقلم : أبو منال