منتدى جريدة الصحراء الحرة.

محمد غالي: حملات محو الأمية للشباب و الطلبة ساهمت بشكل كبير في تصنيف الصحراء الغربية من بين البلدان التي سجلت فيها نسبة الامية صفرلاحقا.

حمة عبد الفتاح: البرامج الصيفية للشباب و الطلبة إنطلقت من لاشي وحققت معجزات ضخمة ما نزال نقتات على ثمارها حتى يومنا هذا

حمدي أبا: الانتاج المادي و الفكري للشباب و الطلبة جاء تتويجا لسياسة الاكتفاء الذاتي وإخراجه من المفهوم الضيق الى الفضاء الأرحب

بينما تعج وسائل التواصل الاجتماعي هذه الايام بملصقات البرامج الصيفية للشباب و الطلبة في نسخته الجديدة كان لهيئة تحرير جريدة الصحراء الحرة رأي أخر بإستحضار صور من الأنشطة التي كانت تقام خلال عطل الصيف مع بداية الارهاصات الاولى للثورة الصحراوية في مخيمات اللجوء عبر هذا المنتدى الفسيح الذي إستضفنا من خلاله درر خالدات من ذكريات ذلك الزمن الجميل حسب وصف الضيوف.

رغم كثرتهم الا أننا وجدنا صعوبة كبيرة في البحث عن الأطر الشبانية و الطلابية التي شكلت و لو لفترة وجيزة جزءا من هذه البرامج الصيفية التي كان يقيمها التنظيم السياسي للجبهة على شرف الشباب و الطلبة العائدون من مقاعد الدراسة في رحاب الدول الصديقة و الشقيقة خاصة الجزائر و ليبيا.

في هذا المنتدى نتشرف باستضافة كلا من محمد غالي الامين العام لوزارة الثقافة، حمدي أبة عبد الرحمن الأمين العام لأمانة التنظيم السياسي و الأتاذ حمة عبد الفتاح.

و من خلال هذا المنتدى سنتناول جملة من المواضيع التي شكلت جزءا من إهتمامات الشباب و الطلبة في بداية ثمانينات القرن الماضي و حتى وقف اطلاق النار (البرامج الصيفية للشباب و الطلبة، الشباب و فضيلة التطوع، الانتاجات الفكرية، الادبية و المادية، حملات محو الامية و مواضيع أخرى)، كونها كانت تعتبر برامج و انشطة في حد ذاتها تسهر اللجان المشرفة على تنفيذها في تجسيد أجمل صور الابداع للقيام بتلك الواجبات الملقات على عواتقهم بجدية، إتقان و مسؤولية منقطعة النظير.

تنسيق المنتدى صحفي جريدة الصحراء الحرة: محمد مغاديلو

………………………………….

البرامج الصيفية .. بناء الانسان الصحراوي الواعي المنتج و القادر.

محمد غالي: بدأ برنامج الشباب والطلبة منذ الارهاصات الاولى كبدايات واعية للشباب والطلبة الذين اسعفهم الحظ بعد وجود كيان خالص للصحراويين في الالتحاق بمقاعد الدراسة بعد ان عانى شعبهم من التجهيل الممنهج طيلة الحقبة الاستعمارية الاسبانية، وفي تلك الفترة كانت الحرب التحريرية المظفرة مستعرة في جبهات القتال وكانت جل المخيمات تدار بكوادر صحراوية تمتلك من الارادة والعزم الشيء الكثير لكن جلها بلكاد يعرف القراءة والكتابة ومعظم سكان المخيم لا يجيدون القراءة والكتابة، و من هذه المنطلقات كان تفكير التنظيم السياسي يصب جامه في استغلال عطل الطلبة من اجل تثقيف الجماهير وفي المقابل شكل استعداد الشباب والطلبة طفرة نوعية اخرى كاحساس ضروري لرد الجميل للفئات المختلفة من ابناء الشعب الصحراوي الذين درسوا في ظل تضحياتهم و معاناتهم التي ما تزال مستمرة الى يومنا هذا.

حمة عبد الفتاح: كانت لي تجربة متواضعة ضمن البرامج الطلابية الصيفية في ولاية العيون مقر سكناي، بحيث شاركت في وضع اللبنات الاولي لهذه البرامج الوطنية بدءا بوضع الخطط و الاستراتيجيات ثم الاهداف و توفير الادوات و التفكير في كيفيات التنفيذ.

حسب استنتاجاتي التي خرجت بها عبر مشاركاتي المتكررة في هذه البرامج خلال السنوات الاولى من اللجوء و التي تميزت بذروة الوصول الى تحقيق الاهداف المرسومة، فاني توصلت الى ان البرامج الصيفية للشباب و الطلبة إنطلقت من لاشي وحققت معجزات ضخمة في شتى الميادين، لعل اهمها يكمن في نقطتين جوهريتين أولها تواصل الاجيال و ثانيها بناء الانسان الصحراوي الواعي المنتج و القادر.

حمدي ابا: أعتقد أن البداية كانت في صائفة 1982 ولا أتذكر تحديدا فقرات البرنامج ولا طبيعتها ولكن بالتأكيد كانت تهدف سياسيا إلي ربط الشباب والطلبة بواقع اللجؤ وجعله يعيش صعوبة الظرف ويعي حجم التحديات وبالمحصلة تحفيزه وتحضيره ليكون في مستوى التطلعات والامال المعلقة عليه، ناهيك عن الأهداف الاجتماعية المتوخاة من نفس البرنامج من قبيل ربط الطالب و الشاب الصحراوي بقيم واخلاق شعبه الاصيلة، فكانت البدايات عموما اقرب ماتكون الى إعادة الرسكلة للجيل الناشىء.

حملات محو الامية .. تقليص هامش الهوة بين جيل التأسيس و الجيل الناشىء

محمد غالي: تعتبر حملات محو الامية التي اسس لها التنظيم السياسي للجبهة الشعبية ونفذها الشباب و الطلبة في البرامج الصيفية الاولى بداية القطيعة مع إرث استعماري بغيض عمل على تجهيل العنصر الصحراوي طيلة الحقبة الاستعمارية الاسبانية، بحيث كان لهذه الحملات الاثر البالغ في الرفع من مستوى الاداء الإداري على المستوى المحلي و مكنت الجماهير الصحراوية العريضة على مستوى المخيمات من القضاء نهائيا على الامية، وهو ما ظهر في تصنيف الصحراء الغربية من بين البلدان التي كانت فيها نسبة الامية صفر لاحقا.

حمة عبد الفتاح: أتذكر فيما أتذكره أنني بدأت في تدريس الصف الاول ابتدائي ووصلت حتى الصف السادس في تثقيف الجماهير التي كانت جدية ومتحمسة أيما تحمس لاكتساب المعارف، و قد تجلت النجاحات من خلال النتائج الايجابية المحققة ليس على مستوى الامهات و الشيوخ و فقط و انما ايضا إنعكست جودة الثمارعلى مستوى الطالب الذي إستفاد كثيرا و صقل مهاراته و ثبت معارفه العلمية بشكل لافت للنظر.

حمدي ابا: لقد جسدت سياسة محو الأمية في تلك الفترة صورا رائعه على اكثر من صعيد ، ففي الميدان السياسي أتاحت للجماهير مجالا أوسع للمشاركة السياسية الفعالة، وفي المجال الاجتماعي فقد قلصت هامش المسافة و الهوة بين الأجيال وعمقت العلاقات الاجتماعية على أسس مدنية مستقيمة أما بالنسبة للجانب التثقيفي والتعليمي فقد سقطت بفعلها نسبة الأمية سقوطا حرا حتى لامس درجات جد متدنية ما إنعكس بشكل لافت على مستوى الوعي والفهم والسلوك و ذلك ما انطبع بشكل إيجابي على نوعية إنجاز البرامج والسياسات المنفذة ليعزز كذلك حضور الرقابة الفردية و الجماعية على كافة الميادين.

الانتاجات المادية، الفكرية و الادبية .. الاشعاع الذي عزز الحضور الابداعي

محمد غالي: ساهمت المسابقات الوطنية التي كانت تقام خلال العطل الصيفية في المخيم الى زرع روح التنافس الايجابي بين الطلبة و الشباب مما انعكس على جودة الإبداع في تلك المرحلة، فالمتابع ل”درر الخالدات” كدوينات عبر الفيسبوك للاستاذ و المدون الصحراوي حمة عبد الفتاح سيكتشف لا محالة الغزارة والنوعية الانتاجية في الشقين المادي والادبي، ولازلت اذكر رغم عاتيات الزمن وثقوب الذاكرة احدى روائع الانتاجات المسرحية خلال ذلك الزمن الجميل كمسرحية “ساريو و”ارفض كعكة من يد السجان” لمسرح شباب ولاية العيون، ان جودة المنتوجات الفنية التي كانت تقدم حينها هي التي شجعتني وانا شاب من ولاية الداخلة على ولوج هذا الميدان الابداعي.

حمة عبد الفتاح: في هذا الحديث سأتناول ولاية العيون كنموذج لتجربتي التي عملتها فيها خلال سنوات دراستي بحيث استطعنا مع مجموعة من الشباب المبدع ان نؤسس لارضية ابداعبة كان له الاثر الكبير في تشكيل معظم المدارس الفنية و الثقافية على مستوى وطني و كانت اللجان التي تسهر على تنفيذ تلك البرامج الصيفية تنقسم الى: الثقيف الشعبي، الانتاج الادبي والفكري، الثقافة والرياضة والبراعم والسواعد.

فقد ساهم الشباب من مختلف مواقع الدراسة في وضع اللبنات الاولى لمجمل البنون الادبية و الابداعية و وضع الاسس الصحيحة للكثير من الدراسات التي تأخذ من قضية و ثقافة الشعب الصحراوي موضوعاتها باساليب علمية و تقنية دقيقة.

و قد كتبت الشي الكثير في تدويناتي عبر الفيسبوك “درر الخالدات” خاصة عن المسرح وحمير وزمير، وفريق الجمباز اناث ، وفناني الرسم ، حتي مجانين تلك الفترة الجميلة.

كان للرسم والخط و الكاريكاتور زخم متميز اثبت حضوره الى جانب تلك المنتوجات المادية التي تمثلت في مجملها في معارض الرسم، الزخرفة، صناعة منحوتات الاواني ، صناعة الزرابي و حصير ازران و ادوات تقليدية اخرى بالاضافة الى دور المصانع الجهوية في هذا الجانب الذي تميز بجودة منتوجاته العالية جدا و من دون ان ننسى دور شباب الجيش في المشاركة في العملية الابداعية عبر مجسم هليكوبتر واجزاء كلاشنكوف التي ما تزال المحافظة العسكرية للجيش تحتفظ ببعض هذه الابداعات الفريدة.

فبالاضافة الى بعض المحاولات الجريئة في الادب السياسي الساخر يعتبر مسرح العيون في تلك الفترة من بين المسارح الناشئة و النشطة على مستوى وطني، بحيث كان لمسرحية “ساريو” الاثر العميق في نفوس ذلك الجيل الذهبي بالاضافة الى مسرحيات أخرى عرضت و اخرى منعت من العرض و مسارح اقتبست من نصوص عالمية يبقي البوح بها في وقت لاحق و من رواد المسرح حينها اتذكر احمد لبات، سيداحمد القوم كمهندس ديكورو ابيشة ابراهيم السالم و الصالح لعروصي و مزهري و محمد لمين حماد في النقد و اخرون كثر تعج بهم الذاكرة الشائخة، و كذلك تعتبر مدرسة الخليل سيدي امحمد في المسرح تجربة سبانوعربية توجت بمساهمات برج الكيفان ومجموعة دمشق باعمال مسرحية ما تزال شاهدة في اذهان الكثير من شباب ذلك الجيل.

اما بخصوص البحوث الفكرية فقد ساهم شباب الناحية الثانية بولاية العيون بالاضافة الى نخب جامعات الجزائر وسوريا بالتشجيع من لدن الراحل الخليل سيدي محمد و الاخ المحجوب ابراهيم ساهموا بشكل كبير في انتاج و جمع دراسات و بحوث نوعية ارخت للتجربة الوطنية في الكثير من المجالات التي سهر ولد بيسط، محمد لمين سيدي حماد، ابا باهية لحبيب، خداد بابة، مزهري و اخرون في تكليل تلك الحقبة ببعض الانتاجات و الدراسات الفكرية التي اذكر منها ( نقد التجربة الوطنية، التجربة اليمنية في محو الامية، التربية، الفداء في المناطق المحتلة و التثقيف الشعبي…).

اما عن الانتاج الادبي و جمع وتدوين التاريخ والتراث الشعبي فكان للهواة و المبدعين كالمهدي النعناع و للاقلام النسوية كفاطمة لبصير و اخرون الاثر الكبير في تاريخ الجانب الابداعي الادبي في القصة، الخاطرة، القصيدة، الاغاني واغاني الطفل، كما كان للمدون محمد عالي لمن الاسهام الدقيق في جمع الامثال و القصص الشعبية والتحاجي بالاضافة الى مساهمات مبدعين شباب في مجال الشعر العربي الفصيح و الشعر الحساني و مساهمات اخرى متواضعة في الادب الاسباني.

حمدي أبا: كانت السياسات التنظيمية الموجهة للشباب أكثر عملية بمعنى جد واقعية ولا يمكن إنكار الأثر الكبير للذهنية السائدة آنذاك في إنجاح كافة السياسات، وفيما يتعلق بالانتاج المادي فقد جاء تتويجا لسياسة الاكتفاء الذاتي وإخراجه من المفهوم الضيق الي فضاء أرحب ،اما الإنتاج الأدبي والفكري فمن الطبيعي أن ترافق تلك الفترة التي شكلت أرضية خصبة لكل من اراد الابداع فوجد الروائي دافعا للكتابة وشجع الجو السائد على البحث و الغور في جوهر المسائل السياسية و التاريخية و الثقافية كما ألهمت حماسية المشهد السائد و طبيعة المخيم البدائي الفنان واعطت للمغني دافعا للانطلاق و حفزت الشعراء على الابداع وارست بدايات المسرح الصحراوي ناهيك عن صقلها للعديد من المواهب في مختلف الرياضات والأنشطة

أما فيما يتعلق ببعض ما اتذكره من تلك الابداعات الخالدة فلا يحضرني الآن بسبب خيانة الذاكرة و لكن أشدد مرة أخرة على اننا ما نزال بحاجة أكثر من ملحة الي إعادة إنتاج تلك الفترة في قالب يتناسب مع خصوصية و طبيعة هذه المرحلة الحساسة من عمر ثورتنا المظفرة.

البحوث و الدراسات .. حفظ للذاكرة الجمعية و زرع روح الانتماء في النشأ.

محمد غالي: خلال تلك الفترة عكف الكثير من الشباب على البحث ونفض الغبار عن كنوز الماضي في مختلف المجالات التاريخ، الثقافة، التراث، القيم المجتمعية بالاضافة الى بعض الدراسات حول المياه، الزراعة وانماط العيش الصحراوي وغيرها، مما احيا لدى الأجيال الصاعدة حب التميز و الأصالة و رسخ لديها مفهوم التشبث بالمميزات الثقافية للحفاظ على الهوية الوطنية مما بعث من جديد روح الإنتماء للمجتمع الصحراوي في نفوس الأجيال الناشئة.

الشباب و الجيش .. التطوع وإثار الإستشهاد على الدراسة

محمد غالي: كانت الانتصارات المتتالية لجيش التحرير الشعبي الصحراوي والملاحم التي سطرها في السنوات الاولى من حرب التحرير تبعث الحماس في النفوس وتلقى اعجابا وتجاوبا في كل الاوساط الشعبية وخاصة في اوساط الشباب،  وكان الاثر الكبير لهذا التأثير يرجع للمثال الذي قدمته الزمرة الاولى من مؤسسي الجبهة الذين غادروا مقاعد الدراسة في ريعان شبابهم للالتحاق بقمم الجبال وعلى راسهم قدوة و رمز الشباب الصحراوي بالأمس واليوم والابد الشهيد الولي مصطفى الذي مهد الطريق و ساهم بشكل لافت في تنمية فكر التطوع لدى الجيل الجديد للإلتحاق بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي .

حمة عبد الفتاح: إن فكرة التطوع في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي يعد ملحمة في حد ذاته ليس في مسار ونوعية العمل العسكري، بل في صناعة الانسان والمناصل والمقاتل الصحراوي الذي يساوي في رمزيته عشرة افراد في تركيبة الجيوش النظامية.

و يرجع منبع التطوع الى قناعة فكرية متجذرة بفعل الزخم الثوري العام الذي كان يطبع تلك المرحلة وتقديس المقاتل والشهداء الذي ما يزالون في تلك المرحلة يرسمون اروع و أجمل الملاحم البطولية في ظل منظومة فكرية وقيمية متراصة وليدة الفكر الوطني التحرري و ذات سحر في الاقناع كونها تحمل شحن ثورية نقية و اصيلة لصيقة بالمعاناة ونابعة من روح 75 خاصة ما يتعلق منها في علاقة الاطار بالقاعدة الشعبية خاصة الثقة اوالاحترام و التخصص في العمل و في علاقة السياسي بالاداري من خلال جودة الخطاب التحريضي الذي يتخذ من الرموز الثورية، الثقافة الشعبية، الحمولة الدينية، الفنون و الاعلام كادوات تحريضية و دعائية في يد نخب طلائعية -الامناء الثوريين- مرجعية ميدانية لا تنظيرية تسهر على خدمة الجماهير.

بالاضافة الى فضيلة تطوع الشباب في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي كانت هناك فضائل اخرى يقوم بها الشباب رغم لذع ألسنة الصيف كالتطوع في ري و قطف ثمارالمزارع الجهوية و المساهمة في الاعمال المتعلقة بمشروع الابل ، والبقر الذي كانت توجه منتوجاته الى الشيوخ و العجزة و المرافق العامة في المخيم.

كل هذا الزخم ولد فكرة التطوع لدى الشباب و الجماهير بصفة عامة و غلب روح التضحية علي روح الجسد ومايتطلبه من انانية ورفاهية، فما الفارق بين قوتنا بالامس و تراجعها اليوم الا بسبب الفكرة التي تحاول تحوير الصراع من رئيسي الي هامشي تافه.

حمدي ابا: التطوع كمفهوم يعتبر مبدأ مقدس غير مكتوب ضمن المبادئ المعروفة بالنسبة لجبهة البوليساريو، بمعنى انه ليس وليد منتصف الثمانينيات ، فالغالبية العظمي من السياسات والبرامج وحتى الإمكانيات كانت تقوم على أساس التطوع، فالحملات الشعبية تعتبر تطوع و كذلك بناء المؤسسات هي الاخرى تطوع والقيام بالمهام التنظيمية بغض النظر عن طبيعتها فهي في حد ذاتها تطوع ويبقى  السؤال هو لماذا اصبح التطوع لصيق بجيش التحرير دون غيره؟  والجواب يتجلي في بداهة كون الجيش كعقيدة يشكل ذروة تجسيد هذا المفهوم وأجل صوره وبالتالي يحق لنا أن نجعل التطوع علامة مسجلة أبدية باسم جيش التحرير الشعبي.

مع العلم أن الشباب الصحراوي التحق بصفوف المقاتلين في بداية الثورة غير أن المئات التي التحقت بالجيش في الفترة الممتدة من 1982 حتى وقف إطلاق النار، فهذه الأعداد الكبيرة من المتطوعين الشباب هي التي أعطت بعدا إضافيا للعلاقة بين الجيش والتطوع، كما شكل متوسط الاعمار الفارق في هذه العلاقة ومن هنا التصق التطوع أيضا بالشباب وبالمحصلة شكلت تلك السنوات ثلاثي  نتمنى أن يعاد إنتاجه وهو( الحرب كفعل والجيش والشباب).

مزج روح ذلك الزمن مع أدوات المرحلة الحالية لإنجاح البرامج الصيفية المستقبلية

محمد غالي: من وجهة نظري صار من الضروري جدا أن نؤطر بشكل علمي وفني اكثر دقة لبرامج الصيف ، خصوصا في هذه الظروف المختلفة تماما عن ظروف السنوات الاولى للجوء، و في اعتقادي ان التكثيف من المحاضرات واللقاءات التواصلية واستهداف الفئات العمرية المختلفة بما يناسب مستوياتها واعمارها امر لامناص منه لانجاح مثل هذه البرامج الموجهة لهذه الفئة الحساسة من المجتمع، كما أن تكثيف البرامج ذات الطابع التنافسي (مسابقات ثقافية و فكرية، افكار انتاجية او مشاريع مضرة للدخل، المسابقات الرياضية … الخ) قد تؤدي هي الاخرى الى الرفع من مستوى الاداء الطلابي و الشباني خلال البرامج الصيفية في مخيمات اللاجئين الصحراويين.

حمدي أبا: أعتقد أن المحددات الأساسية لإنجاح مثل تلك البرامج الطلابية والشبانية يبقى رهين الأدوات الشبانية ذاتها عبر رسم سياسات وبرامج تتناسب والمعطيات المتوفرة واختيار الصيغ والأساليب التي تخدم هذه السياسات التي لن تنجح الا من خلال القدرة على تحدي الاعتبارات الذاتية و قوة التكيف مع الاعتبارات الموضوعية بما لا يجعلها عقبة لايمكن تجاوزها، وأعتقد أن الشباب بحاجة إلي برامج تخلط بين روح تلك المرحلة وادوات هذه المرحلة الحالية، لهذا أصبح من الملح جدا الرجوع لرزنامة البرامج الصيفية آنذاك واعطائها صبغتها الأصلية هذا طبعا إن  كانت هناك نوايا صادقة من لدن الطلبة والمشرفين على هذا البرنامج.

انها أحداث متصارعة في تجاويف الذاكرة المتآكلة بين مقاعد الدراسة و مقاعد سيارات التحرير فلايمكن بتاتا في لمحة بصر حصر هذه الاحداث بحلوها ومرها في صفحات، فقد يتطلب ذلك تدوين كتاب بعنوان “الطلبة الصحراويين كفاح ذو حدين”.

صورة من الماضي الجميل .. في درر الخالدات

حمة عبد الفتاح: سنشرف هذا المنتدى بخاطرة من الدرر الخالدات التي التي ادونها بشكل مستمر حول احداث و شخصيات و برامج و رفاق تلك الحقبة التي عايشنخا بحلوها و مرها الا ان أفة ضعف التدوين حينها سرق منا عبق و روح تلك الذكريات الجميلة.

درر خالدات الفرح : حمير وزمير :

من رحم البكاء ولد الفرح و من الموت ولدت الحياة و من جماجم قصف ام دريكة واشلاء وادي الفيضة، من دفاتر اسماء وتاريخ، سيارة قسم الشهداء، ولد فرح كميون الدفعة وحقيبة عودة مسافر ولدت حنة وكحل وبسمات بالوان قوس قزح …

حكايتنا حبلي بالاسي والوجع وشي من ضحكات البداية كطفولة المنشأ  من الدشيرة احمد كر ودورة ام الخير وولاية هدي جاعة، ولد فرح الطبيعة وجلال الخالق في جلبة اطفال مخيمي و وراء جنون العقل  وضحك الملهاة .. من كل هذا جاء: حمير وزميروشبوح الطبال..

جاء من تغنيف النجاح  ومن ثالثة عمار ول احمد سالم جاء يسلم الناجم  ومن بندقية كوتي الرابعة  جاء محمد غالي احمد و الردبيك  ومن البندقية  جاءت بسمة اطفال الوجع .. جاء يسلم العروة، ديلول، ابراهيم لبرص .. جاءت فرجة حمير وزمير كشعاع امل في ليلنا البهيم…

ضحك الكبار والصغار معا و كانت العروض شعبية بامتياز فلا فاصل بين الجمهور والعرض الكوميدي ومن فرط البهجة تبول البعض من شدة الضحك مثلما حدث ل ح ل / و م ح فضاع لحن الكورس  كما ضاع عزف  بيكة وول ابنيجارة مع طرفة وعفوية العرض ودراجة الكرسي الواحد و عجلات مسرح الشارع .. لتصبح اغنية حمير وزمير علي لسان كل طفل التي كتبها الشاعر محمد الامين ول علال و جاء فيها (نحن اطفال الثورة .. مانبقاو اللورى .. نمشو للتربية .. نبغوا المربية .. تعطينا بابية  وياسر من الالعاب ..غنوا ياحباب ..غنوا يااطفال …) دون ان ننسي دور صديقي المسرحي امربيه محمد عالي  والوزير التامي في تشكيل نصوص مسرحيات الطفل (حمير وزمير وشبوح الطبال، الصاروخ، العجلة تدور) ، وفي الاخير استطاعوا توصيل رمزية الرسالة والمصير، فهي نصوص بلغت اكثر من ثلاثين نصا، اهتمت و تناولت بسخرية التسرب المدرسي، المراهقة و العلاقات الغرامية، بر الوالدين، تمجيد الدرس والمعلم وهو التمجيد و للاسف الذي لم يحظي به سلمي والردبيك و يسلم وابراهيم وديلول  كما اخرين كثر سقطوا في طي النسيان تمام مثلما سقط الشهيد يسلم الناجم والمربي عالي وشي من الحزن المختفي وراء ضحكات الرجلين وطيبتهم وكدح اخرون هاجروا الاوطان الى اشبيلة وبرشلونة.

سلامي على من حمل البندقية في الحرب .. سلامي على من صنع بسمة الفرح والحياة  وزرع بدل العقاية  ياسمين واربيان وطن الغد .. سلامي على اتأك زمير يختال ضاحكا من الفرجة حتى كاد ان يتبسما …

منتدى الصحراء الحرة – الجزء الثاني

محمد لغظف عوة: شكلت حملات التثقيف الشعبي محطة أخذ وعطاء بين شيوخ المخيم و شبابه

الخليل بوسحاب: الشباب الصحراوي ترك مقاعده شاغرة في المدراس الليبية و الجزائرية ليمتطوا مقاعد ادريميزات و دبابات الجيش الشعبي الصحراوي

بلاهي ولد عثمان: من اجل ان يتحقق النجاح لمثل هذه البرامج لابد من احتضان الشباب وتوعيته اولا من خلال وضعه في مركز متقدم لاهتمام الدولة والحركة

تشهد مخيمات العزة و الكرامة هذه الايام ثورة تثقيفية و تنشيطية غير مسبوقة للشباب و الطلبة ذكرتنا بسنوات خلت كان فيها الطالب الصحراوي عمود الرحى في تحريك الغبار الراكد في المخيم خلال الصيف بالقيام بحملات التثقيف الشعبي و الانتاجات المادية و الفكرية و الادبية عبر حلقات تواصل مع الشيوخ مما انعكس ايجابا على مردودية الفرد و المجتمع فيما بعد.

و لإسترجاع روح تلك المرحلة و بعثها من جديد تتشرف جريدة الصحراء الحرة بتنظيم جلسة نقاش مثمرة مع جيل شكل في لحظة معينة جزءا من البرامج الصيفية للشباب و الطلبة خلال ثمانينيات القرن الماضي.

في هذا النقاش المفتوح تتشرف جريدة الصحراء الحرة بمشاركة كلا من الاستاذ بلاهي ولد عثمان و الاستاذ محمد لغظف عوة دبلوماسي صحراوي و مستشار مكلف بالعلاقات و الاحزاب و المجتمع المدني بالسفارة الصحراوية بالجزائر و كذلك الاخ الخليل بوسحاب مقاتل بالناحية العسكرية الخامسة.

الجلسة ستناقش مجموعة من المواضيع التي كانت منوطة بالشباب و الطلبة خلال عودتهم من مقاعد الدراسة في فترة الصيف كبرامج الصائفة التي كان يشرف عليها التنظيم السياسي، الاعمال التطوعية، التثقيف الشعبي و الانتاج الفكري و الادبي و المادي.

باعتباركم واكبتم المراحل الاولى لبرامج الشباب و الطلبة، كيف تقييمون الارهاصات الاولى لهذا البرنامج السنوي؟

بلاهي ولد عثمان: لقد انضممت الى حملات التثقيف الشعبي التي كان هذا اسمها في منتصف الثمانينات تقريبا 85 او 1986 كنت حينها ادرس في المدارس الوطنية كان ذلك بدائرة العركوب بولاية الداخلة وكنا ننتظم ضمن فرق السواعد و البراعم من تلاميذة الابتدائيات، كان كل شئ يتسم بالتنظيم المحكم و الالتزام بالضوابط والقوانين والحضور في الوقت المحدد للبرامج.

في تلك المرحلة كان معظم مانقوم به يتمثل في الالعاب و التدريب البسيط وبعض الرحلات الكشفية بالاضافة الى المسابقات و برامج النظافة والحماية المدنية والحملات التطوعية.

حينها كانت الاستجابة عامة من مختلف فئات المجتمع من اطفال الى شباب الى النساء اللاتي كن يشكلن اساس القوة البشرية، اما الطلبة و الشباب فكانوا يمثلون روح البرنامح الذي يعتمد عليهم بشكل أساسي في مختلف محاوره.

الخليل بوسحاب: تميزت تلك الحقبة من زمن الثورة بالالتزام المنقطع النظير، حتى في البرامج الصيفية التي كانت تعد للشباب و الطلبة من اجل اعادة الاندماج داخل سرب المجتمع بعد سنة او سنوات من الدراسة بالخارج في اوساط مجتمعات اخرى تختلف اختلافا تاما في الجوهر الثقافي و الفكري و العقائدي عن ما يتميز به مجتمعنا الصحراوي، أتذكر جيدا بداية الثمانينيات حيث كنت جزءا من تلك البرامج التي كان يتنافس الشباب والطلبة من اجل تنفيذها على الوجه الصحيح بالتعاون من الدوائر التي كانت تحتضن المسابقات و ترعاها و التي كانت تسهر على ضرورة الحضور الفردي والجماعي من اجل المشاركة الفعالة و لضمان القيام بتنفيذ البرامج المطروحة على أحسن وجه.

محمد لغظف: بداية اشكركم في الصحراء الحرة على هذه الوقفة مع الذات لتلقينها وتحصينها بالنهل من معين المخزون قصد صقل التجربة وإغنائها ايضا .

بالعودة للموضوع أظن أن الارهاصات الأولى للتجربة كانت منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وذلك عائد لجملة من الأسباب أبرزها هو أن التنظيم السياسي للجبهة وبعد ما وقف على ما يمكن أن ينتج عنه تغرب الأطفال أثناء تمدرسهم في بلدان أجنبية صديقة وبين ظهران شعوبها ، قلت : ما قد ينجر عن ذلك على مستوى اللهجة والملبس والعادات والسلوكيات من جهة . و ما قد يسببه الفراغ لآلاف الطلبة و التلاميذ العائدين صيفا للمخيمات من متاعب وشقاوة …الخ  فقد فكر التنظيم في الطريقة المثلى للإستثمار في الوقت والإنسان.

فكانت تعقد ندوات سنوية لكل الفروع المتمدرسة بالخارج صيفا وتنزل الجبهة بثقلها التنظيمي للإشراف عليها فتتم المحاسبة للفروع والحالات المشاكسة كما كان يتم التنويه والإشادة للذين أحسنوا.

ومن هنا جاءت فكرة حملات التثقيف الشعبي التي كانت عبارة عن أخذ وعطاء متبادلين بين الشباب والكبار بشكل مؤطر ومدروس مع التنويه الي الدور الكبير الذي كانت تلعبه منظمة إتحاد الشبيبة الصحراوية من مرافقة وتوجيه وتأطير في حياة التلاميذ والطلبة، فقد كانت بحق قوة فعل واقتراح داخل المنظمة الام .

ساهم الطلبة الصحراويين في بدايات الثورة في حملات محو الامية بين اوساط الكبار، كيف انعكس ذلك على المستوى التثقيفي و التعليمي للقاعدة الشعبية؟

بلاهي ولد عثمان: ان الثورة الصحراوية بقيادة جبهة البوليساريو كانت ولازالت من اكثر الثورات اهتماما بالعنصر البشري وضمان نوعية الانسان الصحراوي كانت هي الشغل الشاغل للثورة في بداياتها الاولى، حيث اهتمت بتكوين الاطر ومحو الامية عن شعب عانى من التجهيل والتهميش والاستعمار على مدى عقود.

لقد حققت حملات محو الامية نتائج ملموسة في منتصف الثمانينات حيث سجلت نسبة الامية بين الصحراويين الى مادون 7% بعدما كانت تتجاوز 90% زمن الاستعمار الاسباني، واصبحت الجمهورية الصحراوية بذلك تحتل مراتب متقدمة في القارة الإفريقية وبين دول العالم في القضاء على الامية بين كبار السن.

الخليل بوسحاب: كان للطلبة الصحراويون آنذاك الفضل الكبير في محو الأمية وتعليم كبار السن داخل المخيم البسيط الذي يضم شعبا اريد له الا يعيش بدءا بسياسات التجهيل الاسبانية ثم حملات الابادة المغربية الممنهجة، اذ استغل الشباب و الطلبة وجودهم خلال العطل الصيفية الى تحويل القواعد الشعبية الى مدارس تعليمية لتلقين المعارف الاولية (القراءة، الكتابة و الحساب)، فهذه التجربة رغم البساطة و ندرة الامكانيات الا ان الدولة الصحراوية جنت ثمارها بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة انعكس على مستوى الادارة و التسيير المحلي، كما ساهم ذلك المجهود المتواضع الى اقناع الصحراوي البدوي بالذي آلف الحل و الترحال و الرعي باهمية التعليم كوسيلة للنهوض بالامم، فما نراه اليوم من تطور مستمر و متزايد في نسب الخريجين الجامعيين في مختلف التخصصات الا احد نتائج تلك الحملات التثقيفية التي جعلت من الجمهورية الصحراوية في صفوف الدول الرائدة في مجال محو الأمية عبر العالم.

محمد لغظف: تجدر الإشارة الي انه في نهاية ثمانينات القرن الماضي بلغت نسبة محو الأمية في مخيماتنا 92%حسب بعض الإحصائيات التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية آنذاك، وهي نسبة جد متقدمة مقارنة بأغلب بلدان القارة .

فقد اكتظت الخيم وبعض المرافق بالدوائر بالملتحقين باقسام محو الأمية من كل الأجناس والأعمار، وشهدت العملية طيلة تلك السنوات إقبالا ومواظبة منقطعتي النظير، و بدورنا كنا متحمسين بالدور الذي انيط بنا كشباب أعطيت له زمام المبادرة و أتذكر أنه كانت تعقد جلسات للتقييم والمتابعة بشكل دوري، كما كنا في المقابل نتأبط دفاترنا ومذكراتنا للنهل من مخزون الاحاجي والحكم والأشعار أو بما جادت به الذاكرة الجميعة لشيوخ تلك المرحلة من أحداث و تاريخ،  لتمسي تلك اللحظات محطة أخذ وعطاء مفيدة لنا بحق.

و كما هو معروف فحملات التثقيف الشعبي مرت بمراحل مختلفة سميت الأولى بحملات محو الأمية، و بعد نجاحها عمد التنظيم السياسي الي توسيع التجربة لتكون أكثر افادة وشمولية لتأخذ اسما وطابعا جديدا تحت إسم حملات التثقيف الشعبي بحيث كانت بها محاور تتقسم عليها لجان محلية تتبع لأخرى جهوية ليتم تقييم الاخيرة من قبل لجنة وطنية تشرف عليها أمانة المكتب السياسي للجبهة و منظمة الشبيبة و وزارة التعليم .

شكل الانتاج المادي، الفكري و الادبي الطفرة النوعية لشباب مرحلة محل التقييم، كيف ساهم ذلك في عملية تواصل الاجيال؟ و هل ما زلتكم تتذكرون و لو نزرا قليلا من تلك الغزارة الانتاجية التي ظلت شعاعا ادبيا و فكريا الى وقت قريب؟!..

بلاهي ولد عثمان: بالفعل،  كانت تلك البرامح كاملة وشاملة لمختلف ميادين الابداع الفكري والادبي والرياضي والفني وغيرها مما وفر فعلا انتاجا غزيرا كان من الممكن ان يساهم في اثراء التجربة الوطنية في مجال الابداع وتشجيع المبدعين وبناء جيش من الكتاب والادباء والفنانين والرياضيين ولكن يبدو ان كل شئ ذهب سدا بعد هبوب رياح السلام التي ذهبت بكل شئ جميل.

لقد كانت الدوائر تقوم بجمع الانتاج الادبي والثقافي وتقدمه في معارض الولايات خلال المهرجان الختامي والمسابقات، ضف الى ذلك إنتاج شباب جيش التحرير الشعبي الصحراوي، بحيث كانت النواحي العسكرية تعج بالمبدعين، وقد وقفت على ذلك في مهرجان الداخلة 1989 حينما أقيم هناك معرضا رائعا في مختلف المجالات.

محمد لغظف: هذه اللجان كانت تخصصية بحتة، بفعضها إنتاجي مادي وبعضها ادبي وفني وبعضها تطوعي كلجنة العناية بالرعاية والشيخوخة مثلا …

ومن هنا كان للتباري والتسابق نغم و رونق آخرفي ظل مسابقة وطنية كبرى تختتم بمهرجان وطني للشباب والطلبة تعلن فيه الولاية الفائزة بالجائزة الكبرى .

هذه الحملات أعطت وهجا للاغنية الوطنية حيث تناسلت عشرات الأعمال الغنائية بأصوات وعزف وألحان شباب وشابات سجلوا حضورا في الذاكرة ولازالت اغانيهم تتردد على أمواج الإذاعة الوطنية وأحيانا يتغنى بها حتى الذين ولدوا بعد ذلك بسنوات، قد سمعت تسجيلات من المناطق المحتلة لشباب  يتغنون ب الشباب الوطن نداك ويا اهل العيون أن قادمون …الخ

و شهدت نفس الفترة طفرة مسرحية رائدة ومتقدمة نصا واخراجا وأداءا والتي ستنتقل بذورها الي النواحي العسكرية مع دفعات الملتحقين و المتطوعين بالجيش … مما سيجعل وزارة الثقافة الصحراوية بعد تأسيسها تلجى الى الانتداب عبر مسرح الجيش .

معارض فنية وانتاجية غطت الاحتياج الوطني ومثلت الدولة الصحراوية في عدة معارض وأنشطة خارجية كلها كانت من إبداعات فعاليات حملات التثقيف الشعبي .

ازدهرت المنافسات الرياضية للالعاب الجماعية وألعاب القوى وشهدت منافسات كبيرة ونوعية ، كما ادخل الي قاموس الرياضة الصحراوية ما يسمى بالألعاب التقليدية الشعبية  خلال تلكم الحملات  … هذه صور فقط من ما تمخضت عنه تلك الحملات من إبداعات ستظل شاهدة على عبقرية صحراوية ما فتئت كامنة في الانسان كطاقات قابلة للتفجير فيأي وقت أستفزت.

ما هو الدور الذي لعبته البحوث و الدراسات في حفظ التاريخ و الهوية الصحراوية من جهة، و كيف ساهم ذلك في فضح مؤامرات و خطط العدو في طمس الماضي الصحراوي التليد من جهة اخرى؟.

بلاهي ولد عثمان: البحوث و الدراسات لعبت دورا كبيرا ولازالت تلعبه رغم قلتها في الحفاظ على الهوية وستبقى كذلك لو اعطي لها اهتمام أكثر وقدمت الدولة والحركة مايناسب المرحلة من اجل ذلك، لان البحوث والدراسات هي اساس التخطيط الناجح ومعالجة الاشكاليات في مختلف المجالات.

إذ لايمكن ان تبنى سياساتنا و برامجنا على قرارات ارتجالية بقدر ما تبنى على اسس علمية تتناسب ومتطلبات كل مرحلة وتبقى كذلك شوكة قي حلق العدو وصخرة تتكسر فوقها مؤامراته و مخططاته.

الخليل بوسحاب: لقد شكل الإنتاج المادي، الأدبي والفكري للطلبة خلال البرامج الصيفية إشعاعا علميا أنار درب الابداع حينها إذ ساهم الغور في الذاكرة الجمعية الصحراوية الى نسج إندماج عضوي و ذهني للموروث المادي و اللا مادي للشيوخ مع المكسوبات الثقافية للطلبة خلال سنوات دراستهم بالخارج ليتمخض عنه عصارة فكر منسجم ليندمج فيه جميع افراد المجتمع بكل اطيافه يصب في هدف واحد يرنو نحو التحرير و الاستقلال.

كان لهذه البحوث و الدراسات الدور الرئيسي في حفظ  الذاكرة الصحراوية التي كادت ان تشيخ و تموت بيننا لولا المجهودات الجبارة التي بذلها الشباب و الطلبة في تدوين جزيئات الهوية والتاريخ الصحراوي لحمايته من النسيان والاندثار ليساهم في النهاية الى احباط اكبر مخططات العدوالرامية إلى طمس و مسح موروثات المجتمع الصحراوي الاصيلة.

محمد لغظف: البحوث والدراسات ظلت محورا ثابتا من محاور حملات التثقيف الشعبي، إذ كانت تروم توسيع قاعدة المشاركة فيها،  بحيث كان حينها يتم تشكيل لجنة للبحوث مشتركة ومتساوية الأعضاء على مستوى كل الدوائر ( أي شباب وكبار) وكانت كل دائرة تتكلف ببحث في محور محدد وبالتوازي مع ذلك كانت نخبة البحث تعمل على مستوى جهوي لإعداد البحث المحدد للولاية للمشاركة في المسابقة الوطنية عبر المهرجان الوطني لاختتام البرنامج الصيفي.

و تصب مواضيع البحث في العادة الى المحاور التالية (الجغرافيا، التاريخ، أدوات ووسائل تقليدية )، اما المواضيع المعمقة ذات الطابع السياسي أو القانوني فكانت توجه في العادة الى البحوث الكبرى .

تميزت تلك المرحلة بفضيلة التطوع لدى الشباب لدعم جيش التحرير الشعبي الصحراوي، لو تحدثونا عن هذه الخصلة النبيلة التي في سبيلها ترك الكثير مقاعد الدراسة المتقدمة من اجل الاستشهاد.

بلاهي ولد عثمان: بالفعل، ففي منتصف ثمانينات القرن الماضي التحق الكثير من الشباب بصفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي متطوعين مقدمين اسمى اشكال التضحية من اجل الوطن و راغبين في الشهادة في سبيله، بحث شهدت تلك الفترة إنضمام مئات الطلبة الى جبهات القتال بعد ان تلقو التدريبات الاساسية على مختلف الاسلحة و المركبات الحربية.

في الحقيقة كنت حينها طفلا لم اصل بعد الى سن الرشد، ولكنني اعرف الكثير من الزملاء و الاصدقاء الذين انضموا في تلك الفترة الى جيش التحرير منهم من استشهد ومنهم من لايزال يناضل من أجل التحرير كباقي افراد الشعب الصحراوي.

الخليل بوسحاب: تمثلت ذروة الرزنامة الصيفية في تجييش الشباب و تحريضه بشتى الطرق لركوب سفينة الجيش التي كانت حلم كل شاب حينها، اذ لم يخفي الشباب في تلك المرحلة شغفه و اندفاعه القوي للتطوع من اجل القتال في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي، حيث كان لهم الفضل الكبير في دعم القوة البشرية و النوعية للجيش في الوقت الذي كان بحاجة لهم و هو يستحق ذلك.

و أتذكر ان الكثير من زملاء الدراسة تركوا مقاعدهم شاغرة في المدراس الليبية و الجزائرية ليمتطوا مقاعد ادريميزات و دبابات الجيش الشعبي الصحراوي في الصفوف الامامية للقتال و لي كذلك زملاء شباب شهداء كانوا نجباء جدا في فصولهم فآثروا البندقية على القلم و أستبدلوا اروقة المكتبات بمعارك التحرير و اختاروا الشهادة بدل الحياة.

محمد لغظف: و كذلك كان التطوع والتجنيد من أقوى الشعارات التي رفعتها الجبهة الشعبية آنذاك فتلقفها الطالب الصحراوي وحولها لفعل وممارسة… لقد تلاحقت مئات بل الآف الطلبة بمدارس التدريب العسكري تاركين مقاعد الدراسة رافعين شعار شباب مقدام لتحطيم الحزام .

لقد كانت الجبهة حريصة على أن تكون الأولوية للذين لديهم صعوبة أو عزوف عن إستكمال مساراتهم الدراسية مما دفع بالبعض وانا اعرف حالات منهم الى تعمد الرسوب في الفصل أو الهروب في شاحنات الملتحقين بالتدريب، وفي بعض الأحيان كانت وزارة الدفاع الوطني تتدخل لارجاعهم قصد مواصلة دراستهم .

كل هذا ما كان ليكون لو لا قوة الخطاب التنظيمي الذي كانت تغذيه الملاحم البطولية اليومية والاعترفات السياسية المتسارعة بالدولة الصحراوية… خطاب كانت وقائعه ماثلة كشواهدا حية مثل الجرحى والشهداء ، وفي المقابل التغني ببطولات الذين آسروا وقتلوا عشرات الآلاف  من الغزاة ، و رسموا ملاحم بطولية في معارك أسطورية شكلت كلها عناصر حماسة وجذب بالنسبة للفتوة والأقدام لكل طالب آنذاك.

في نظركم، ماهي المحددات الاساسية التي ترونها ضرورية لانجاح مثل تلك البرامج الشبانية و الطلابية و البرامج البديلة التي تميز هذه الصائفة في مخيمات العزة و الكرامة؟.

بلاهي ولد عثمان: بالنسبة للمحددات الاساسية لابد ان تنطلق من الواقع والامكانيات، ومن اجل ان يتحقق النجاح لمثل هذه البرامج لابد من احتضان الشباب وتوعيته اولا من خلال وضعه في مركز اهتمام الدولة والحركة، ليس بالنسبة لبرنامج صيفي مرحلي بل لابد ان يكون هذا الاهتمام دائم ومستمر ويصل الى مختلف فئات الشباب وكذلك الاطفال ابتداءا من البلدية الى الدائرة ثم الولاية وعلى مستوى جهوي ووطني.

اقول هنا ان ركود هذه البرامج بالدرجة الاولى يعود أساسا الى تدني مستوى المنظمات الجماهيرية وتاطيرها للفئات المعنية.

ومن جهة اخرى يجب ان تشمل البرامج جغرافية المناطق المحررة وربط الشباب بوطنهم وارضهم وخاصة في هذه الصائفة.

يمكنني ان اجزم ان الدولة الصحراوية لديها من الامكانيات ما يمكنها من اعداد برامج متكاملة من مثل هذا النوع و لكن ينقصنا التخطيط و الجدية.

محمد لغظف: تابعت عن كثب و عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع  الالكترونية الوطنية و وسائل الإعلام بعضا من انشطة هذه الصائفة للشباب و الطلبة، و في العموم لم يكن ينقصها التنوع و الثراء من حيث المحاور و الانشطة لكنها كانت محتشمة من حيث الحضور، فلو أخذنا منذ الوهلة الاولى في اعتباراتنا ماهو متاح من فرص في التقدم عبر la media ووسائل العمل المتاحة لكانت النتائج مبهرة بحق.

الشيء الايجابي الملاحظ  أيضا أن هناك نوايا صادقة لبعث الروح في مثل هذه البرامج وهذا شيء مبشر تماما كما يقال في المثل “خيرا ان تصل متأخرا من الا تصل ابدا” .

فمن ضمن المحددات الأساسية لنجاح هذه البرامج أن يكون لديها أهداف تبتغى من اجل الوصول اليها، فمثلا في سياق حديثي السالف تطرقت الى المحددات التي على أساسها تم خلق حملات محو الأمية و كذلك حملات التثقيف الشعبي أساسا.

والان يبدو أن الأمور جرى عليها الكثير من المتغيرات التي يجب أن تكون محل دراسة، تؤسس عليها منطلقات وأهداف هذه البرامج الشبانية التي تقام خلال كل صيف في مخيمات اللجوء و لكن على كل حال “من سار وصل”.

لو تشاطروننا حدث أو قصة بقيت عبرة لكم و لم تفارق اذهانكم منذ ذلك الزمن الجميل.

بلاهي ولد عثمان: بالنسبة لي اعتقد ان برامج حملات محو الانية ومن بعدها برامج التثقيف الشعبي وبرامج الطلبة والشباب في زماننا كانت كلها تتميز بالكثير من الذكريات الجميلة في مختلف المجالات ولكن هناك ذكرى لن انساها ما حييت بقت منقوشة في ذاكرتي اظن انها خلال صائفة سنة 1992 لست متاكدا عندما كنا عائدين من مسابقة الرماية بين الدوائر وكنت احمل سلاح الرماية لايصاله الى مقر الدائرة وتسليمه رافقني طفل صغير لايتعدى انذاك الاربع سنوات وظل يسألني هل هذه قيثارة واقول له انها سلاح وهو يقول لي اريد ان اعزف عليها وعرفت حينها معنى براءة الاطفال انهم حقا ابرياء الى درجة الخلط بين السلاح وآلة القيثارة.

محمد لغظف: هناك أحداث ومواقف كثيرة لا تنسى من ذاك الزمن الجميل، و في هذا المقام سأروي إحدى هذه الخامات النادرة التى كلما تذكرتها  يزداد شغفي و تمسكي بطيفها أكثر بكثير مما كانت عليه منذ الوهلة الاولى.

لقد كنا مجموعة من الشباب والطلبة قيمين على إنجاز بحث لصالح الولاية وفي الوقت ذاته نجري تدريبات مكثفة على أأسلوب و نص إحدى المسرحيات التي كانت الولاية تنوي المشاركة بها في المسابقة الوطنية وكان حينها الفقيد الخليل سيد امحمد رحمة الله عليه واليا على الولاية، بحيث كان من عادته أن يتقاسم معنا كل التفاصيل حتى تلك الدقيقة منها ويواكب سيرعملنا لحظة بلحظة

و ذات يوم و بينما نحن في جلسة نقاش حول الديكور والمستلزمات المسرحية التي كنا أحيانا نلجى فيها الي ما تبقى من متاع أمهاتنا وأخواتنا من اثاث وملبس لننجز عملنا المسرحي.

وقتها طرح أحد الإخوة إشكالية المكياج لتزيين وجوه الممثلات خاصة بحيث كانت ألة الزينة نادرة انذاك واعتقد انها لم تكن بنفس الجودة والوفرة التي اصبحت عليها في وقتنا الحالي.

احس الخليل رحمة الله عليه بثقل الطلب على البنات خاصة و ذلك عندما راء إحداهن تحاول جاهدة أن تفسر بكلمات متثاقلة وعلى حياء صعوبة توفير الأمر في المخيم، فغمز لها أن تتجاوز الموضوع .

واصلنا النقاش والذي عادة كان يستمر الي ساعات متأخرة من الليل، ليأخذ الخليل بزمام المبادرة بتوصيلنا بسيارته الي عائلاتنا وخصوصا البنات الذي يحرص على إيصالهن  باساليب خاصة و  مسئولة جدل لذويهن…. وعندما همت البنت بالنزول صوب اهلها اعطاها علبة مكياج قائلا “فالدنيا ما يعجزني حد ، تمي الا متفكرشة ينعل امك” … علمنا فيما بعد ان المرحوم بعث حينها في طلب العلبة من جهة ما.

ومن نافلة القول أن الشهيد الخليل سيد امحمد كان من منظري حملات التثقيف الشعبي وكان يسعى جادا الى إجاحها وتطويرها.