العقلية العنصرية في بلاد “بيظانستان”.

بقلم : سعيد زروال.
أثارت قضية إغتيال المواطن الامريكية من أصل افريقي جورج فلويد على يد الشرطة الامريكية موجة نقاش عالمي حول قضية العنصرية، وخرجت مظاهرات عارمة في مختلف البلدان للتنديد باغتيال المواطن الأمريكي، لكن في بلاد “بيظانستان” التي تمتد من الصحراء الغربية مروروا بموريتانيا وصولا إلى جنوب الجزائر وشمال مالي وماجاورهم، تبدو قضية إغتيال المواطن الامريكي قضية عابرة و لاتستدعي كل هذا الاهتمام، لأن القضية الأساس وهي العنصرية أصبحت مترسخة ليس كممارسات رسمية فقط بل كعقلية إجتماعية وهي أخطر بكثير من الممارسات النظامية.
قبل سنوات اصدرت موريتانيا قانوناً يعاقب كل من يتلفظ بالفاظ أو تعابير عنصرية وتغريمه بغرامة مالية قد تصل في بعض الحالات إلى ثمانية الآف اوقية، ورغم عدم تأكدي من مبلغ الغرامات ضد الالفاظ العنصرية إلا أن هناك نكتة متداولة في الاوساط الشعبية تحكي أن أحدهم شاهد شخص أسمر البشرة فقال لصديقة بلهجة حسانية “يا سعدك ياللي اقبظ ذا اثمن الاف وسرحو الابل”، هذه النكتة المتداولة في الاوساط الشعبية تثبت أن العنصرية لا يمكن محاربتها من خلال الاجراءات العقابية مالم تقترن بسياسات طويلة الامد لتغيير العقلية الاجتماعية السائدة.
وإلى الشمال من موريتانيا اي بالمناطق الصحراوية المحتلة تبدو الصورة ضبابية بسبب غياب أي تقارير عن ظاهرة العبودية بتلك المناطق ورغم محاولات سلطات الاحتلال المغربي نفي وجود أي تصرفات عنصرية إلا أن الاعتداءات على بعض الرعايا الافارقة من ذوي البشرة السمراء في العديد من المدن المغربية يفند المزاعم المغربية.
بمخيمات اللاجئين الصحراويين جنوب غرب الجزائر لا تبدو الصورة وردية مقارنة بموريتانيا، فقبل سنوات عقد النظام الصحراوي ندوة هي الأولى من نوعها بقاعة أمانة الفروع وتم توجيه الدعوة لنشطاء محاربة العبودية في المجتمع الصحراوي الذين أسسوا فيما بعد جمعية حرية وتقدم لمحاربة العبودية، وشهدت القاعة توافد الكثير من المشاركين، ومن حسن حظي أعطيت لي الكلمة لتقديم مداخلة وقلت وقتها ان العبودية اصبحت متجاوزة عالميا لأن العالم اليوم يقوده شخص يسمى اوباما وهو رئيس لأقوى دولة في العالم-طبعا الكلام كان أثناء ترأس اوباما للولايات المتحدة الامريكية- وأضفت بما معناه أنه على المجتمع الصحراوي أن يجتاز العقلية العنصرية السائدة في الاوساط الشعبية ، بعد الندوة تلقيت بعض الانتقادات منها “اراهو كلامك هذا لاهي يَبلَقْ اعلينا هذو لعـــــــ …”، هذه الكلمة سمعتها فيما بعد نقلا عن احد اعضاء الوفد الصحراوي المشاركين في جلسات حقوق الانسان بجنيف السويسرية حيث قال “لمغاربة ماعندهم شي يتكلمو عنو ماهو موضوع لعب…..”، هذه الحوادث تثبت ان العقلية العنصرية متجدرة في مجتمعنا ولمحاربتها يجب عدم الاكتفاء بالشعارات أو نفي وجودها بل الاسراع في رسم سياسة طويلة الأمد لمحاربتها، ولا نريد هنا تقديم الكثير من الادلة التي تثبت تجذر العقلية العنصرية في المجتمع الصحراوي و وصلت تأثيراتها حتى إلى التعيينات والترقيات في المؤسسات الرسمية حيث يلاحظ تهميش كبير لذوي البشرة السمراء رغم الكفاءات الكثيرة والتضحيات الجسام التي قدموها إلى جانب كل فئات المجتمع الصحراوي، لكن منذ بدء معركة الاتحاد الافريقي أصبحت هناك حاجة ماسة إلى إشراكهم ولو في الواجهة لاعطاء صورة ايجابية للافارقة.
وفي شمال مالي هناك عنصرية لكنها معاكسة للعنصرية الموجودة في موريتانيا و الصحراء الغربية بحكم ان الناطقين بالعربية يكافحون من أجل البقاء خاصة في ظل ظهور حركات عنصرية قبل سنوات ومنها حركة “غندكوي” التي تلخص أهدافها، برفض وجود ذوي البشرة البيضاء في مدن شمالي مالي، وبرفض أي نوع من منح الطوارق والعرب أية حقوق سياسية.
صورة بلاد “بيظانستان” لاتبدو مشرفة عالميا فيكفي فقط كتابة مؤشر العبودية على محرك قوقل لتأتي نتائج البحث صادمة للمتلقي حيث تقول موسوعة ويكيبيديا ان العبودية في موريتانيا هي ظاهرة متجذرة في بنية المجتمع الموريتاني، ولها ارتباط وثيق بالتركيبة العرقية للبلاد، وترفض السلطة الموريتانية الاعتراف بوجود الرق كممارسة ما زالت موجودة، لكنها تقر بأن “ممارسات” مرتبطة بالرق لا تزال معاشة في البلاد، وصُنفت موريتانيا في مؤشر الرق العالمي لسنة 2014 الصادر من مؤسسة وولك فري “Walk Free Foundation” كأول دولة في العالم على مقياس ممارسة أشكال “العبودية العصرية”، ومن حسن حظنا كصحراويين أن بلادنا وبسبب وضعها السياسي كمنطقة خاضعة للاحتلال لا تزال غائبة عن الكثير من الاحصائيات العالمية وإلا لكانت مرتبتنا اليوم غير بعيدة عن تصنيف جارتنا موريتانيا.
لذا علينا جميعا في بلاد “بيظانستان”-رغم أن هذه الكلمة في حد ذاتها لها دلالات عنصرية- أن نقوم بمراجعة جذرية لعقليتنا الاجتماعية و أن نحاول إعطاء صورة مغايرة للاجيال الجديدة عن اصحاب البشرة السمراء واقناعهم بأن الانسان مهما كان لونه فان ذلك لا يؤثر على مكانته الاجتماعية، والاهم انه يجب علينا أن ننظر أولا إلى ماسيقدمه الانسان لمجتمعه وبلده قبل النظر إلى لونه أو اصله وفصله.