عواصف الشرق الأوسط والنذر في شمال أفريقيا، هل تقع البوليساريو في المصيدة؟

من الواجب على الشعب الصحراوي التمعن والتدقيق المعمق في ما يجري في الشرق الأوسط، ليس من اليوم بل تحليله جيدا بدءا من الاحداث التي طبعت القرن الماضي لأن ما نراه الآن هو نتائج وثمار تلك الأحداث. إن التطابق التام بين القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية خاصة في القانون الدولي ومعالجتهما من قبل نفس المنظمات العالمية كالأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والإتحاد الأفريقي سبب آخر يرغمنا حتى وإن كنا كارهين على تقييم المعالجات والحلول المتبعة في الشرق الأوسط لنتفادى المفاجآت.
إن الحرب الطاحنة التي خاضها الشعب الصحراوي ضد المملكة المغربية قد شهدت العديد من الوقفات التي تستدعي التأمل والإستحضار لتشابهها مع ما حدث في النزاع الأكثر صخبا وإنتشارا في العالم (الفلسطيني الإسرائيلي) مثل حملات الإبادة والقتل والتشريد التي قام بها الغزو المغربي العفن، الدعوات المتكررة للحل والمفاوضات والتملص منها ومن نتائجها إن وجدت، وأخيرا وليس آخرا إعتماد سياسة الجدران الدفاعية عسكريا واللجوء إلى التدويل ودهاليز المنظمات العالمية وخاصة الأمم المتحدة. كل هذه المحطات ماثلة بالشكل والمحتوى في صراع الشرق الأوسط.
ومثل ما تتطابق الضحايا يتطابق الجلاد، فالشبه بين المملكة المغربية وإسرائيل خاصة من حيث السياسات الإستعمارية واضح وجلي، إسرائيل تلعب بالقانون الدولي ومنظماته يمينا وشمالا بحماية أمريكية، والمغرب يمارس نفس اللعبة بحماية فرنسية، تهاوت قضية فلسطين من مطالبة بالتحرير إلى إقامة وهم دولة مقسمة بين الضفة والقطاع ومحاصرة بدولة إسرائيل وذهب موضوع التحرير والسيادة أدراج الرياح وحل محله إتفاقات دولية (أوسلو) لم يرى منها النور إلا ما يخدم إسرائيل وخاصة وقف القتال ومنع التسلح. وبالمقابل تهاوت مطالب الشعب الصحراوي من الإستقلال التام إلى التصويت (الإستفتاء) وأخيرا تلهث حركة التحرير وراء تعيين مبعوث شخصي ومواصلة المفاوضات، ولم يطبق من مخطط التسوية بشكل متقن سوى إتفاق وقف إطلاق النار بشقيه الأول والثاني.
في منطقتي الصراع مخيمات للاجئين، ضفة وقطاع محاصران في فلسطين وأراضي محررة في الصحراء الغربية، أجزاء من الأرض والسكان تحت الإحتلال، سياسة إستيطان غيرت الطبيعة الديمغرافية في البلدين وأصبحت جزءا من تعقيدات الحل، الجدران العسكرية، تطبيع عربي مع إسرائيل وتوريط دول أفريقية في الصحراء الغربية، إتفاق وقف إطلاق النار تلتزم به حركات التحرير وتخرقه قوى الإستعمار وقت تشاء ووفق ما يخدم أهدافها، إعمار الأجزاء التي حررها الكفاح المسلح في الجانبين والإكتفاء -إلى حد الآن- باللهث وراء المنتظم الدولي لرفع الحيف عن بقية الأراضي المغتصبة (لايحك الجلد إلا الأظافر)، إنتماء دولة فلسطين للجامعة العربية (ربما كان ذلك هو المعضلة بذاتها) وتمتع الجمهورية الصحراوية بالعضوية في منظمة الإتحاد الأفريقي (عدم وجود تأثير ميداني لأي من المنظمتين لتحرير شبر واحد من الأراضي المحتلة في البلدين)، تشرذم الصف الفلسطيني إلى أكثر من سبع حركات تختلف من حيث الوزن والتأثير لكن بقي التمثيل الشرعي حصريا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وصمود الصف الصحراوي تحت لواء البوليساريو رغم المحاولات المستمرة لخلق كيانات موازية ربما تصبح مع الوقت -رغم عدم شرعيتها- ذريعة لمزيد من التعقيد، جرائم ضد الإنسانية وخروقات سافرة يندى لها الجبين لحقوق الإنسان، وإستغلال غير شرعي للثروات وإكتفاء حركتي التحرير بالتنديد والإستنكار والشجب في فلسطين (قبل وبعد) إتفاق أوسلو 1993 ومن طرف جبهة البوليساريو منذ وقف إطلاق النار 1991، والإستجابة للطرفين مثل إستجابة الأصم. وهذا يستدعي النظر والتحليل لوضعية الكفاح في البلدين قبل ذلك، وكيف كان العالم يستمع ويتجاوب معهما أثناء مراحل الكفاح المسلح. بمعنى أن الإتفاقيات التي بموجبها إستكان كل من الفلسطينيين والصحراويين لإسكات البنادق كانت مثل نزع مخالب وأنياب الأسد ليصبح يموء ويتمطط كالقطط دون القدرة على مطاردة الهدف.
إن تشريح الأحداث وتسارعها حاليا في المشرق العربي والعواصف الهادرة التي تحيط بالشعب الفلسطيني ببرقها ورعودها سواء من طرف إسرائيل أو الدول العربية والمنتظم الدولي توحي بفرض أشباه الحلول على المظلوم المقهور الخاضع للإحتلال وصاحب الحق، فلا حق لمن لا يدافع عن حقه بدمه، وبما أنه بلا مخالب ولا أنياب فسيرضخ ويقبل ما تجود به عليه قوى الظلم، وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية -الراعي الرسمي المعلن لإسرائيل- بصولات وجولات لانهاية لها من أجل تطويق الفلسطينيين من خلال التطبيع العربي الإسرائيلي.
وبالمقابل بالتمعن في سير الأحداث في الصحراء الغربية فإن الغيوم بدأت بالتشكل في المنطقة في مناخ شبيه جدا بذلك الذي يسود في فلسطين، فجميع جولات المفاوضات واللقاءات مع المغرب/فرنسا لم تثمر شيئا يذكر بل مزيد من التنكر لحقوق الشعب الصحراوي، وتقوم فرنسا -الراعي الرسمي المعلن للمغرب- بسباحة تحت التيار في المنطقة لتطويق الشعب الصحراوي من خلال نشر أذرع الأخطبوط المسموم في المناطق المحاذية للصحراء الغربية، فهل ستمطر تلك الغيوم نتائج مماثلة لما جادت به في الشرق الأوسط؟
في البلدين إستعداد شعبي تام للذود عن الحياض بالدم والسلاح وتلكؤ واضح من السلطات الرسمية في نفض الغبار عن الأسلحة -رغم مطالبات الشعب بذلك- وإعتماد الكفاح المسلح الذي أثبت التاريخ عبر كل مراحله أنه اللغة الوحيدة التي يفهمها الإستعمار ومعها ينسحب ويعترف بالحق دون أن يفاوض. كما أثبت التاريخ في جميع مناحيه ومع أختلاف أحداثه أن المفاوضات لم تعط يوما الحق لصاحبه وأنها دائما وسيلة براقة لماعة مخادعة لإنتقاصه وتقليصه برضى من سمح لنفسه بالتنازل.
إبان بدايات المساعي لحل النزاع بين سودان الخرطوم وجنوب السودان، ومع حث الطرفين على التفاوض، قال أحد قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان الجنوبي: ” لن نقع في خطأ البوليساريو” – يقصد وقف إطلاق النار- وفعلا تمكنت الحركة من تحقيق أهدافها، ولم يشهد التاريخ قديمه وحديثه أي حركة تحرير تخلت عن المدافع ونالت مبتغاها مهما كان نبل وعدالة قضيتها، وشهد التاريخ نفسه بأن كل من تخلى عن السلاح في الدفاع عن حقه ولجأ إلى التفاوض إنتهي به الأمر بشبه حل وفي أحسن الحالات نصف حل، ومهما تحصل عليه فهو ممزوج بالقهر والمهانة والذل والمن والسيطرة والتحكم من طرف الإستعمار ومعاونيه ورعاته من قوى الظلم.
نخلص من كل هذا إلى أن فلسطين الآن تجني ثمار قبولها بالتفاوض، وتلك الثمار المرة واضحة للجميع، وجبهة البوليساريو دخلت متاهة التفاوض لثلاث عقود ولم تجن شيئا لحد الآن، المكاسب التي حققها الكفاح المسلح لازالت على حالها منذ أن توقف، والمعطيات التي تحيط بقضية الصحراء الغربية متطابقة إلى حد بعيد مع المعطيات التي أحاطت بالقضية الفلسطينية في زمن مضى، فهل تقع جبهة البوليساريو في نفس الفخ الذي أطاح ودمر أغلب حقوق الشعب الفلسطيني ورماها مع الريح؟
بقلم : حمادي البشير